هي والكلبة سِسِيلّي (في الطريق إلى بيت السيّدة في بورتو)

الخريفُ هنا بلديّ ُُ ُ له زرقة’ الأطلسيّ المحيطة’،
أحجاره الخضر’ مرقاة خَيلٍ(ولا خيلَ)،
أشجارهُ وهي تلفظ أوراقَها في الزّوايا جرائدَ صفراءَ كاسدة ً،
شمسُهُ بدمِ الضوءِ أو حبرِهِ
وهي تنعسُ في غيمةٍ فضّةٍ،
والمدينة ُ عند الظهيرةِ دَغْل ٌ يطنّ كما النّحلُ..
(ـ هذي البَرَازيلِيا.. أنت تذكرها جيّدا.. سنشرب كأس تِكِيلاَ على نضد البارِ…)
سيّدةٌ، عند مدخلها، في قميصٍ كهذا الخريفِ الذي يلزَقُ الماءُ والملحُ
بالجلدِ فيه، ويلزَقُ حتّى الهواءُ كما الحلزونُ..
تقولُ لكلبتها، وهي تحنو على ورقٍ فوقَ حاملهِ:
” إنّ غينْيا الجديدةَ نائية ٌ،وهو قال سيأتي مع الصّيفِ..
لكنّني سأروّضُ هذا المقوَّى العجينَ، وأبرأُ طائرَ فردوسهِ..
إنّ أزرقَها هو أجملُها.. أليسَ كذلكَ؟ قولي سِسِيلِّي؟ “

الخريفُ هنا بلديّ ٌ كهذا الجرادِ الصّغيرِ على ضفّةِ النّهرِ،
وهو يعبّئُ ساعاتِهِ
ويطيرُ
العيونُ فوانيسُ خلفيّة ُ ُ،
والجرادُ يطيرُ؛
ولكنّ واحدةً ضيّعتْ سِرْبهَا..
دخلتْ خطأًً..هكذا..
تنهرُ الكلبةَ المُسْتَـفـَزَّةَ وهي تكادُ تهمّ ُ بهاَ:
“دعيها.. سأصطادُها”

الخريفُ هنا بلديّ ٌٌ كهذا القميصِ الرّياضيِّ وَهْوَ يشدّ ُ
فـَرَاوِلَتَيْ صدرهاَ،
بلديّ ٌكأعشابهِ البيضِ تهتزّ ُ في الرّيحِ،
كالحشراتِ التي تتناسلُ في مائهِ،
كالنّساءِ اليعاسيبِ (هنَّ يَبِضْنَ، ولكنّنا لم نعدْ نتسمّعُ ضحكة َ طفْلٍ
وراءَ السياجِ، وهنّ يَدُرْنَ ـ ولا قمرٌ ـ حولَ محورهنَّ،
وهنَّ يَسِلْنَ كما الرّيحُ؛
حتّى إذا ما تحدّرَ منهنَّ طيبٌ على جنباتِ الفراشِ،
ونمنَ برائحةِ الحيوانِ،
نهضنا إلى ورقٍ فوقَ طاولةِ الليلِ،
يخصِبُ منّا)

الخريفُ هنا بلديّ ٌ ككلبتها وهو تلهو وتثغو،
كهذي الجرادةِ تزْلَقُ في قعرِ قنّينَةٍ،
وَهْي تقضِمُ بُقْيا روائحِها..

نحنُ أيضا نحطّ ُ لكيْ نتلاقَى وأجسادَنا
ونموتَ قليلاً..
( ـ ألا تشربِ الكأسَ في جرعةٍ؟ سنصعدُ عاليةَ النّهرِ.. أمسِكْ يَدِي..)

تتوهّجُ في الرّاسِ شمسُ تِكِيلاَ وزرْقةُ صبّارها..
والطريقُ إلى بيتها بلديّ ُ ُ كما كلّ ُ شيء هنا
سوى نيلةٍ نبتتْ هكذا
تصلُ الشمسَ زرقاءَ باردةًً،
بالسّماواتِ طارئة ً وزجاجِ السّياجْ.

                                
 بورتو ـ البرتغال ـ خريف2007
من كتاب “أشياء السيّدة التي نسيتْ أن تكبر” (غير منشور)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This