محمد حاج صالح في روايته (شهادة أتان): الخوف حق إنساني

أن يستخدم كاتب أسلوب رواية حكايته على ألسنة الحيوانات، فهذا أمر معروف في تاريخ الأدب، في (كليلة ودمنة) للفيلسوف الهندي بيدبا، بترجمة ابن المقفع إلى العربية، أو رسالة (الصاهل والشاحج) للمعري. لكن كلا الكتابين تضمن حكماً موجهة للحاكم والمحكوم، جاءت على شكل قصص مبتغاها، إلى الحكمة والموعظة، الإمتاع والمؤانسة. أما الجديد في رواية محمد حاج صالح، الصادرة حديثاً عن دار الآداب البيروتية 2008، فهو أسلوب التورية، لشخصيات تضمر من أفعالها ما لا تطيق أن تتحمّل عواقبه لو صرحت برأيها، ليتحمّل الراوي التصريح بما تجنبت الشخصيات قوله صراحة، ولتتّخذ شخوص الرواية لنفسها مكانة الشاهد الذي يرى ولايفعل، ليس فقط على مبدأ التقية، بل لأنّ أبطال الرواية هم: فتى أخرس، وأتان (أنثى الحمار)، وصوفيّ، أو درويش، على النمط الشعبيّ الذي لايخلو بلد عربيّ من أمثاله.

{{تناسخ الأحداث}}

في الرواية، حكاية صداقة بين أتان وطفل أخرس.. الأتان لا تطيع أحداً سوى صديقها، لكنّ مدير المدرسة، بما يملكه من سلطة “حزبية”، يضغط على والد الفتى، كي يأتي إلى المدرسة مع أقرانه، فيكون ذلك شرط أن تأتي أتانه معه إلى المدرسة، ومن هنا يشكل الثنائي حركة المكان الروائي، من المدرسة، إلى السوق، إلى ساحات الاحتفالات الوطنية، إلى مفرزة الأمن، بل وإلى وكر يلتقي فيه عاشقان خلسة!.. تنقل الرواية أيضاً مفارقات ممارسة الأتان لاستعراضاتها الصوتية المنكرة أثناء ترديد الشعارات في جرس المدرسة الصباحيّ، وأثناء إلقاء أمين الشعبة الحزبية لخطبة عصماء في حشد جماهيريّ،.. و”أخرس الشياطين”، لقبُ الفتى، سعيد بصمته، ووجهه الذي لا يعكس فرحاً، أو حزناً، حتى في جنازة أمه التي يصطحب إليها أتانه التي لاتفارقه. ولعلّ الحكمة في أنّ الأتان تفكّر ولا تقول، مثلها مثل الفتى، أنّ كليهما لايملك أن يفعل، وأنّ باقي شخوص الرواية ذاهبون في كنف السلطة حدّ الإمِّحاء، وكأنهم اختاروا طائعين ماهم فيه،.. هم شهود على حالة، وهم اختصار لشعوب تنتظر ما هو أفضل، وهم المدركون عجزهم وعجز السلطة على تأبيد هذه الحالة.

تقبع كل شخصية من هؤلاء داخل جلدها، ليتحرك فيها العقل، رائية كل أشكال القمع، لكن بجهل وعجز وتقية.
إنه الصمت، أما الصوت فهو للرصاص، الذي يُطلق المسلح منه زخات لأدنى حركة، هكذا يقتل مسلح ديكاً كان ينتقل من سطح إلى سطح، ثم يبرّر: ديك انتحاريّ. الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، فهذا الاتجاه السلبيّ في منطقة ريفية من سوريا، محاط بكمّ من الرموز التي تفضح أكثر مما تداري، وتقول الأشياء بما لاتطيق الصراحة نفسها، حتى يمكن أن يسأل قارئ عن الوظيفة الفنية لهجائية سياسية: ما الذي لانعرفه في ما يقول المؤلف، وما الفائدة من تكرار سيرة تتناسل في وعينا، وتورث القمع للحاكم والمحكوم جيلاً بعد جيل، وهل التصريح بالأسماء والشعارات بهذه المباشرة يمكن أن يشكل جزءاً من فضاء روائيّ بالمعنى الفنّيّ للكلمة؟

نعم!.. يجيب الروائي محمد حاج صالح على هذه الأسئلة دفعة واحدة، وبما يمكن أن نعبّر عنه بالمثل العامّيّ (بقّ البحصة)، فالسيرة السياسية الداخلية في سوريا، في الثمانينات خاصّة، لم تكن سرّاً، وهي بفعل استمراريتها، نسبياً، ليست في ذمّة التاريخ، كما أنها لم تأخذ ما تستحق من النقد والاستعادة، حتى ممّن عانوا من القمع مباشرة، أو بالتجاور، وأقصد عائلات المعتقلين والضحايا الفاعلين المعروفين، أو الذين ذهبوا في الظلّ نتيجة تخبّط غول القمع في طريق دفاعه عن “ثوابته”، التي أودت بحياة كثيرين، مباشرة، أو بشكل غير مباشر، بإهدار حياة كاملة للمئات والألوف منهم خلف قضبان السجون والزنازين الإنفرادية. وعليه، فإنّ الطريقة المباشرة في التعبير لا تعيب الرواية، ببساطة لأنّ اللغة هنا تقوم مقام البطل الروائيّ، وما الشخوص الذين يدورون في الزمن الروائيّ سوى شهود على ما كان من القمع، وما لم يكن من فعلهم تجاهه، بل وعلى ما لم يجرؤوا على قوله، اتّقاء شرّ لا يطيقون تخيّل عواقبه.

{{اللغة}}

للغة الرواية، هنا، أكثر من مستوى، تجعل من الفكرة الواضحة مجرد مزحة مكررة، خاصة لمن يمتلك معلومات عن المكان في زمن الحدث، فالفكرة تذهب إلى خانة اللامعقول، لكن مستوى السرد يغطي هنا حكاية تشبه، باستثناء الهمّ السياسيّ، حكاية توم سواير، فبطل شهادة أتان، الطفل، يكتشف العالم المحيط بعين شلل لسانه، وبحركية بلهاء في مكان بليد لاينتمي إلى زمان، أو مكان، يفترض أن التواصل بين البشر أصبح أكثر سهولة، حتى لانقول أكثر حرية، لأنّ طموح هذا الطفل لا ينقله في المكان قيد أنملة، فعالمه عالم أتانه، وعالم الأتان هو عالم “فارسها” الطفل، في بيئة ملغمة بالمقولات الجاهزة، التي تذهب في قوة قمعها حتى مفعول الرصاص في عالم مقيّد إلى لاشيء، وثابت كأنه لاشيء، كأنه أنموذج لـ “أبلوموف” “سوري”،.. لذلك تأتي لغة المؤلف خفيفة الظل، تحاكي بتألق ما يسمّى “شرّ البلية مايُضحك”، وتتبنى لغة بسيطة في طرح فكرة بسيطة، ظاهراً، لأن المضمون الكبير المختبر يصبح بديهياً حينما تعيشه، أو تراه، أو ترى آثاره على من عاشه وعانى منه، وبذلك لاتبقى حاجة هنا إلى فلسفة الأشياء، والإستشهاد بما يمكن أن يفتح دوائر التشابه مع تجارب أخرى، فلكل تجربة خصائصها التي تقولها الآثار التي تتركها.

في أحد مشاهد الرواية،.. يلتقي الأخرس وأتانه مسلحين، يسألون الولد عن هويته ويطلبون منه أن يهتف لصورة (الرئيس) (هو الأخرس) يردد هاتفاً بعجز.. وووو… بسخرية سوداء بين الضحك والبكاء، لتنتهي الرواية بما بدأت به، خاصة حين تنهق الأتان في تعاطف مع صوت الولد. الأتان شهدت الحدث كله، حتى “استُشهدت” بالرصاص نفسه الذي يحمي ويطبع الاحتفالات المليئة بالأنصاب والشعارات.

الرواية تقول كثيراً، بل وتوحي!.. هنالك صمت كبير، ومشاهد تتفاعل مع القارئ بدلالاتها المثيرة، مُرة ومؤلمة، فيما يطلق الفاعلون الضحك. هي رواية تسخّف القمع، تفرغه من مفعوله الوظيفيّ الذي تؤسس عليه السلطة مشروعيتها، فتعيده الرواية إلى حجمه الإنسانيّ الذي يلبس قناع القوة، فتجعل منه مهزلة.

للكاتب ثلاث مجموعات قصصية، ورواية (أحداق الجنادب) وعدد من الدراسات النقدية المنشورة في كبريات الدوريات العربية. صدرت روايته هذه في بيروت لأنه مقيم في النرويج.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This