المفارقة في رواية حُرمتان ومـَحْرَم – رواية تندد بالواقع الأبويّ وتدين الهيمنة الدينية

يتأسّس البناء السرديّ في رواية “حرمتان ومحرم” للكاتب صبحي فحماوي على مـُكوِّن المفارقة الذي يهيمن على المستويات كلها. ولعلّ القصة التي تقوم عليها الرواية تساعد على فاعلية المفارقة التي تبدأ من الصوت السرديّ الذي يصدر عنه السارد؛ فهو صوت الذاكرة الفلسطينية التي تدين الظلم والقهر الواقعين على مجتمع قطاع غزة في فلسطين المحتلة حيث يسود البؤس والشظف والموت المجانيّ والكوميديا السوداء.

ويتمثل مكوّن المفارقة في التناصّات التي تكاد تجعل  رواية حرمتان ومحرم نصًّا مفتوحًا على التاريخ الفلسطينيّ وزمن النكبة ومتتالياتها المتجسّدة في النكسة وضياع فلسطين التاريخية والانتفاضة الأولى، كما يتجسد التناصّ في الإحالة الضمنية على رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني، ففي رواية حرمتان ومحرم تضطرّ أسرتان غزّيتان إلى إرسال ابنتيهما إلى “دولة الرمال” للعمل مدرستين من أجل مساعدة أسرتيهما على مواجهة شظف العيش وبؤس الحياة في “معسكر الحصار”. ولعلّ الترميز الذي وظّفه الكاتب في استخدامه “دولة الرمال” هي محاولة للإفلات من قبضة الرقيب، وهي استراتيجية مارسها كثير من المبدعين أبرزهم عبد الرحمن منيف الذي لجأ إلى “مدن الملح” تعبيرًا عن المدن العربية التي تغتال الإنسان وتصادر وجوده.

وسوف تعيش الفتاتان الفلسطينيتان محنة خانقة في مدينة الواحة التي صارت مستقرًا لهما، فهذه المدينة بخلاف اسمها؛  تصادر الإنسان وتعمل على تشييئه، إنها مدينة مستلبة لسلطة رجال الدين الذين يمارسون الرقابة على النساء. فالمعلمة تغريد التي كانت تسير في شوارع معسكر الحصار وهي تطلق جسدها البضّ للهواء والشمس صارت محاصرة في مدينة الواحة حيث أصبحت مضطرّة لارتداء الحجاب والعباءة السوداء، والدّثار خوفًا من “الضـّباع” الذي لا يتورّعون عن التعرض للنساء والفتيات والتحرّش بهن ومضايقتهن. ليس هذا فحسب بل إنّ مدينة الواحة تعجُّ بثقافة التحريم والتأثيم حيث لم يعد بمقدور المعلّمتين التنقّل بحرية وممارسة هوايتهما بالرسم ذلك أنّ التصوير والرسم محرّمان في مدينة الواحة التي تفقد مدلول اسمها لتصبح سجنًا حصينًا مليئًا بالتابوهات. وضمن هذا السياق فإنّ مستوى الخطاب السرديّ يؤسّس مفارق متناسلة فحواها أنّ ثقافة الرقابة الدينية والمجتمع الأبويّ أشدّ وطأة من الاحتلال الإسرائيلي؛ فكلاهما يغتال الإنسان ويعتقل هويته.

كما تسجّل المفارقة موقفًا من الرجل فالرجال في المجتمع الفلسطينيّ “ينقادون من أعضائهم المريضة”، ليس هذا فحسب بل إنّ المرأة مُدانة في هذه الرواية ذلك أنّ المرأة الفلسطينية تساهم في إنتاج مفاهيم الهيمنة الأبوية، فالمرأة شريك للرجل في صناعة المنظومة الذكورية، ولعلّ ما قامت به أمّ تغريد وأمّ ماجدة يقوم دليلا على هذه الفرضية حيث قامتا بإقناع أبي مهيوب بمرافقة تغريد وماجد بوصفه مَحرمًا إلى دولة الرمال؛ لأنّ هذه الدولة تمنع دخول النساء دون محرم (أب، أو زوج، أو ابن، أو أخ، أو عم، أو جدّ..). وفي هذا المستوى تظهر دلالة العنوان فالخطاب السردي يندّد بالثقافة الشعبية التي تنظر إلى المرأة بوصفها “حُرمة” تحتاج مَحرمًا يرافقها ويظللها بسلطته المطلقة، كما يتضمن إدانة المرجع الدينيّ الذي ينتقص من شأن المرأة ويصادرُ وجودها.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق