11 سبتمبر بعد سبع سنوات : أيّ أسئلة وأيّ موقع نقديّ؟ (2) “رجع أيلول” والأصولية الشعبية …

كعادة بعض الفضائيات العربية في كل رأس سنة استضافة نجمات “خبيرات الفلك”، كانت الفلكية اللبنانية ماغي فرح ضيفة على إحداها في رأس سنة 2002، سألتها المستضيفة ليلتها ما يشبه السؤال التالي: أكثر من ثلاثة آلاف شخص ماتوا في صباح الحادي عشر من أيلول في انهيار برجي التجارة في نيويورك، وكانوا من جميع الأبراج، فهل كان كتابك عن توقعات الأفلاك والنجوم للعام 2001 يحذر كل أصحاب الأبراج من أحداث أيلول أو من كارثة اليوم الحادي عشر منه؟ أجابت ماغي فرح بأنها حقا كانت قد أوردت في كتابها تحذيرا لكل الأبراج من تلك الفترة الممتدة من أول أيلول حتى العشرين منه، ويمكن لأي شخص أن يعود إلى كتابها ويتأكد من ذلك!

لا أدري إن عاد أحد لكتاب السيدة فرح، ولكن إن حصل فعلا فلا بدّ أنه عدد قليل جدا من بين من استمع لجوابها. أما الآخرون، فإن كانوا ممن يؤمنون بالتنجيم والأفلاك فلن يكون الوثوق بصدق ما أجابت به أشدّ على نفوسهم من تصديق نبوءاتها. والأمر نفسه ينطبق على أولئك اللذين سمعوا عن الآية الحادية عشرة من السورة التاسعة من “القرآن الكريم” (11/9) والتي زُعِم أنها تتنبأ بتفجيرات أيلول وتحدد اسم الشارع كما ورد في الآية المذكورة “جرف هار” والتي تعني شارع “جيرفهارد” المنكوب في نيويورك، والإعجاز يبلغ مبلغه عندما تعلم “هداك الله” أن هذه الآية هي الآية رقم 2001 من بين آيات القرآن ابتداء من سورة الفاتحة !

ليس الأمر مجرّد دعابة فقط، ومع أني لا أعلم أنّ أحدا من رجال الدين ذكر هذه المعلومات، لا في برنامج تلفزيونيّ ولا في خطبة جمعة أو في مقال أو كتاب، ولكني سمعتها كثيرا من أناس عاديين في الحيّ والشارع والمقهى والعمل، والغريب أن بعضهم يعمل في التدريس أو ما زال يتعلم في الجامعة، وكنت أعلم أيضا أن بعض منتديات الإنترنت التي تمثل حقلا من حقول “الدعوة لله” وإحدى سبل التذكير “سواء بالترهيب أو بالترغيب” قد روجت لهذه المعلومات، ولم أكن أدري فيما إذا كان من يقوم بنشر هذه “اليقينيات” قد عاد إلى الآية المذكورة أم لا، إضافة إلى أنني لم أجد الدافع للعودة والتأكد مما تورده الآية (11) من السورة (9) في القرآن، ولم أتشجع على مكابدة عناء إحصاء عدد الآيات والتأكد من أنها (2001) آية حقاً.

يشير الأمرأيضا إلى دلالة غريبة، ولست هنا بصدد القول بأنها أيضا خطيرة، هذه الدلالة التي تكشف كيف أنّ “المؤمنين” الحاليين سيتمثلون خطورة المهمة وعظمة الغاية وثقل الأمانة، وقد اختارهم الله لعصر تتنبأ آيات الكتاب بأحداثه في اليوم والشهر والسنة، وربما لو دققوا أكثر لاكتشفوا ورود توقيت التفجير بالساعة والدقيقة والثانية.
ومن بعدها صرت ألاحظ ضمن المجتمع الذي أعيش فيه تنامي الأصولية الشعبية التي صارت تكبر يوما بعد يوم (ولست أقصد أن هذه نتيجة للمقدمة السابقة)، وصارت أمريكا هي العدو الذي أخبر عنه القرآن، وصارت واقعة أيلول واحدة من “الغزوات” التي تضاف إلى تاريخ “الجهاد الإسلامي ضد الكفر والإلحاد وأعداء الله”. وصار بن لادن رمز الإسلام وإمام المسلمين والبطل البديل عند كل هؤلاء الذين لم يجدوا في الزعماء العرب والمسلمين من رؤساء الدول وملوكها أبطالا مثل أولئك اللذين يحفل بهم “التاريخ الإسلامي العريق”. تُوِج الرجل بطلا مع أنه لم يصرح ولا لمرة واحدة بمسؤوليته عن التفجيرات، كان ذلك فقط بناء على التصريحات الأمريكية، التي ربما كانت ما تزال تلقى قبولا وتصديقا أكثر من غيرها لدى أولئك اللذين لا يرون في أمريكا إلا عدوة للإسلام.

مع تراكم التصريحات والمعلومات والتحليلات التي صارت تتبارى في تقديمها وسائل الإعلام الفضائية أو المكتوبة، خرجت إلى ثقافة مجتمعنا كتب وكتيبات لمؤلفين مغمورين، تعتمد الإثارة وتَتَعمّدها، بالكثير من التناقضات أو المعلومات غير الموثوقة التي تحتويها، مدعية إثارة “أسئلة مفتوحة”، كلها توحي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى ذلك العمل الذي قامت به “ثلة مؤمنة مباركة من الرجال الذين رباهم الشيخ أسامة وخطط لهم وبارك عملهم” ورثاهم شعرا أيضا”. ولن يفهم القارئ كيف أنه من المقدمة التي تقول إنّ المخابرات الأمريكية تلقت تحذيرات مبكرة بخصوص هذه التفجيرات، لكنها لم تأخذها بالجدية المطلوبة، كيف تتحول هذه المقدمة إلى أنّ هذا العمل التفجيريّ جاء بالتواطؤ مع الـ “CIA” كي يكون حجّة لمحاربة الإسلام باسم محاربة الإرهاب، وذريعة لقدوم القوات الأمريكية للسيطرة على بلاد المسلمين، من منابع النفط في الخليج إلى تدمير القوتين العراقية والإيرانية بهدف حماية إسرائيل! والنتيجة التي لا تعني إثارتها هنا البحث الجادّ عن أجوبة، كيف ينسجم القول بعمل “إسلامي جهادي مبارك” مع التنسيق من قبل المخابرات الأمريكية المعادية للإسلام؟! الجواب السحريّ هو: “اليهود ثم اليهود، فتش عن اليهود وراء كل هذا، والدليل أنهم لم يجدوا يهوديا واحدا من بين القتلى في التفجيرات”، أما الدليل الساطع على العلم المسبق من قبل الأمريكيين بهذه التفجيرات، فهو أنّ التصوير بالكاميرات بدأ منذ اللحظة الأولى لوقوع التفجير(!)، وهذا في الحقيقة دليل سيعجز شارلوك هولمز عن التقاطه كحجة دامغة “لإدانة” المخابرات الأمريكية وفضح “تورّطها” لو كان حاضرا!

تبدو هذه الأصولية الإسلامية الشعبية أكبر خطرا من الأصولية النخبوية المنظمة إن صحّ التعبير، فانتشارها بين الشريحة الأبسط والأوسع من الناس العاديين ينعكس في سلوك المجتمع كله، فيتحول إلى توجه لا واع نحو تمثل بنية التفكير الأصوليّ الذي يغيب العقل ويقيل المنطق في التعاطي مع أزمة لا أحد ينكر أنها – ولأسباب كثيرة – شغلت العالم كله، فتنتشر نظرية المؤامرة على الإسلام والمسلمين، لتصبح – في تفكيرنا الجمعي – المحرك الأول والوحيد لكل الأحداث السياسية التي لم يعد أي جزء من العالم بعيدا عن تأثيراتها. وهكذا ينقلب الآخر غير المسلم إلى عدو ليس من عداوته بدّ، وحيث أنه عدوّ الإسلام فلن يُعادى إلا بالإسلام، ولن يُحارب إلا بسلاح العودة “للإسلام الحقيقي”، هذه العودة التي تبدأ بأسلمة المجتمعات وعودتها إلى الدين الذي لما ضيعته الأمة ضيّعت عزتها وكرامتها وقوتها. وثانيا عندما يشعر كل فرد أنه هو المسؤول عن ضياع الدين وهوان الأمة وزوال قوتها. وهكذا يتغير مفهوم الإسلام وتعريف المسلم ، وتصبح القاعدة “من لم يكن إسلامياً فهو ليس مسلماً”، فالمسلم المعاصر بحسب هذا النمط من التفكير، ليس فقط من يدين بالإسلام ضمن علاقة تربطه بخالقه، بل وأيضا الذي يعمل ويجاهد بما يستطيع، ليكون الإسلام هو الناظم والحاكم والمسيطر على كل نواحي الحياة، سواء كانت حياة فرد أو حياة مجتمع!!

بعد أن ينعكس الإسلام في السلوك العادي واليومي للمجتمع من خلال الزيّ ولغة التواصل وانتشار الإعلام الشعبيّ الإسلاميّ بدءا من القنوات الفضائية الدينية بكافة أشكالها (فنية – وعظية – اجتماعية – سياسية – جهادية) وانتهاء باستبدال الأغاني والموسيقى في المواصلات العامة بتلاوة القرآن والخطب والدروس والمواعظ الدينية، حباّ في المؤمنين وفي خير المؤمنين، ورغم أنف “ضعاف النفوس” أو “الشاذين عن الصواب” من غير المؤمنين، بعد ذلك كله، يأتي دور المثقف الإسلامي ليشرح ويفصّل ماذا يعني “الإسلام الحقيقيّ”، إنه الولاء والبراء (الولاء للمسلم حيث كان، من جبال تورا بورا شرقا، وصولا إلى المسلمين الذين يكابدون مشقة الرباط المعاصر في أوروبا والولايات المتحدة غربا (الرباط نوع من الجهاد يعني الإقامة على ثغور بلاد الإسلام وأطرافها)، ثم البراء ليس من اليهود والنصارى والكفار فحسب، بل ومن أولئك المارقين والمرتدين، وأحيانا المنافقين، الذين يعيشون في المجتمع الإسلاميّ، بينما هم من أهل البدع والضلالات كدعاة العلمانية والديمقراطية والسياسات المدنية). ثم تأتي مهمة الجهاد وإقامة الشريعة بتطبيق حكم الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر التربية الدينية وفرضها على الأطفال منذ الصغر.

لقد اعتادت “الصحوة الإسلامية” بما لها وما عليها أن تجدّد في كل فترة ثوبها، ولقد وجدت بعض اتجاهاتها الأكثر إسلاموية، في التشوش والاضطراب الذي أحدثته السياسات الأمريكية وبعض الأوروبية نحو الشرق الأوسط في بداية القرن الحالي، وفي دخول العراق وأحداث نيويورك والحرب على القاعدة والحرب في السودان ووصول حماس للسلطة ثم انشقاقها، بالإضافة إلى حرب تموز، انتهاء بالمشروع النووي الأيراني، وجدت هذه الاتجاهات فرصة تجديد مشروعها الإسلاميّ، والعودة إلى “الإسلام هو الحل”، ولكن بطريقة جديدة هذه المرة، تبدأ بالمجتمع أولا، إذ ما زالت الأنظمة العربية تمانع – ولو بدرجات متفاوتة – شرعية التوجهات الإسلامية السياسية، متبعة مع هذه الاتجاهات التي لم تصل لمستوى الأداء السياسي بعد، سياسة لعبة القط والفأر أحيانا، وأحيانا أخرى العمل بمبدأ “شعرة معاوية”، ضمن توجهات براغماتية ليست بريئة من تحالفات غير معلنة بين الشرعية الهشة للأنظمة وقوة الأصوليين التي باتت ضاربة في جذر المجتمع.

كذلك عمدت الأنظمة العربية إلى تكريس شائعة عدائها للغربين، القريب والبعيد، بعضها بإعلان العداء الصريح والمباشر ضد أمريكا وإسرائيل، والبعض الآخر بإعلان غير مباشر للعداء من خلال التحدث بالإسلام وعنه، ودعم المقاطعات الشعبية أو السماح بأعمال العنف الرمزية “كالهجوم على إحدى السفارات وحرق علمها، أو الإدانة والتنديد الشكلي بكل ما يحمل على أنه هجوم غربيّ على الإسلام، عسكريا كان أو سياسيا أو حتى رمزيا (كما في أزمة الرسوم الدانيماركية). إن هذا السلوك المفتعل وغير الأصيل للأنظمة العربية قد عاد بالخير عليها في إخفاء التناقضات ودعم “التمتين” الهش للعلاقات بينها وبين مجتمعاتها المهرولة نحو “الأسلمة”، فما عادت هذه المجتمعات تطالب بحقوقها السياسية والتنموية والاجتماعية، وأغلقت في الشارع العربي، ولأجل غير مسمّى، دعوات الإصلاح ومواجهة الفساد والمطالبة بالحريات العامة، فالأنظمة صارت تتبنى ما أصبح لدى المجتمع أولوية الأوليات، عن طريق “الوقوف معه” للتصدي “للهجمة الشرسة” على الإسلام والمسلمين، وهذا ما جعل الحركات الإسلامية هي الرابح الأكبر في تلك القسمة الضيزى بينها وبين الأنظمة العربية، فكان للأولى حق استثمار المجتمع والاستئثار به دون منافس، وللثانية حق الاحتفاظ غير المشروط وغير المحدود بالسلطة. وكلا الجهتين، الأنظمة والإسلاميين، تراهنان على المستقبل، وإلى ذلك الحين أو ربما بعد، لا خاسر إلا من لم يلتحق بأحد الركبين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This