تداعيات الأنا في سيرة الآخر

ما السيرة ؟

       

 “للسيرة”
عدة مدلولات مندمجة يستقيم أن نحتفظ من بينها بمعنى الترجمة المؤسطرة
للغير. ولا تعني “الأسطرة” الانحياز في نقل الأخبار بالضرورة حتى وإن
تعمّد السرد التحليق عاليا والابتعاد بالقارئ عن التفاصيل الموضوعية
المشكّلة للواقع ترسيخا لمجمل التمثّلات والانطباعات المتصلة بالذهنيات
السائدة.

نحن إزاء خطة ترمي إلى استعراض الوقائع بشكل
يحوّل التفاصيل المعيشة إلى شيء استثنائيّ ليس للذوات العادية القدرة على
إتيانه، حتى وإن أشّر هذا الوضع على تداخل بين السيرة كتوصيف للمنجزات
الدنيوية للفرد والمنقبة والمأثرة كخطاب يتقصّى المثال الأخلاقيّ والموعظة
الدينية.

       

 الترجمة
لسِيَر الحكّام ظاهرة ضاربة في القدم يمكن العودة بها إلى القرن الأول
الذي شهد ميلاد مؤلَف موحٍ من وجهة نظر الإشكالية التي نحن بصددها، ونقصد
كتاب “بلوتارك Plutarque ” الموسوم بـ “السير المتوازية (Vies parallèles “. (1 
وهو كتاب اقترح ضمنه تراجم عدد من الساسة أو القادة العسكريين بدءا بـ
“حنبعل Hannibal” والاسكندر الأكبر، مرورا بـ”صولونSolon ” و”بركليس
Périclès”و”يوليوس قيصر Jules César “، وصولا إلى القائد الإغريقيّ
“تهيميستوكل Thémistocle . وحتى وإن لم يكن كتاب “بلوتارك” الأول في ضربه،
فصاحبه بشهادة العارفين بجنس السير أو “البيوغرافيات” ” أمير كتّاب
السيرة” تماما مثلما اعتبرت “اعترافات روسو” أمثل تصنيف يؤرّخ لبداية
التأليف في السير الذاتية أو “الأطوبيوغرافيات”.

    

  ولئن
خبا الاهتمام بهذا الضرب بعد رسوخ ضوابط المعرفة التاريخية كما شكلتها
المدرسة الوضعية، ووُسمت التراجم أو السير الموضوعة في حقّ الشخصيات
التاريخية الفاعلة بقلة الضبط نظرا لفسح مؤلفيها – باعتراف Plutarque نفسه
–مجالا واسعا للتخيّل عبر مقولته المشهورة ” نخن لا نكتب تواريخ بل نضع
سيرا Nous n’écrivons pas des histoires mais des vies  “، فإن الاهتمام
بهذا الجنس قد طفا مجددا على سطح المعرفة والكتابة التاريخيتين وذلك بشكل
متصاعد منذ أواسط ستينات القرن الماضي. 

     

   لهذا
الاهتمام مبرراته المتمثلة في عودة التركيز ضمن التخصّصات الإنسانية
والاجتماعية على الفرد، وهو تركيز اعتنى كثيرا بمكتسبات التناهج بين صنوف
متعددة من العلوم الإنسانية وغير الإنسانية. 
   تشكّل
التراجم إذن، جنسا هجينا يتموقع على خط تماسّ ضرورتين: نقل تفاصيل الواقع
المعيش بالخضوع لضوابط الكتابة التاريخية كمعرفة دقيقة، والحاجة الملحّة
إلى التعويل على التخيّل قصد التمكّن من تشكيل الحلقات الضائعة ضمن مسار
حياة الشخصية المترجم لها عبر فسح مجال واسع للحدس وللمقدرة الإبداعية
تحديدا. 

      

  هذا
الإطار المنهجي هو الذي رسّخ الاقتناع بأن الوحدة السردية “للبيوغرافيا”
أو الترجمة لا تعدو أن تكون “مزيج غير ثابت من المعطيات المختلقة والتجارب
المعيشة، لأن مؤلف السيرة لا يستطيع تجاوز تعقّد الواقع المعيش إلا
بالاستناد على أدوات السرد والحكاية، لذلك غالبا ما شكّل السرد الروائي
حلا لتجاوز الثغرات وملئ الفراغات، علما أن التعبير عن المعيش أو نسجه
يخضع بالضرورة إلى تجاذب بين الذاكرة والنسيان، لذلك فإن اعتقاد تسليط
الضوء على واقع الأفراد والتكشّف تبعا لذلك على مسار حياتهم في جزئياته
وتفاصيله الدقيقة هو الطموح الذي يقود مؤلف “البيوغرافيا” والحرج المنهجي
الذي يعرّض تجربة الكتابة لديه إلى الإخفاق في آن”. 

 


ما يكشف عنه مؤلف “البيوغرافيا” حاضرا هو إيقاع الحياة وانطباع اللحظة.
كما أنّ المقارنة بين ما ينجزه الروائيّ الذي يطلعنا على التفاصيل الحميمة
للشخصيات المؤثثة لنصه الإبداعيّ ومؤلف الترجمة الذي تَحُول الحدود
الموضوعية للوثائق بينه وبين هذا التطلّع الجذاب والمثير، تنبئ
بالمنـزلقات الحقيقية للترجمة كجنس أدبيّ تحفّ به عناقيد متشابكة من
المحذير. وإذا تمثّل طموح مؤلف “البيوغرافيا” في رفع تحدّي الاقتراب من
الواقع قصد الكشف عن الحقيقة المعيشة، فإنّ احتياجات القاعدة العريضة
لقُرائه لا تعبأ بمدى تمسّكه بالمقاييس الموضوعية للمعرفة، لأنّ ما يشدّها
إلى نصّه بالأساس هو انعكاس صورهم على المرايا المحدبة للسيرة المقترحة،
تلك التي يدعى المؤلف إلى تركيب تفاصيلها بدهاء وصنعة أدبية مثيرة للدهشة.
فالجميع مُؤَلِفين كانوا أم قراء يسعون بطريقة واعية أو من دونها إلى أن
تلامس “البيوغرافيا” الحقيقة الوجدانية للرواية وقدرة الباحث الحرفيّ على
إقناعنا بالوثوق بما ركّبه من “صحيح” الوقائع أيضا.

 


تتموقع تجربة الكتابة “البيوغرافية” إذن بين حدّين متباعدين: يُنصف الأول
المقدرة الروائية موضع تجلّي الإلهام الأدبيّ ونزق الحدس الكاشف عن ثراء
العوالم النفسية للشخوص أو الأبطال، في حين يعيـر الحدّ الثاني قيمة أكبر
للمعطى التاريخي الموضوعيّ، كاشفا عن سعة التبحّر. وتتخلل هذين الحدين
المتباعدين فسحة شكّلت على الدوام الحاضنة الحقيقية لميلاد التراجم أو
النصوص البيوغرافية.

عن تلك الفسحة ومن مسالك هوامشها المجددة نقترح فقرتين تكشفان عن نصيب خالص التجربة الأدبية في تطوير نظرتنا إلى الكتابة السيرية.  
 
“الأنا والآخرL’un et l’autre ” : قراءة في تجربة نشر فارقة:

     

 تعود هذه
التجربة التي نزعم توفُرها على حد غير يسير من الطرافة، إلى المحلل
النفسيّ الفرنسيّ “جون برنار بونتاليس Jean-Bernard Pontallis” 2تنخرط
ضمن مجموعة من التجارب اتخذت من تمرين “البيوغرافيا” مظنة لممارسة نوع من
التجديد الأدبيّ.  فقد قرّر “بونتاليس” القادم من مجال الفلسفة والتحليل
النفسي التخلّي، في بداية الثمانينات وقد جاوز سنه الخمسين، على إدارة
“المجلة الجديدة للتحليل النفسيّ” ليخوض تجربة الكتابة الروائية، مقترحا
على مؤسسة “غاليمار Gallimard ” تبنّي مشروع سلسلة جديدة تعرض على عدد من
مؤلِّفي السير تدوين ما قد تستقيم تسميته بارتساماتهم الشخصية حول طبيعة
العلاقة التي ربطتهم بذوات صادفت مسيرتها هوى خاصّا في نفوسهم، سواء توفرت
تلك الشخصيات على صيت واسع أو اتصل رصيد هيبتها بخصوصيات العلاقة الحميمة
التي ربطت بينها وبين أولئك المؤلِفين. 

 

     ولا
تحتاج مثل هذه التجربة في الكتابة إلى صياغة عرض سيري مستوفى بمفهومه
التقليدي، بل تقترح محاورة تحليلية لما ارتسم في ذهن المؤلف من ذكريات
ذاتية أو حميمة شكلت بالنسبة إليه سببا كافيا لإثارة جوانب خصوصية أسعفته
في بناء محاورة عميقة بينه وبين من اتخذ منه “رفيق درب”، ودلّت عن مدى
تأثّر مساره بسيرة من تصدر للتعريف بفرادته لدى شرائح واسعة من قُرّائه. 

 

      لئن
أشّرت هذه العلاقة عن تماه مع أسلوب التحليل في الطبّ النفسيّ، علما أنّ
الآخر غالبا ما يُنظر إليه كتعلّة للحفر في لاوعي الكاتب نفسه، ذاك الغريب
القابع في أعماقه الداخلية، فإنّ تلك التجارب لم تُفض إلى انزياح العناوين
المقترحة نجو تقديم محصّلة جلسات التحليل النفسيّ للشخصيات المتوغَل في
الطبقات السميكة لمسارها الفردي، حتى وإن أظهرت التأثير العميق لتوجهات
التحليل النفسيّ على نمط إنتاج الحقيقة، فتمازجت العروض الروائية عندها مع
تهويمات المؤلف بطريقة  دالة أنبأت عن كيفية اشتغال هذين العنصرين داخل
تجاويف لاوعينا البشريّ. 

 

      ما
يحسب لـفائدة “بونتاليس”، بحكم انتسابه إلى حقل التحليل النفسي وإشرافه
على إدارة هذه السلسلة التجريبية أيضا، هو تيقّظه لخطورة التوجيه الروائيّ
الذي يتحكم في طريقة بناء السرد وتعمّد المؤلف عن قصد التدرج في عرض وقائع
السيرة وفقا مقتضيات الحيثية الاجتماعية المُتوِّجة لمسار الفرد،
وتَحَوُّل تلك الحيثية تبعا إلى قدر محتوم لا سبيل لإعادة ترتيب حلقاته.
لذلك عارض مدير تلك السلسلة بشدة انقلاب ارتسامات أولئك المؤلفين إلى
استعادة محسومة التوجه لتفاصيل سِيَر من اشتغلوا على تراجمهم، فاسحا بتلك
الطريقة مجالا رحبا أمام ما لم يتم البت بشأنه أو الحسم في أمره بَعْدُ،
لحظة استعراض كتّابه لتفاصيل الحاضر المشكِل واقعيا للماضي الأثير الدال
على فرادة مترجَميهم.

 


أثبتت هذه السلسلة خصوصية المقاربة التي تمّ الاشتغال عليها والطابع
الفارق لما تمّ انجازه، فقد تشابكت ضمن “التمارين المقترحة” المعطيات
الروائية المتّصلة بسيرة الآخر، بتلك المتعرضة لسيرة المؤلف الشخصية لحظة
استكشافها للغيرية. فانجلت مغامرة البحث ساعتها على “الحقيقة الموضوعية
لحضور الأنا لدى الحديث عن الآخر وحضور الآخر أيضا لدى التحدّث عن الأنا. 

 


“الأنا والآخر” متلازمان غير منفصلين، يتخلّلان ضرورة كلّ مشروع يصبو إلى
تحبير عرض سيريّ أو “بيوغرافيّ”. وإذا ما تجاوزنا المستوى الأوّلي لتقييم
هذه التجربة المثيرة في النشر، فالظنّ أنّ ما تمّ تحقيقه بفضل بعث هذه
السلسلة هو التوصّل إلى كتابة ارتسامات تكون الذاكرة طرفا فاعلا في
اختراعها ويتعهّد الخيال بنفض الغبار عليها بينما تعود مهمة تحريك شخوصها
ووقائعها إلى عارضة مؤلفها المُلْهَمة. 

 


كان “بونتاليس” يصبو إلى أن تُحكى أدقّ التفاصيل المشكّلة للسِيَر بأدوات
غير تلك المعتمدة في تنظيم العروض البيوغرافية التقليدية. فـ”الأنا” يتعين
في تقديره أن يكون “ملتحما بالآخر، الكاتب بمعية من تخيّره رفيق درب،
الرسام بمعية من جنح لرسم ميسمه أو تسجيل تقاطيع ملامحه”. فما المدلول
الواقعيّ لتلك الرابطة الحميمة الوثيقة التي جمعت بينهما ؟ ذاك ما
استهدفته من منظورنا الشخصيّ تجربة “بونتاليس”، وفي ذلك تكمن في تصورنا
الخاص طبيعتها الفارقة قياسا لجميع التجارب التي قاسمتها نفس المجال
المعرفيّ أو الأدبيّ.              

 

رائعة السلسلة: كتاب “الأسفل Le Très-Bas” كريستيان بوبان Christian Bobin”          

 

جاء “كريستيان بوبان” (3)

ولد في بداية خمسينات القرن الماضي إلى عالم الأدب من مجال الفلسفة، فقد
عاينت سيرته توافقا مربكا مع تلك التي عاشها مدير سلسلة “الأنا والآخر”
الغالمارية “جون برنار بونتاليس”.  تتّسم نصوصه الأدبية التي ظهرت تباعا
مع بداية الثمانينات ونشرت في عديد الدور المتواضعة أو الصغيرة، بالاقتصاد
في اللفظ وتركيب لوحات أو ومضات مكثفة تعكس واقعة بعينها أو حيزا  زمنيا
وجيزا. يمكننا بسهولة نسب نصوصه الإبداعية إلى مجال الرواية، كما أنه
باستطاعتنا تمييزها عن ذلك المجال وربطها بالمذكرات الحميمة المضارعة في
أسلوبها لأجمل “مدوّرات” الشعر.

 


نحن إزاء مبدع لا يعير أهمية كبيرة فيما يؤلفه لنواميس التخصصات المعرفية
وحدودها، ولا يعبأ بما تفرضه كبريات الهيئات الأكاديمية بخصوص رسم
المصطلحات الهامة بأحرف كبيرة. كثيرة هي الكلمات التي لم تلاق لديه نفس
العناية التي أولاها لمفردات بسيطة كالفستان والشجرة والصباح والمطر على
سبيل المثال.      

 


لـ”بوبان” إيمان جنونيّ بالمعنى العميق للفظة حبّ، تلك التي سعى بإصرار لا
يوصف إلى كتابتها بأحرف ضخمة تناسبت مع ما خصّها به من إجلال.  وحتى وإن
أفرطت كتبه في الاحتفاء بالتفاصيل معوّلة قي ذلك على أدوات الصنعة
الروائية، فإنها قد تجنبت جميع القوالب النظرية الجاهزة أيا كانت نجاعتها
المعرفية. هوسه ببسيط الأشياء مع استنكافه بل تعففه من الرغبة في
امتلاكها، هو الذي أكسبه القدرة على الإصغاء بتركيز لجميع ما يدور حوله،
تماما كالصبيّ الذي يتخيّر زاوية في باحة المدرسة لمتابعة ما يقوم به
أقرانه دون رغبة جامحة في مشاركتهم ما يأتونه من خالص المتعة. وضعية
الصبيّ المتأمّل بتدبّر لما يأتيه غيره من الصبية من حركات وأفعال تحوّلت
لديه بالتقادم إلى ميسم وعلامة خاصة بشخصيته الأساسية. 

 

      لم
يشغله طالبا الفلاسفة المنظرون على غرار “هيغل Hegel” الذي هيّأت نظرياته
أرضية مثلى لولادة الماركسية، بل استهوته على النقيض من ذلك فلسفة
“كركيغار Kierkegaard ” الممركزة حول إدراك المعنى العميق للفرد.  كما لم
يحبذ أديبا الالتزام بمدرسة أو بنظرية أدبية أو علمية أو سياسية، لأنّ
التنظير في شرعته قبول بارتداء لبوس الفناء والموت، وهو ما لم يرضَه لنفسه
حتى وإن كان ثمن نقضه للأسبار الاجتماعية أقصى درجات الانكفاء والعزلة.

 

     لهذه الأسباب وغيرها اختار “بوبان” لصياغة ارتساماته ضمن سلسلة “الأنا والآخر” شخصية القديس “فرانسوى داسيز”(4)وهي
شخصية وإن سيطر الاهتمام بشأن السماء على معظم أخبارها، فإنها قد وُفقت في
توظيف ذالك الشاغل الرئيس للتعبير عن قدرة لا تضارع في تدبّر مختلف
المشاغل التي أثثت مسارات مختلف الكائنات الحية التي تقاسمت معها قدر
العيش في نفس المكان وخلال نفس الفترة الزمنية.   

كتاب “الأسفل” نصّ فارق عرضته سلسلة “الأنا
والآخر” على قرائها النخبويين في غضون سنة 1992 لم يكن في تصوّر أحد، بما
في ذلك مؤلفه الذي لم يسبق لواحد من بقية مؤلفاته أن سحب في عدد من النسخ
تزيد عن الخمسمائة، أنه سيلقى حال صدوره ذلك الإقبال الملفت، ويتحول
بالتقادم إلى “كتاب شباك Best-seller” تمكنت “مؤسسة غالمار للنشر” الفكرية
التوجهات أن تبيع منه حسب آخر ما قدمته من إحصائيات ما يربو عن 160000
نسخة.

 

ولئن شكل
الحدث انقلابا جذريا في موقع مؤلّف منكفئ على نفسه “لم يتمتع حسب توصيفه
وخلال إعداده لجميع نصوصه الأدبية بأكثر من متابعة تأثيث بنات حواء
للمكتبات العمومية وتنفس رائحة نسخ الكتب المصفوفة على رفوفها”، فإنّ حياة
الشهرة لم تجعله يتخطى معتكفه العائليّ بمنطقة “الكريزوا Creusot  ”
الواقعة بجهة “سون لوار Saône et Loire” الفرنسية مع التمسك برؤية أو
تعريف خاصّ لفعل الكتابة لا يقصر كنهها في المدلول الضيق للنشاط الأدبيّ
فحسب، بل يربطها بزاوية نظر أرحب تحيل على اللذة التي نجنيها جميعنا
ككائنات مفكرة من خلال عبورنا لجسر الحياة. ولأننا لن نستطيع مهما كابرنا
أن نعلّب تلك اللذة في شكل بضاعة نبتاعها على غرار ما نقتنيه لإشباع حاجات
بطننا، فإن “كريستيان بوبان” قد أدرج مدلولها ضمن سياق مغاير يشبه في
فجاءته حالات الحب أو العشق العارم التي تخترق بعيدا حياة الشخص متغلغلة
في كيانه آسرة بالرمة جسده آخذة بجميع كيانه.

 

 

عشق
اللحظة الزائلة أو العابرة” هو المدلول العميق لارتسامات مؤلف كتاب
“الأسفل Le Très-Bas ” حول سيرة “فرنسوى دسيز” ذاك الذي أعرض الكاتب عمدا
على نعته بـ”القديس”، لأنّ في ذلك انخراطا في أحبولة “تضخيم الأحرف”
وإعراضا عن تعقّل مسار الترجمة في فرادتها وغيرتها المختلفة عنّا والعاكسة
لذواتنا في آن.

والظن أنّ في هذه المقولة التي نقتطفها من
مؤلفه الموسوم بـ”العائد إلى الحياة Le ressuscité” المنشور سنة 2001
انعكاسا صادقا لنظرة “بوبان” العميقة لفعل الكتابة لما يقول”: ” ما حصل لي
تحديدا هو أنني دخلت في يوم من الأيام في علاقة أصبحت فيها كل كلمة أكتبها
أو أتفوه بها يتلقاها غيري بمنتهى السهولة وكذا الأمر بالنسبة لحالات صمتي
التي صادفت هي أيضا نفس الآذان الصاغية. ولم يكن ذلك التلقي من قبيل حالات
الإحساس بالانصهار التي يشعر بها المحبون في بدايات مغامرات غرامهم، كان
هناك عمق أكبر بكثير يقترب في تصوري من نغمات الموسيقى المعافاة من أي
نشاز تلك التي نفرد حين الاجتماع لسماعها أجنحتنا الشفافة كي نتمكن مثل
“اليعاسيب” تماما من الانفصال عن بعضنا البعض. 

 

      ولأنني جربت ذلك القدر الكبير من
السكينة، فإنني أعتقد أنّ الحبّ الخالص لا يمكن أن يكون من باب العواطف
الجياشة التي تجترحها عارضة شعراء أو كُتّاب كلمات الأغاني، ولا هو أيضا
من باب الرغبة الجنسية التي حوّلناها حاضرا إلى ما يشبه المصيدة أو الطعم
الذي ينصب للمستهلك مراودا إياه على القبول بنهمه المفرط. الحبّ هو معجزة
تجعل صمتك كلاما مسموعا وتعطيك القدرة على الاستماع بنفس الرهافة إلى ما
لا يحتاج الآخر إلى التلفظ به أمامك كي تستطيع سماعه. إنه الحياة في أعلى
درجات صفائها، رهيفة كالهواء الذي يسند أجنحة اليعاسيب مُغتبطا
برقصاتها”.       

 

 

الهوامش:

 1tarque, Vies parallèles, éd. Quatro-Galimard, Paris 2001
2-
د بونتاليس في 15 جانفي 1924 وألف بمعية “جون لابلونش Jean Laplanche ”
كتاب “مصطلحات التحليل النفسيLe vocabulaire de la psychanalyse ” من
مؤلفاته الأدبية “حب البدايات”، “طفل الأطراف L’enfant des limbes”، “ضياع
رجل Un homme disparaît “، “اختراق الظلال La traversée des ombres “،
“النائم يقظاLe dormeur éveillé “، أما آخر مؤلفاته فهو مجموعته القصصية
“هن Elles ” الصادرة سنة 2007 عن مؤسسة غاليمار Gallimard للنشر.
3-
أديب وروائي فرنسي ولد سنة 1951 اتصل تكوينه الأساسي بالفلسفة. نشرت له
منذ سنة 1980 العديد من دور النشر قرابة الخمسين مؤلفا أشهرها على الإطلاق
كتاب “الأسفل” المنشور عن مؤسسة غاريمار سنة 1992 . أما آخر أعماله
الأدبية المنشور بنفس المؤسسة سنة 2007 فيحمل عنوان “السيدة البيضاء La
dame blanche “.
4- اش هذا الراهب الإيطالي المنشأ الكاثولكي المذهب
بين سنتي 1182 – 1226 واشتهر بتأسيسه لرابطة الإخوان الصغار الفرنشسكيين 

Frères mineurs franciscains  المنتسبين إلى طريقته الدينية. قامت الكنيسة
الكاثولكية بمنحه درجة القديس canonisation  بعد سنتين من وفاته أي في
غضون سنة 1228.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق