قراءة في كتاب “تصورات الأمة المعاصرة في الفكر العربي الحديث والمعاصر”

يدور كتاب ناصيف نصار “تصورات الأمة المعاصرة، دراسة تحليلية لمفاهيم الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر”، (نشر جماعة الدراسات العربية في التاريخ والمجتمع، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي) على موضوع من موضوعات الأيديولوجية القومية ألا وهو تصوّر الأمة دون أن يعني بذلك التصوّر المنطبق على الأمة العربية فقط، وإنما كل تصوّر نظريّ للأمة؛ سواء كان مبرّرا للأمّة العربية وخادما لها أو على العكس من ذلك مبرّرا وخادما لما هو أكبر (الأمة الإسلامية) أو أصغر منها (الأمّة الوطنية).  

بداية يؤكّد المؤلّف أنّ واقع فكرة الأمة عند العرب المحدثين والمعاصرين أوسع وأعقد مما تنزع إلى أن تتصوّره الأيديولوجية القومية العربية، والتي لا تنفكّ تتعامل مع المفهوم بضرب من الطمس والاختزال أو التمويه والاستخفاف على حدّ سواء. لذا تشمل مادة التحليل، في الدرجة الأولى، مختلف النصوص التي تطرح تعريفات للأمة بكيفية صريحة أو ضمنية مبلورة أو غير مبلورة.

وفي الدرجة الثانية، هناك النصوص التي تقدّم أيّ عنصر يمكن استغلاله لتركيب تصوّر معيّن للأمة، وهي تتوزّع ما بين مقال صحفيّ وفصل من كتاب ومحاضرة أو خطاب سياسيّ فضلا عن أنها تختلف فيما بينها اختلافا بيّنا من حيث الشكل والمضمون فيطرح بعضها عاملا واحدا من عوامل تكون الأمة، وبعضها الآخر يطرح جملة من العوامل أو المقومات، ويتوسع بعضها في شرح المفهوم وعلائقه بمفاهيم أخرى فيما يقتصد بعضها الآخر في الشرح أو يكتفي بالتلميح والإيحاء…إلخ.

وتبعا لذلك، استبعد المؤلف إقامة تصنيف للنصوص على أساس المرحلة التاريخية، أو على أساس الإقليم، أو على أساس التيار أو الأيديولوجية، مركزا في المقابل على الجوانب النظرية، لا التطبيقية، لتصورات الأمة.     

هذا وقد اتبع المؤلف منهج تحليل الخطاب في معالجته لتصورات الأمّة في الفكر المعاصر، ويقوم هذا المنهج على تحليل أربعة أنساق تتكامل في حمل معاني فكرة الأمة وهذه الأنساق الأربعة هي:
النسق الأوّل:  نسق المقومات. النسق الثاني: نسق العلاقات، أي مقومات التصور الذاتية وعلاقاته مع مجموعة التصورات المحيطة والمتصلة به على وجه الإيجاب أو السلب. النسق الثالث: نسق العوامل. النسق الرابع: نسق الوظائف، أي عوامل تكوين التصور ووظائفه المختلفة من حيث هو تصور أيديولوجيّ جمعيّ.

التصوّرات الرئيسة للمفهوم
بالنظر إلى ما أنتجه الفكر العربيّ الحديث والمعاصر من تعريفات للأمة نجد أنها تتوزع على أربع مجموعات كبرى:
المجموعة الأولى: هي مجموعة التصوّرات الدينية ويقصد بها التصورات التي تجعل من الرابطة الدينية المحدد الأساسيّ والأوّل للأمة.
المجموعة الثانية: هي مجموعة التصورات اللغوية، وهي التي تجعل من الرابطة اللغوية المحدد الأساسي للأمة.
المجموعة الثالثة: هي مجموعة التصورات الإقليمية، أي تلك التي تجعل من الإقليم الجغرافي المتميز المحدد الأساسيّ للأمة.
المجموعة الرابعة: هي مجموعة التصورات السياسية، ويقصد بها التصورات التي تجعل من الدولة المحدد الأساسيّ للأمة.

وتتعدد التصورات السابقة تبعا لاختلاف المنطلقات والركائز، لكن يبقى القول إنّ في داخل كل تصور هناك مجموعة من التصورات الفرعية. فيحتوي التصور الدينيّ للأمة ثلاثة أنماط رئيسية وهي: التصور الديني التوفيقي، والتصور الديني السياسي، والتصور الديني اللاسياسي.

ومع أن المؤلف بدأ أول فصول الكتاب بتحليل التصورات الدينية، فاللغوية، ثم الإقليمية وأخيرا التصورات السياسية. إلا أن بداية الاهتمام بالمفهوم في الفكر المعاصر يأتي مغايرا للترتيب الذي اتبعه في كتابه، فمن المعلوم تاريخيا أن المفهوم قد انتقل من التصور البسيط إلى التصور المركب، أي تطور من التلمس الحدسي إلى التنفكير التنظيري المجرد. وعلى سبيل المثال، بدأ التصور اللغوي للأمة في القرن التاسع عشر مع زعماء النهضة الأدبية والشيخ حسن المرصفي، من مستوى التعريف البسيط والتلمس العفوي، وانتقل منذ بدايات هذا القرن إلى مستوى التعريف المدروس المركب بعناية ودراية عن ذي قبل. وعلى هذا المنوال تنتظم جهود عبد الغني العريس وأقرانه ونديم البطار مرورا بساطع الحصري وزكي الأرسوزي ومنظري الحقبة الناصرية وحزب البعث…إلخ.

أما فيما يتعلق بالتصور الإقليمي لمفهوم الأمة، فقد بدأ تاريخيا مع المعلم بطرس البستاني وإن ظل أقرب ما يكون إلى البساطة والتجربة المباشرة منه إلى التعقيد والبحث متعدد الجوانب كما هو واضح في فكر كل من انطون سعادة وجمال حمدان لاحقا. الأمر نفسه يكاد ينطبق بدوره على التصورات السياسية للمفهوم والتي تنوعت ما بين: بسيط، ومتطور، ودستوري، وإن كان شكله التنظيري لم يتسع بعد ولم يتنوع بقدر ما هو ملحوظ في تطور الأشكال التنظيرية الأخرى لكل من التصور اللغوي ونظيره الإقليمي.

التصور الديني وسياقاته
يعد التصور الديني للأمة من أهم التصورات السائدة في الفكر العربي المعاصر. وقد انطلق هذا الاتجاه في الأساس من تصور نموذجي مركب للأمة الإسلامية. ومع ذلك يبدو التصور الديني التوفيقي للأمة أقل تعقيدا من التصور الديني السياسي للمفهوم، وذلك لأنه يترك مشكلة الوحدة السياسية ذات الإسناد الديني خارجة عن نطاق المشكلات التي يراها في قوام الأمة، وإن ظل أكثر تعقيدا في الوقت نفسه من التصور الديني اللاسياسي لها، نظرا لكونه لا يحسم مثله قضية استقلال الدولة القومية عن الرابطة الدينية والشريعة الإسلامية.

وإذا أمعنا النظر فى نوعية هذه الحركة التنظيرية المتنامية حول فكرة الأمة، سنجد اختلافا كبيرا وبيّنا فيما بين أنواعها ومجاريها. ففي الوقت الذي يبني فيه التصور الديني التوفيقي تنظيراته على مبادئ دينية عامة، وعلى اعتبارات عملية مرتبطة بمبدأ الضرورات التي تبيح المحظورات؛ يبقى هذا التنظير مشتملا على خليط من فكر عقائدي منفتح وفكر عملي برغماتي. ونتيجة لذلك، كان هذا الضرب من أغنى أصناف التصور الديني للأمة وأشدها تأثيرا في الحياة العملية.

فبحكم تركيبته هذه، أصبح بمثابة المجال المفتوح لتجدد كافة أشكال التسوية بين مطلب التوحيد الديني من جهة ومطلب التعامل مع واقع المجتمعات العصرية القائمة على المبدأ القومي العلماني من جهة ثانية. وما دام منطق التسوية المتجددة عبارة عن خليط من منطق تبشيري ومنطق ذرائعي، ونظرا لكونه لا يرضي العقول التي تُفضل الحلول القاطعة، فقد نما على جانبيه تياران متناقضان تماما يسعى أحدهما للتخلص من كل مساومةٍ مع واقع المجتمعات العصرية المعلمنة، فيما يسعى الآخر لدفع المساومة قُدما مع هذه المجتمعات إلى أقصى حد ممكن!!

وهكذا جاء التنظير للأمة في الفكر الديني السياسي مبنيا على نوع من تقديم مطلق لواجب مستعاد ونوع من احتقار مطلق لواقع معاد. فيما جاء التنظير في الفكر الديني اللاسياسي أقرب ما يكون إلى منطق التفسير التاريخي المتسم بالواقعية العلمية والتقدمية. ولعل ذلك ما جعله يرتاح إلى الالتزام القومي أو الوطني، كما تطرحه التصورات اللغوية والإقليمية للأمة، أكثر ما يرتاح إليها التصور الديني التوفيقي.

التصورات اللغوية والإقليمية
سرعان ما تزايد تأثير التصورات غير الدينية بتزايد التنظير العلمي فيها، وهو ما يبدو واضحا جدا من خلال كتابات ساطع الحصري ونديم البيطار وغيرهما. ففيما أضاف الحصري إلى الفكر القومي العربي، والذي كان شائعا حتى الحرب العالمية الثانية، منهجَ المقارنة التاريخية المنفتحة على تجارب التكوين والتحرر القومية في العالم الحديث، لا سيما بعد الثورة الفرنسية، أضاف البيطارُ إلى الفكر القومي نفسه منهجَ المقارنة السوسيولوجية المبنية على الفكرة القائلة بأن العقل العلمي الحق هو العقل الذي يتوصل إلى كشف قوانين الظاهرات الاجتماعية-التاريخية، ومن بينها بطبيعة الحال الظاهرة القومية الوحدوية.

وما دامت القوانين الاجتماعية التاريخية عبارة عن قوانين انتظامية احتمالية بطبيعتها، وليست قوانين علية مطلقة، وما دامت قوانين التجارب القومية الوحدوية عبارة عن قوانين سياسية في الجوهر، وليست قوانين ثقافية؛ فإنّ التنظير اللغوي الثقافي لوحدة الأمة، كما طرحه الحصري، يصبح على هذا الأساس أقرب إلى منطق التسوية منه إلى منطق الثورة وبالتالي، تُصبح الاستعانةُ بالعلوم الاجتماعية التاريخية متيسرة للتصورات السياسية الإقليمية بقدر تيسرها للتصور اللغوي السياسي للأمة، إن لم يكن أكثر.

وفي المحصلة، يدل تطور التنظير في تاريخ التصور الإقليمي للأمة على اتساع استخدام العلوم الاجتماعية انطلاقا من علم الجغرافيا الطبيعية والبشرية فضلا عن كونه قد منح نتائج هامة في تآليف كل من: انطون سعادة، وجمال حمدان بصفة خاصة تُوازي، على الأقل من الناحية النظرية، النتائجَ التي وفرها استخدام هذه العلوم لمصلحة التصور اللغوي ولمصلحة التصور السياسي للأمة. ويكشف هذا الترابط عن سمة أخرى من سمات تصورات الأمة في الفكر العربي المعاصر ألا وهي سمة الحضور الفاعل، إن لم نقل الطاغي، لعامل الدولة في جميع التصورات السابقة.

ففيما كان من المنتظر أن تبادر الأنظمة السياسية القائمة في البلدان العربية إلى تشجيع التعويل على العلوم الاجتماعية إظهارا لخصوصياتها، وتبريرا لاستقلالاتها الوطنية، حال تداخل العقائد والأيديولوجيات في حياة تلك الأنظمة دون ترك حركة التنظير القومي فيها تجري في اتجاه واحد، فتكاثرت فيها مستويات التعامل مع فكرة الأمة على شاكلة ما انعكس في دساتيرها أو أكثر.

ورغم بديهة أن تشهد التصورات السياسية من هذا الحضور أقوى أشكاله، نظرا لكونها تجعل من عامل الدولة المقوم الأساسي الأول لكيان الأمة؛ إلا أنها لم تنفرد تماما بهذه الميزة عن باقي التصورات الأخرى. فقد اعترف التصور اللغوي السياسي، كما عبر عنه الفكر القومي لحزب البعث وعبد الناصر والبيطار، لعامل وحدة الدولة بدورٍ رئيس في تشكيل الأمة. وبالمثل، ينحو التصور الديني السياسي للأمة في فكر حسن البنا وسيد قطب وعبد القادر عودة نحو تبني الأطروحة القائلة بأن الوحدة السياسية، أي عامل الدولة الواحدة والحكم الواحد، شرطٌ واجب وأساسي لتحقيق كيان الأمة الواحدة وأنه من دون تحققه فليس ثمة إمكانية فعلية لوجود الأمة.

ليس هذا فحسب، بل إن التصور الإقليمي المتحدي، كما طرحه انطون سعادة، يتلاقى هو الآخر مع التصور الإقليمي التكاملي، كما صاغه جمال حمدان، حول الدور الحاسم الذي تلعبه وحدة الدولة في تشكيل الوحدة القومية التامة. أما التصورات الأخرى التي لم تنظر إلى الدولة كعنصر من عناصر مفهوم الأمة، فقد ظل هاجسها الأول ممثلا في كيفية التوفيق بين ماهية الأمة التي لا تنطوي على عامل الدولة الواحدة من ناحية ووجود الأمة الذي لا يبلغ حد الاكتمال إلا بواسطة هذا العامل من ناحية ثانية؟!

وفي المقابل، اتجه التصور الديني اللاسياسي اتجاها مضادا لسائر التصورات السابقة معارضا الجمع بين الطموح إلى الوحدة الدينية من جهة، وهاجس الوحدة السياسية من جهة ثانية. وإن كانت معارضته هذه ليست بدعا في تاريخ التصورات العربية المعاصرة لمفهوم الأمة وإنما تكاد تكون قاسما مشتركا وترد ضمن تضاعيف مختلف التصورات الأخرى.

أدلجة الأمة وانعكاساتها
نحن إذاً أمام تصورات أيديولوجية مشروطة بظروف وصراعات اجتماعية معينة، ومشروطة كذلك بنمط خاص من الجدل والمناقشة لذا ينبغي التمييز بين ضربين من الجدل فيما بينهما: الجدل الذي يكون بين نوع ونوع، والآخر الذي يتم بين صنف وصنف ضمن النوع الواحد. ففيما كان الضرب الأخير قويا في نطاق التصور الديني والتصور اللغوي، كان ضعيفا في نطاق التصور الإقليمي والتصور السياسي. بل إنه اتخذ شكلا حادا حينا، كما في العلاقات ما بين التصور الديني السياسي ونظيره اللاسياسي، وشكلا هادئا حينا آخر كما في العلاقات ما بين التصور اللغوي والتاريخ، والتصور اللغوي العنصري والتصور اللغوي السياسي.

أما الضرب الأول، أي الجدل بين نوع تصور للأمة ونوع آخر، فقد ظل بمثابة المحرك الدائم الذي يبدو ويختفي، يقوى ويضعف، رهنا لحسابات علاقات القوى المتصارعة على ساحة الأحداث. وبهذه الكيفية واجه التصور الديني للأمة كلا من: التصور اللغوي، والتصور السياسي، والتصور الإقليمي. ونتج عن هذه المواجهة محاولات استيعاب للاعتراضات القوية التي يحملها كل من هذه التصورات عن فكرة الأمة والدين، مما أسفر عن تباين وتعدد النظرات المعاصرة إلى الوحدة بين المؤمنين بالإسلام وإلى العلاقات بين الإسلام والدولة القومية أو الوطنية.

كما واجه التصور اللغوي للأمة كلا من التصور الديني والتصور الإقليمي والتصور السياسي، وحاول أن يرد على حجج كل تصور، وأن يستوعبها ضمن استراتيجية العمل من أجل تثبيت الانتماء القومي اللغوي. لذا تعددت المذاهب والمواقف حول موضوع العلاقة بين الأمة والدين، أي بين الهوية العربية والإسلام، وكذلك في موضوع العلاقة بين العروبة الشاملة والانتماءات الإقليمية أو القطرية. كما لم تكن المناقشات بين التصور الإقليمي والتصورات الأخرى أقل احتداما مع التأكيد على اختلاف اتجاهاتها في سورية عما كانت عليه في مصر تبعا للفوارق الطبيعية بين البلدين من حيث التكوين السكاني والمعطيات المذهبية الدينية والتاريخ السياسي…إلخ. ونتيجة لذلك، تشعبت المناقشة بين التصور الإقليمي للأمة والتصورات المعارضة لها شعبتين، وأنتجت بالمثل موقفين متباينين من قضية الدولة القائمة، ومن قضية العلاقة بين الدين والأمة والدولة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق