الاحتفالية في المسرح العربي بين النظرية والممارسة

سعى المسرح العربي منذ أن وجد العمل والاجتهاد على تأصيل المسرح في المجتمع العربي، وتركز مبدأ التأصيل في فكرة إيجاد صيغ ومضامين مسرحية قريبة من ذهنية وعادات المتفرج العربي. حيث شكلت هذه الفكرة شعاراً نادى به المسرحيون العرب اعتباراً من ستينات هذا القرن. وتمثلت فكرة التأصيل بتوجه المسرحيين العرب للبحث في الظواهر الطقسية والدينية العربية التي تتقارب مع الظاهرة المسرحية، وإلى كل ما يمت للأصول والمنابع الثقافية
القديمة التي ترتبط بحاتلة المسرح وذلك لخلق حالة احتفالية مسرحية تتمثل بمشاركة كل من الممثل والجمهور في العرض المسرحي.

{{ المنابع الثقافية لظاهرة المسرح الاحتفالي:}}

لقد عمدت تجربة المسرح الاحتفالي العربي على الاستفادة عميقا من الظواهر الطقسية الدينية العربية (المولوية – الشيعة – الرفاعية) ، وبعض مظاهر التجمعات الشعبية (الزار ، طقوس الدفن “التعزية”) إضافة إلى ماقد ورد في المعجم المسرحي ل.د حنان قصاب حسن وماري الياس ” في المناسبات الاجتماعية المتعددة كالأعياد ومناسبات الزواج والطهور والموالد وغيرها من المظاهر الاجتماعية المتصلة بتراث وثقافة المجتمع العربي لربطها بطموح مسرح احتفالي عربي حقيقي”.

وقد ظهرت اتجاهات مسرحية في العديد من البلدان العربية (لبنان ، مصر ، المغرب العربي ، سوريا ، العراق ) انصبت على الكتابة والبحث في الصيغ المسرحية وشكل العرض في محاولة لاستعارة الموروث وتضمينه في المسرح .

فقد ظهر نتيجة هذا الاهتمام الكبير بتأصيل مسرح عربي، اتجاهات متنوعة في هذا الخصوص فقد ظهر كتاب يدعون للاحتفالية أمثال ( سعد ونوس، عز الدين المدني ) تشكيل فرق وإخراج وإعداد العمل المسرحي، وبيانات. فمن هذا المنظور وجه منظرو المسرح العربي اهتماماً كبيراً بمظاهر الاحتفالية الشعبية والمظاهر الطقسية الدينية المرتبطة بالجماعة والمعبر عنها بفعل التمثيل العفوي والفطري للتعبير عن التفاعل الجماعي واستمراريته. وقد قاد هذا المنظور المسرحيون العرب للتفكير والاستفادة من مجموعة أشكال الفرجة التي عرفها العرب قديماً (السامر – الأرجوز – سوق عكاظ – وسوق المدينة الاحتفالي – الحكواتي) وجميع الأشكال الفنية الأخرى المرتبطة تاريخياً بتقاليد المنطقة والمعبرة عن الوجود الاجتماعي الحيوي الشعبي. وقد أصبح الاحتفال المرتبط تاريخياً بالوجود السياسي والديني والاجتماعي، مبرراً لتأكيد المصداقية التاريخية لمعرفة العرب بشكل المسرحة الفنية المرتبطة بالجماعة والمعبرة عنها. من هذه التجارب تجربة مسرح الحكواتي في لبنان والضفة الغربية، ومنها كل التجارب الاحتفالية في المغرب العربي، كذلك كتب العديد من الكتاب بهذا الاتجاه نصوصاً مسرحية تتبنى هذه الأفكار، وكما نظّر لهذه الأفكار أيضاً نقاد ومختصين في مجال العمل المسرحي. أمثال “عز الدين المدني” تونس – قاسم محمد العراق حيث أكدوا على ضرورة تصعيد المعرفة الفنية الفلكلورية ، وذلك بابتكار نصوص أدبية تتضمن الموروث الشعبي وتسعى لطرح قضايا تهم المواطن العربي وتحثه في البحث عن هوية حقيقته ووجوده، الأمر الذي يساعد المسرح العربي عل اكتشاف هويته الجغرافية والتاريخية وتفعيل هذا الاكتشاف لتجاوز أزمة حقيقته ومكانته الحضارية المرتبطة بتقاليد المنطقة عبر عملية تأسيس شاملة تربط بين الشكل والمضمون ربطاً منظماً هادفاً . لقد قدم المسرحيون العرب بعض تجاربهم المسرحية الهادفة لخلق حالة تفاعل عربية صحية، في أمكنة التجمعات الشعبية، حيث لم يكن الهدف من وراء ذلك هو النزول إلى مستوى الذوق الشعبي لمجاراته، بل كان الهدف هو تطوير الذائقة الشعبية، عبر طرح مجموعة من القضايا تهم وتستثير المواطن العربي المستلب ثقافياً وفكرياً.

{{ ظواهر الاحتفالية :}}

سنتوقف هنا عند ظاهرة محددة في المسرح الاحتفالي كونه شكل اتجاها متكاملاً شكلاً ومضموناً على مستوى الكتابة والممارسة والتنظير. من أهم من نظر للمسرح الاحتفالي المغربي “عبدالكريم برشيد” في مجموعة بيانات سميت “بيان المسرح الاحتفالي العربي الأول ” وتنطلق هذه البيانات من مفهوم خاص تذكره مؤلفتا المعجم المسرحي ” تربط بين الاحتفال والعييد، على أساس أن الناس في العيد يخرقون ملل الحياة العادية لأنها تفترض نوعاً من التمرد على الحدود العميقة للحياة اليومية. تدعو هذه البيانات إلى جعل المسرح عيدا من الأعياد المتكررة، والممتدة ليكسب المسرح الاحتفالي الاعتراف الشعبي، وليصبح ظاهرة شعبية لها حرمتها وقدسيتها وطقوسها ومكانتها في الوجدان الشعبي وفي عادات الناس وأخلاقهم “.

وقد قدم عبد الكريم برشيد في بيانه هذا مجموعة مبادئ تخص تجربة المسرح الاحتفالي، تهدف إلى تفعيل ظاهرة المسرح العربي ” فيماناً بضرورة خلق الأجواء الصحية، وخلق تفاعل جاد، وإيماناً بضرورة الخروج من الفوضى الفكرية التي شتت المسرح العربي وتصوراته، وحتى نعطي للمسرح العربي هويته الحقيقية، فقد أرتأينا إصدار البيان الأول للمسرحالاحتفالي والدفع به إلى الساحة الأدبية ليكون باب جديدي للحوار والجدل تعيد للمسرح اعتباره وقدسيته لتحمل مسؤوليته في معركة البناء”.

ويعرف برشيد تصوراته عن الاحتفالية قائلاً ” الاحتفالية ليست مجرد شكل مسرحي قائم على أسس وتقنيات فنية مغايرة، بل هو بالأساس فلسفة تحمل تصوراً جديداً للوجودوالإنسان والتاريخ والفن والأدب والسياسية والصراع”.

مكان المسرح الاحتفالي، بالنسبة لما ورد في البيان هو في الأساس مرتبط كل الارتباط بمكان الاحتفالات الشعبية نفسها وذلك ليحقق المسرح الاحتفالي العربي مصداقيته وتأثؤره على الجمهور العربي “إنه أبداً ليس من قبيل الصدفة أن يقع الإعلان عن الاحتفالية من مدينة مراكش – ذلك لأن المدينة ومن خلال ساحتها (جامع الفنا) كانت دائماً سوقاً للوجدان الشعبي ، إنها احتفال شعبي مفتوح، احتفال يسجد الفعل الدرامي، هذا الفعل القائم على وسائل تعبيرية مختلفة (الشعر، الغناء، الحكاية، التقلي، الزجل، الألعاب البلهوانية كما أن يقوم أيضاً على تواصل الذوات وتحاورها داخل المكان الواحد (جامع الفنا) والزمن الواحد، كل يتم انطلاقاً من وجود قضايا مشتركة وتوفر حس جماعي). وبما أن الاحتفال يشترك مع المسرح في الكثير من جوانبه على المسرحة، بما يخلقه من ابتكار لحيز الفرجة، والمشاركة الاجتماعية، وانطلاقاً من فكرة أن الاحتفال هو ظاهرة بشرية اجتماعية لازمت المجتمعات العربية واندمجت مع حاجتها العميقة للاحتفال بمظاهر التجدد (الموالد الطهور) ومظاهر الانقطاع (التعزية). تكون ب1ذلك – الممارسة الاجتماعية الاحتفالية تعبيراً عن الحس الجماعي الجمالي للمجتمع العربي.

ولكن مع نجاح بعض هذه التجارب، إذ لا شك أن التجربة ككل بغض النظر عن فكرة تأصيل المسرح كانت تجربة رائدة على مستوى تطور المسرح العربي وشكلت نقلة نوعية أعطت نصوصاً جديدة وروح جديدة للمسرح العربية (كتجربة مسرح الحكواتي في لبنان روجيه عساف ) حيث استطاعت مثل هذه التجربة تطوير شكل ممارستها الاجتماعية عبر تفعيل نصوصها المسرحية بما يتناسب مع الطروحات النظرية التي دعت إليها إذا عمدت مثل هذه التجربة إلى تأصيل شكل تراثي بصورة معاصرة، لأنها لم تأخذ الفكرة الاحتفالية كما هي، بل كان هناك محاولة لتطويع التنظيرات الاحتفالية لصالح رؤية وقراءة معاصرة للحاضر.

الأمر الذي لم يتأصل ويتحول إلى ظاهرة فعلية في تجربة “عبد الكريم برشيد” لاتساع المفاهيم والمنطلقات المتعددة في تنظيرات البيان لاستعارته شكل التجارب المسرحية الأوربية ولكنه فعلياً لم يستطيع تأصيل مثل الظاهرة لاحتوائها على مضامين نظرية كانت أكبر من مستوى إمكانية الممارسة الفعلية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق