فيلم (التجلي الأخير لغيلان الدمشقي) الحاضر ملجوماً بفتاوى الماضي!

بعد اعتذار سينما الشام بدمشق عن عرض فيلم المخرج هيثم حقي (التجلّي الأخير لغيلان الدمشقي بحجّة عدم موافقات على عرضه مساء الاثنين (18/8/2008 ) تم نقل الفيلم إلى صالة سينما الكندي التابعة للمؤسسة العامة للسينما حيث عرض الفيلم مساء يوم السبت (23/8/2008).

قدمت الفيلم الفنانة أمل عرفة التي اعتبرت المخرج هيثم حقي والدها الروحيّ كما أنه يشكل مدرسة في الإخراج، وتتلمذ على يديه العديد من المخرجين ونوهت بابنة حقي المخرجة إيناس التي تربت إبداعيا على يد أب عادل…
ثم قدم المخرج حقي أبطال فيلمه الجديد وكادره الفني الكبير وتحدث عن ظروف إنتاج الفيلم خلال (3) يوم تصوير في الشتاء رغم أن أحداث الفيلم تجري في الصيف وقال حقي : أشعر بسعادة بعد عودتي للعمل السينمائي إثر انقطاع لسنوات طوال حيث أنجزت العديد من المسلسلات الدرامية التي لاقت رواجا على الشاشات العربية مضيفا أنه من الذين استفادوا مؤخرا من السماح للقطاع الخاص في سوريا بالمشاركة في الإنتاج السينمائي رغم أن القانون السوري كان يحصر الإنتاج السينمائي في المؤسسة العامة للسينما، وهي الجهة الرسمية السورية الوحيدة المخول لها إنتاج الأفلام والأعمال السينمائية).

واعتبر حقي أن الدراما السورية دخلت للعالم العربي من أوسع الأبواب، (ولذلك نحن نأمل أن تدخلنا السينما إلى العالمية)، موضحا أن (لدى سوريا كل الإمكانات التي تسمح بهذه الاختراقات، فالنجوم متوفرون والمبدعون والأموال.. أعتقد أن غيلان الدمشقي هو الخطوة الصغيرة في هذا الاتجاه).

بعد ذلك تحدث الفنان فارس الحلو بطل الفيلم قائلا : إنّ تشرذم الوسط الثقافي السوريّ سمح في الآونة الأخيرة بدخول بعض الأفكار غير المتنوّرة إلى الوسط الثقافي والمشهد الفنّي السوريّ، فبدلا من أن يكون لدينا فكر متطوّر ومتنوّر نجد أحيانا أنّ البعض يتبنّى أفكار الذين ساهموا في قتل الفكر كما دعا الفنان الحلو إلى تجديد الحوار والارتقاء بالحالة الفكرية والثقافية.

يروي فيلم حقي قصة سامي، الشاب المثقف غريب الأطوار الذي يعمل في وزارة الصحة ويهوى تربية الطيور والاهتمام بالنباتات والمهووس بالأكل. يكتب سامي بحثاً جامعياً عن المعتزلة من خلال أحد رموزها (غيلان الدمشقي الذي كان خازنا لبيت المال في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز. صادر أموال أقارب الخليفة وباعها في المزاد العلني (ليعيد مال المسلمين للمسلمين)، ما أثار حقد هشام بن عبد الملك عليه. فأقام عليه حدّ الحرابة بدعوى الشرك بناء على فتوى الإمام الاوزاعي…

سامي يعيش مع أمه التي تموت لاحقاً وتتركه وحيداً، يكتشف من نافذة غرفتها عاهرة جميلة تسكن في البيت المقابل. ويعرف أن زوجها المقامر هو السبب في ما آلت إليه، وسيلقى هذا الزوج حتفه في حادث سير غامض. يحب سامي جارته سناء التي تتعامل معه كأخ، لأنها تحبّ شاباً مثقفاً فقيراً ذا ميول سياسية تقدمية وتنويرية. لكن أهل سناء يحاولون إجبارها على الزواج بطبيب ناجح، فما يكون من سامي إلا أن يساعدها على الهرب إلى حبيبها.

شخصية غيلان تخرج من الكتب التي يقرؤها سامي عنه فتتجسّد صورا ومشاهد متقنة تجسد الصراع بين تيارين فكريين ما زالا يؤثران على حياتنا المعاصرة تيار قال بالإرادة والاختيار عند الإنسان وتيار الجبريين الذي عطّلوا أيّ دور وأثر للإنسان في أقواله و أفعاله يقول غيلان في مشهد يجمعه مع عمر بن عبد العزيز (هل وجدتَ يا عُمر حاكماً يعيبُ ما يصنع؟ أو يصنع ما يُعيب؟ أم هل وجدتَ رحيماً يكلّف العباد فوق الطاقة؟ أو يعذّبهم على الطاعة؟! أم هل وجدت عدلاً يحمل الناسَ عل الظلم و التظالم؟ وهل وجدتَ صادقاً يحمل الناس على الكذب والتكاذب؟! كفى ببيان هذا بياناً، وبالعمى عنه عمى!

وقبل أن يصلب غيلان ، يظهر في مشهد وهو يكرر بصوت مرتفع ألم يقل الله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)

يتداخل الخط المعاصر مع الخط التاريخي كلحظة زمن ثابتة يتأبد الماضي بتناسل الفتاوى فتتداخل صور قتل غيلان مع حرق كتب ابن رشد مع دعوات الكواكبي سامي يسقط أيضا رغباته على التاريخ الذي يدرسه ويحقق أحلامه المكبوتة ويقتل من يقف بوجهها، (فوتو مونتاج) مبتكر بين العصر الأموي وعصرنا يشي بأفكار الاستبداد وسيطرة القوى الظلامية ودهاقنتها من المفتين أكثر مما يصرح، فسامي الشخصية القلقة المضطربة المهزومة هي نتاج كل هذا التاريخ حتى اللحظة المعاصرة انه إنسان مشوه بعلاقاته ورغباته وأسلوب حياته وهو خلاصة تاريخ حافل من التحريم والمنع والجبرية.
ولا ينسى مخرجنا التعريج خلال الخطّ المعاصر على احتلال العراق والنقاشات المحتدمة بفعل المقارنة بين الاحتلال والديكتاتورية وكأن لا طريق ثالث بينهما!

في حين يترك المخرج لنا بارقة أمل بمجموعة من الشباب تغنّي وتحلم بمستقبل تحيكه جارة سامي الطالبة الجامعية الشابة التي هربت بمساعدة سامي إلى حبيبها (قيس الشيخ نجيب)

يموت سامي بسقوطه المدوّي في نهاية الفيلم كنهاية طبيعية لنموذج ينسحب إلى أحلامه فيتآكل من داخله حتى لحظة الموت التراجيدية.

فارس الحلو التقط تفاصيل شخصيته النفسية والسلوكية وأطلق العنان لتجل عفوي في الأداء عودنا عليه في أغلب أدواره لتمتعه بمخيلة طازجة لا يؤثر عليها مرور الزمن فهو الممثل المهتم بالشأن العام والفن المتعايش مع واقعه اليومي بكل تفاصيله لذلك يدق الفارق بين فارس الممثل وفارس ابن الحياة اليومية.

يجسد الأدوار في الفيلم الفنان فارس الحلو، وكندة علوش، والفنان باسم ياخور، ورامي حنا، ونضال نجم وقيس الشيخ نجيب وأنطوانيت نجيب ورضوان عقيلي ، نزار أبو حجر …. وأنتجته شركة ريال فيلم للإنتاج الفنّي والفيلم يأتي ضمن مشروع حقي لإنتاج عدد من الأفلام بواسطة كاميرا ديجيتال

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق