يوميات تائه عربي

 
1
 
تائه في أرض الله الواسعة، لم أحتمل نفسي، ولا هي احتملتني، روضتها طويلا وحين لم أفلح، أطلقت لها العنان..
مرة تهيم بي شرقا، وأخرى تميل غربا، وما أن يطيب المقام شمالا حتى يندفع بي القلق جنوبا، وهكذا مرت عليّ سنوات جدب تخللتها لحظات سعادة هشة.. أوهن من بيت العنكبوت.. كنت دائم الترحال كالباحث عن شيء لا يعرفه بما يكفي ليجده، وفي الحقيقة لم أكن أبحث عن شيء وانما هو قلق الروح وخلجانها..
وبدت لي الحياة مغامرة ساذجة بعض الشيء، ولكن لا بأس من خوضها وان لم تثر فضولنا ولم نشتهها. هل قلت نشتهيها؟؟
أواه ما أصعب أن نشتهي شيئا حين يطبق اليأس على أرواحنا وقلوبنا.. وتحترق عقولنا دون أن تجد طريق الخلاص !
الخلاص مما.. وممن؟ واليأس لماذا؟ نعم.. لماذا اليأس؟.. هل ثمة ما يستوجب اليأس؟؟
هكذا تهاجمني الأسئلة وتؤرقني التساؤلات، وتغمرني سحابة الهلوسات، دون استعداد مني للبحث عن أجوبة، كسل ما يمنعني من بذل أي جهد مهما كان بسيطا، كسل لذيذ وناعم يسيطر علي كليا ويمنحني تلك اللحظات النادرة من سعادة هشة.. وغير واقعية..

وتتلاشى الرغبة في فعل أي شيء..
القراءة جهد عبثي لا طائل من ورائه..
الكتابة – مثلا – مدعاة للملل وهدر للوقت..
ثم ماذا تكتب بعد كل الذي كتب..

 

البحث عن عمل.. هذا أجمل من الكل.. عمل ماذا؟ والعمال مهما طال شقاؤهم لن يتحدوا أبدا.. وما هي الا صيحة حالم.. وأنا بي كسل غريب يسكن مفاصلي ويجري في شراييني، يخدرني ويمنحني تلك السعادة الهشة التي حدثتكم عنها.. هل يوجد عذاب أمر وأقسى من عذاب التيه؟ أنا الآن ما يلي:
تائه.. وحيد.. حزين.. بائس.. يائس.. وبي رغبة جامحة في أن أبصق على وجوهكم جميعا، وأبدأ بنفسي طبعا.. وحتى محاولتي الأخيرة للهروب من نفسي باءت بالفشل، حيث بقيت معلقا بين وضوح الفكرة وهلامية الواقع، وأنا ينقصني دائما شيء ما – لا أعرفه بالتحديد – لانجاز المشروع الذي أحلم بتحقيقه ذات يوم..

أقف دائما بعد البداية بقليل وقبل النهاية بقليل في منتصف الطريق كما يقال عادة.. ولكنني لا أعرف الطريق، لأنني لا أسير.. وانما أدور حول نفسي..

 

قل ما تريد اذا أردت
ولا تحاسب نفسك عما فعلت
بلسم جراحك بالنبيذ
وأنس خطاك اذا مشيت
وأحلم عساك تستريح
فالعمر يهرب ان أفقت..
2
تائه في أرض الله الواسعة وأسأل دائما:
“لماذا نحن في ما نحن فيه؟”
وترحل بي النفس الامارة بالشك الى مقاعد القسم في ابتدائية بقرية نائية، وها هو صوت المعلم وهو يردد في اعتزاز وكثير من الصلف:
نحن خير امة أخرجت للناس..
نحن أصل العدل، أوجدناه ووزعناه على شعوب الارض قاطبة..
نحن من نشر العلم.. وكرم العلماء وأعلى شأنهم.. وجعل المعرفة حق للجميع..
نحن، ثم نحن، ولا بد من نحن..
ولكن ماذا فعل الآخرون؟ يا ترى؟

الآخرون عصوا الخالق، وقتلوا أنبياءه ورسله بغير حقّ، وأفسدوا في الارض بعد اصلاحها، نقطة وأرجع الى السطر.

وتعاد الحكايات وتتكرر، تتوالد وتتكاثر الى ما لا نهاية.. حكايات البطولة والشهامة والعدل والمساواة، والتضامن، والتآزر والتآخي، والرحمة، وسرعان ما تتآكل وتهترئ، ويصيبها الصدأ، فتتحول في أحيان كثيرة الى نكات يتندر بها ظرفاء القوم.. عندها يعاودني بريق الدهشة وتأخذني الحيرة أي مأخذ، ويلح السؤال: لماذا نحن في ما نحن فيه؟
كنت دائم الترحال والتساؤل، لا أكف عنهما أبدا، وانتهيت أخيرا الى أن لا اشغل نفسي بالبحث عن أي شيء.. لا شيء يهم تحت الشمس، ولا شيء يستحق التعب، الحياة ذاتها لا تستحق كل هذا العناء، ها نحن نعيشها وكفى.. وكنت أتلهى عن شؤون الدنيا ومسائلها بعد محاسن الآخرة وشؤونها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الخلود مع الحسان الكعاب، على ضفاف أنهار من الخمور والعسل المصفى.. والركون الى الراحة تحت ظلال النخيل والاعشاب، حيث لا عمل ولا عمال، ولا أجر ولا أجير، ولا حارس ولا أمير – هذه تعجبني فعلا – من شدة ما عانيت من أمرائنا وأولي الامر منا، ومن صلف حراسهم، ومخزنهم، وشرطتهم..
آن الأوان، وأعوذ بالله من كلمة “آن” (أنا بالتونسي) – على حدّ تعبير المثل الشعبيّ المعروف – لأزيح عن كاهلي مشاغل الدنيا التي لا تنتهي.. وأنصرف للعبادة والتعبد علني أنجو بجلدي من عذاب القبر.. وعذاب جهنم.. وعذابات أخرى لا فائدة ترجى من ذكرها الان وفي هذا المقام..

 

ولكن ما يقض مضجعي ويفسد علي خلوتي هو الحاح السؤال على نفسي الامارة بالشك، من ذلك أنني امتنعت عن الخمرة ومضاجعة النساء واللغو في سفاسف الامور، فلم تزعزع ارادتي شهوة من الشهوات، ولا نفد صبري، ولا رق قلبي، ولا حنت روحي الى ملذات الدنيا التي طالما عاشرتها وخبرتها…

فقط السؤال هو الذي أفسد علي خلوتي وانقطاعي للصلاة أطراف الليل وآناء النهار.. وما كان بي عنة ولا قصور ولا عجز، حتى أزهد في الدنيا، ولكن لطول معاشرتي لمآسي “قومي” ومصائبهم وبلاياهم ورزاياهم، ومعرفتي لما وصلت اليه أمورهم من حطة ووضاعة وذل فضلت الترحال السرمدي على الاقامة والاستقرار.. وها أنا تائه في الارض لا يقر لي قرار..
عد من بعيد للأمام
وأدعم كلامك بالكلام
الصبر مفتاح..
ولكن هل يعود مع الحمام
خذ ما استطعت من الحياة
وأمنح رغيفك للانام…

 

3

 

مرة أخرى يتقمصني السؤال وأنا أعود من أرض بعيدة، بعد أن قطعت بحارا وبحارا، وحيث أودية وشعابا وجبالا شاهقة، رأيت من أهوال السفر ما رأيت، وقاسيت الجوع والعراء وعرفت الهلع والخوف، وعشت رعب الرحلة غير مبال بما قد يؤول إليه مصيري..
لم يعد يهمني هذا المصير الذي تكفل به دهاقنة الفكر وجهابذة الإمامة، وأصحاب العمامة من رجال الفقه الورعين، انه نفس مصير الملايين مثلي ممن أسعفهم الحظ بأن كانوا من التائهين بلا هدف ولا دليل في صحراء الشرف والعفة والسراط المستقيم…
ماذا يعني مصير الفرد.. اذا كان منصهرا في أمة علت بها المراتب أي علو..وزهت بأمجادها بين الأمم.. وتحلت بالصبر أيام المحن وظلت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر..الخ..الخ..الخ.. ماذا يعني مصير الفرد.. وماذا تعني حريته..
الحرية هذه لا معنى لها، ولا طعم، بدعة أخرى من بدع الحداثة، الحرية هذه ودعها آدم يوم غادر فردوسه نازلا إلى أرض الخطيئة، ولن يلتقيها الا هناك حين يعود، نعم سيعود الى هناك، تذاكر العودة حجزت..وما الحياة الفانية هذه الا محطة عبور، جسر اختبار ومحنة، فطوبى لمن ثقلت محاصيله.. يومها يلقى جنته الموعودة وهناك يركب الحرية ركوبا.. يطؤها كما يطؤ دابته أو “حريمه”.. فسبحان الله..
الحرية هي مطاياكم في الجنة هكذا سمعت هاتفا يردد في احدى خلواتي التي حدثتكم عنها… وهكذا فهمت كيف يمتطي حكامنا الحرية ويطوعونها حسب رغباتهم وأهوائهم ويصبغون عليها ما تيسر من آرائهم وعبقريتهم فتصبح بذلك: “خربة.. أو..خربة…

 

أما الديمقراطية فحدث ولا حرج.. بدعة البدع.. ومنارة الشؤم.. لا جعل الله لها مكانا في ديارنا.. ولا حملنا سوء عاقبتها، تخرب طمأنينة المؤمنين، وتهيج العامة، وتفسد الشباب، أولها بلية وآخرها رزية، أرأيت؟ من يروج لها غير الشعراء والزنادقة والمجانين وما شابههم من شواذ ومأفونين.. لعن الله من ذكرها بخير، هي وأخواتها: العلمانية والعقلانية واللائكية.. وهلم جرا.. كلها بدع غربية..
وعلمت بعد لأي، أنني أسبح في لجج الوهم والخيال، وركبت موجة الغي والضلال.. وأنني من زمرة المهيئين للعصيان المدني.. والمروق عن الدين.. والخروج من الملة والحلة.. فلعنت في سري الفقر والحرمان وقلة ذات اليد وعزمت مرة أخرى على الرحيل..

بعض الهوى مر، وحلو بعضه..
فأخلط رجوتك ذا بذا..
وأصبر على جور الزمان
تلقى السعادة هكذا..

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق