الاستبداد الملتصق بالأنا

يتناول أتين دي لابويسيه، 1530م- 1562م،  في مقالته” العبودية المختارة”* موضوع الاستبداد والخنوع ويقول مستنكرا هذا التناقض اللامعقول بين رغبة الإنسان بالحرية

وخضوعه للاستبداد” يا لذلّ شعوب فقدت العقل و يا لبؤسها، يا لأمم أمعنت في أذاها وعميت عن منفعتها، تسلبون أجمل مواردكم وأنتم على السلب عيان، تحيون نوعا من الحياة لا تملكون فيه الفخر بملك ما، حتى وكأنها نعمة كبرى في ناظركم لو بقي لكم ولو النصف من أملاككم وأعماركم، وكل هذا الخراب، وهذا البؤس يأتيكم لا على يد أعدائكم بل يأتيكم يقينا على يد العدو الذي صنعتم انتم كبره، والذي تمشون إلى الحرب بلا وجل من أجله ولا تنفرون من مواجهة الموت بأشخاصكم في سبيل مجده. هذا العدو الذي يسودكم إلى هذا المدى ليس له إلا عينان ويدان وجسد واحد، ولا يملك شيئا فوق ما يملكه أقلكم على كثرة مدنكم، التي لا يحصرها العدّ إلا ما أسبغتموه عليه من القدرة على تدميركم. فأنّى له بالعيون التي يتلصص بها عليكم إن لم تقرضوه إياها؟ وكيف له بالأكف التي بها يصفعكم إن لم يستمدها منكم؟ أنّى له بالأقدام التي يدوسكم بها إن لم تكن من أقدامكم؟ كيف يقوى عليكم إن لم يقو بكم؟ كيف يجرؤ على مهاجمتكم لولا تواطؤكم معه؟ ..” 

 

العبودية، اختيار العبودية، محاباة المستبد، تمجيد الاستبداد والدفاع عنه، كيف يتكوّن كل ذلك؟ كيف لإنسان ما، لشعب ما أن يختار طواعية وبملء إرادته العبودية والاستبداد على الحرية والانعتاق؟

ما هي العوامل التي أدت إلى ديمومة الاستبداد؟ ما منشأ شرعيته و شعبيته؟
هل يكمن السبب في التطابق بين الرقابة المؤسساتية من جهة والرقابة الذاتية من جهة أخرى؟ وما علاقة ذلك بالتنشئة في البيت والعائلة؟
هل النظم الاستبدادية هي مجرد بنى  فوقية تحيط بالمجتمع وتسلبه حريته أم أنها تعبير عن ثقافة الاستبداد والقهر المتجذرة في المجتمع والتربية والتراث؟
يستخدم في أدبيات التحليل النفسيّ مفهوم المقاومة التي تعرف بأنها آلية دفاعية تعتمدها الأنا في مواجهة الدوافع والرغبات المكبوتة التي غالبا ما تعود إلى فترة الطفولة المبكرة، وتصنف هذه المقاومة بأنها لاشعورية وتقسم إلى مقاومة مفارقة للأنا ومقاومة ملتصقة بالأنا وهذه الأخيرة هي التي  تعتبر عصية على التحليل وأكثر عنادا لصعوبة تمييزها عن الأنا وتتطلب جهدا شاقا في العملية التحليلية لإدراكها ومن ثمّ تفكيكها ونبذها. وكذلك الاستبداد الملتصق بالأنا الذي يحتاج إلى جهد ذاتيّ  كبير للتخلّص من آثاره الموروثة.
وتساعدنا المقارنة بين ردود الأفعال تجاه الاستبداد من جهة وتجاه الاحتلال من جهة أخرى على إلقاء الضوء بشكل أعمق على هذه الآفة، آفة الاستبداد، حيث يقابل البعض بين الاحتلال والاستبداد من ناحية الأفعال والنتائج بعيدا عن النوايا والمقدّمات.

 

و لعل ما يسترعي الانتباه أكثر هو تلك القوة والجرأة التي تظهر في مقاومة المحتلّ الأجنبي، وتوحد الصفوف وارتفاع الأصوات وحشد الطاقات لمقارعته حتى لو أدى ذلك إلى خراب المدن والبنى التحتية وإزهاق أرواح كثيرة، بينما لا نرى تلك الجرأة والإقدام والتلاحم في مقارعة الاستبداد الذي غالبا ما يفوق المحتل بطشا ونهبا وفسادا وسفكا. بل وللمفارقة نرى أحيانا كثيرة تلاحما بين الشعوب وجلاديها المحليين.
هذا التناقض والاختلاف في ردود الأفعال يجعل العقل البشريّ يقف حائرا أمام هذا التخاذل في مواجهة الاستبداد والظلم والبطش الذي تمارسه السلطات القهرية تجاه شعوبها ومجتمعاتها.
مما يدفعنا للبحث عن أسباب هذه الظاهرة، ظاهرة التخاذل والرهاب وإشاحة الوجه عن مسالك الاستبداد. وهذا لا يعني بالضرورة محاباة المحتل وتبرير أفعاله.
فثمة فرق بين الاحتلال والاستبداد، فالمحتلّ غالبا ما يكون غريبا أجنبيا ذا هوية وثقافة وموروث مغايرة كلّها، مما يسهل عملية التحريض والمقاومة ضده- وذلك يذكرنا بالحكم العثماني الذي استمر 400 سنة بينما لم يستمر الاحتلال الفرنسي لسوريا أكثر من 30 عاما وذلك على سبيل المثال لا الحصر- أما المستبد فهو قريب محلّيّ وليس غريبا بعيدا، يستند إلى ثقافة وموروث وقيم وأخلاق مشتركة، وبلغة أخرى هو نتاج
هذا المجتمع وتربيته وإفرازه .
فالخوف والرهاب من مواجهة المستبد له أسباب متعددة منها ما يعود إلى وجود قمع مضاعف. فبالإضافة إلى القمع الظاهر الذي تمارسه أجهزة المستبد ومؤسساته، هناك قمع ذاتي راسخ في وعي  كل فرد هو الإدانة الذاتية، إدانة الضمير والأنا العليا المتكونة عند الأفراد من خلال التربية والثقافة والموروث والتقاليد الوطنية والقومية والدينية السائدة. ويمكن الإشارة أيضا إلى الخوف من إشهار تهم العمالة والاسترزاق والتخوين والتكفير ضد المعارضين والمخالفين لهذه المفاهيم السائدة سواء من قبل السلطة أو المجتمع أو النخب. هذه الثقافة التي تعتبر أنّ الخارج عدوّ وأن الداخل لا غبار عليه.
فهذا الداخل لم يصل لمرحلة التحسس والتقزز من الاستبداد والعنف فما بالنا بالانتقال إلى الإدانة والفعل، وعليه فإنّ مقارعة الاستبداد لا تبدأ حتى يتم رفضه وعزله بشكل واع من قبل الفرد والجماعة باعتباره آفة خطيرة مدمرة لإنسانية الإنسان ولكرامته.
وربما ذلك ما يفسر عدم ظهور تيارات إنسانية وسلمية في بلادنا كتيار اللاعنف الذي أسسه غاندي في الهند ، بينما نرى انتشارا واسعا لتيارات ليننية وستالينية وماوية وناصرية وقومية فاشية وأصوليات دينية تمجد العنف وتدعو إلى إلغاء الآخر، ويدل على ذلك  قيام آلاف من المحامين العرب بالتطوع للدفاع عن صدام حسين سابقا والدفاع عن البشير لاحقا بينما يخرج آلاف المحاميين والقضاة للدفاع عن الدستور والقانون في مواجهة الظلم والاستبداد في باكستان.
هذا الاستبداد الذي نلمح بذوره وبداياته في علاقة الأهل مع أولادهم ويستمر في المدرسة والإعلام والشارع والمنظمات الأهلية والأحزاب ويرتبط بالغياب المطلق لمفاهيم الحرية الفردية والإيمان بقدرة الإنسان على صنع تاريخه.
وفي أحسن الأحول عندما يتم النظر إلى الاستبداد كآفة فإننا نراه ونقتفى أثره عند الآخر ولا نلتفت إلى أنفسنا وكأننا معصومون ومحميون من هذه الآفة وهي لا تخصنا بل تعود إلى الآخر.
وقد جاء السقوط السلس نسبيا للأنظمة الاستبدادية في الدول الاشتراكية ليفتح باب الأسئلة على مصراعيه حول الطبيعة المغايرة للاستبداد في دول الشرق ومدى تجذره
وأصالته؟. 
*”أتين دي لابويسيه، مقالة في العبودية المختارة” تعقيب جودت سعيد، ترجمة مصطفى صفوان، عن مركز العلم و السلام للدراسات و النشر و دار الآفاق و الأنفس للدراسات و النشر، 2000 م.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق