أربعينية محمود درويش الآن فقط… بات بالإمكان الحديث عن هوية ناجزة

متنبّي العصر، كما كان يطيب له أن يسمّي نفسه، ولد في فلسطين 1942، نشر أوّل قصيدة في 1955، نفس السنة التي دخل فيها التعليم الثانويّ، تلا ذلك انضمامه إلى الحزب الشيوعيّ، وفي 1960 عمل في الصحافة، بعدها بعام بدأت رحلته مع الاعتقالات والسجون، لتنتهي إلى الإقامة الجبرية وهو في الخامسة والعشرين من عمره. ثم من فلسطين إلى موسكو سنة 1970، فالقاهرة في 1971، ثم بيروت في 1973، ليعاود العمل السياسي، ولكن في منظمة التحرير هذه المرة، إلى أن استقال من اللجنة التنفيذية للمنظّمة بعد اتفاق أوسلو. غادر بعدها بيروت إلى تونس ثم باريس، ليعود أخيرا إلى رام الله. هذه سيرة حافلة، غير أنّها دون قامة من ملأ الدنيا ثانية وشغل الناس من جديد، لكنها سطوة الجغرافيا الضيقة، والزمن المثلوم بالبداية والنهاية.

اختلف الناس حوله كما يليق به، وثار الجدل بين “من معه” و”من ضدّه”، وهو الذي غادرهم جميعا ليس مع أحد ولا ضدّ أحد. واستطاعت تجربته في الشّعر أن تعكس تجاربه في الاحتلال والعمل السياسيّ والنفي اختيارا أو إجبارا، وتجاربه في الحبّ والحرب والحياة والحرية أيضا، فلم يفصل في شعره بين حياته اليومية من جهة، وبحثه الدائب عن الشعر الخالص، (الشعر الصّافي المتحرّر من عبء اللحظة التاريخية ومن قيود المكان والأيديولوجيا)، من جهة ثانية، وكانت حياته اليومية جزءا من يوميات الفلسطينيين وذاكرتهم وآمالهم، حتى صارت تأريخا ملحميا لها وناطقا غير رسميّ باسمها. ومن البحث عن الشعر الصّافي استطاع مزج لون ما هو وطنيّ ضيّق بألوان ما هو إنسانيّ واسع الطيف، فأدرج بالتالي التجربة الفلسطينية بالتجربة الإنسانية الكبرى.

عند درويش، لا شيء منجز أو منته، عاشت كلّ الأشياء لديه في صيرورة مستمرة يحكمها التغير للأمام، إذ لا شيء عصيّ على التطوّر، الأفكار والتصوّرات والآراء، مفاهيمه عن الأرض والتاريخ والذاكرة والهوية واللغة والحبّ والحياة والموت، (فالأفكار تتحول بقدر ما الإنسان أيضا يتحول، والإنسان المتحرر هو الذي يتحرر من عبء أفكاره عليه).

وإذا كان لكل هاجس شعريّ قلقه، فإنّ الهوية قلق هاجس درويش، هي (السؤال الملّح الذي لا ينتهي في مرحلة الشباب والصبا، وما زال مطروحا حتى الآن، ولكن بطرق مختلفة… وتعبيرات مختلفة)، ذلك أنّ الصناعة المستمرّة للهوية هي رفض للهوية المعطاة، (فالهوية هي ما نورث لا ما نرث، ما نخترع لا ما نتذكر)، (إنها خارج حدود الوطنيات والقوميات، تسبح في فضاء إنساني أوسع). وما هوية المحتوى الذي تحمله “الأنا” لدى درويش إلا هويته الشعرية التي أرادها إعلانا عن جوهره الإنساني، أما الحالات المرتبطة بالوطن والزمان والمكان، فرغم أهميتها على المستوى الفرديّ والجماعيّ، بقيت أعراضا على جوهره الأصيل، الذي هو الإنسانية. الهوية لديه متعددة وغنية وأوسع من الحدود الضيقة للمكان أو الارتهان للحظة الحاضر، هي في تجدد مستمر لا يتوقف ولا ينتهي (هي تكوّننا باستمرار، ولن نعرفها إلا غداً). هكذا أراد درويش هويته الشعرية، ليكون ما يريده هو لا ما يريده له الآخرون أن يكون.

ولأنّ “الأنا” المتعددة الأوجه ليست ضيقة ولا تحاول الاستقلال بذاتها عن الذوات الأخرى، لم يجد درويش (حرجا من التصريح بوجود جزء يهوديّ فيه)، ولا في تغيّر مفهوم “الضحيّة” لديه، ليعطيها بعدا أكثر إنسانية، ودورا فاعلا وليس منفعلا، وينتقل بها من حيز الضعف والشكوى إلى حيز المشاركة في صناعة التاريخ والكتابة عن الحب، إذ ما عاد يعنيه ذلك الفلسطيني الذي كان (لا يكتب ولا يحب أن يكتب إلا شكواه من الاحتلال)، وما عادت المقاومة هي ذلك الفعل الثوريّ المباشر، بل تحولت إلى شكل من أشكال الحياة وحبّ الحياة، والفلسطيني أحقّ الناس بها، (وأوّل سلاح “يتسلّح به” هو أن يدافع عن ذاته وحقه وهويته. وثانياً أن يلجأ إلى الوسائل التي تحفظ صورته الإنسانية والوطنية)، بذلك تصبح المقاومة مدفوعة بحقّ الحياة، لا بمجرد الانتصار أو دفع الهزيمة.

ومن وضع مفهوم “الأنا” التي لا تحكمها هوية ناجزة، ولا تحدّها حدود مثقلة بالمكان والزمان، يتحدد مفهوم “الآخر” عند درويش بمنأى عن كل رائز عرقيّ أو دينيّ أو سياسيّ، فـ”الآخر” ليس سوى “أنا” أخرى لها نفس الهوية التي لم تكتمل، هوية الإنسان بوصفه إنسانا قبل كل شيء، والذي يبقى كذلك بعد كل شيء. إذن، ما الذي يميز علاقة درويش بالآخر المشارك له بالعرق والدم عن الآخر الصديق غير المشارك بهما، وعن العدو الأكثر اختلافا؟ وهم جميعا ذوات صنعها الجوهر الإنساني على صورة واحدة؟
لأنه لا شيء آخر يتوجه به درويش نحو “الآخر” سوى الحب، يقع التمييز الذي أُثير السؤال عنه للتوّ،على صورة الحب وشكله، وتختلف رتبة “الآخر” باختلاف مقدار هذا الحب الممنوح له وكيفية التعاطي به، إنه ليس حبّا كمجرد عاطفة تلقائية مشبوبة بالإيجابية، بل حالة تتأسس على معرفة “الآخر” والوعي به، لتعود فتنعكس في معرفة “الأنا” نفسها والوعي بها أيضا، (فالحبّ أحد أشكال البحث عن صورة الذات في الآخر). وقد صقلته التجربة التي اغتنت بالعلاقات غير المحدودة مع كل الأطراف والأماكن والثقافات، عبر حياة لم ترض لنفسها بالعيش على هامش الحياة.

بدأت هذه الحياة في “بطاقة هوية” سنة 1964 كان يقول:

“إذن

سجل .. برأس الصفحة الأولى

أنا لا أكره الناس

ولا أسطو على أحد

ولكني .. إذا ما جعت

آكل لحم مغتصبي

حذار .. حذار.. من جوعي

ومن غضبي

سجل أنا عربي”.

وبعد حوالي أربعين عاما يقول في “حالة حصار” 2002:

” أيها الواقفون على العتبات ادخلوا

واشربوا معنا القهوة العربية

قد تشعرون بأنكم بشر مثلنا

أيها الواقفون على عتبات البيوت

اخرجوا من صباحاتنا

نطمئن إلى أننا

بشر مثلكم!”.

ليخرج بعد ذلك كله، وفي نفس المجموعة، بنتيجة ما كانت لتخرج إلا من عباءة الشعر:

“(أنا، أو هو)

هكذا تبدأ الحرب. لكنها

تنتهي بلقاء حرج

(أنا وهو)”.

تعكس هذه النتيجة تطور وعي درويش “بالآخر” العدو، هذا الذي رغم كل عداوته لا تنتفي عنه صفة الإنسان، وبالتالي لا
تنتفي نحوه عاطفة الحب التي يفضحها الحرج، إذ كيف للحرج أن يكون دون عاطفة من نوع الحب؟!

ومن هذا الحوار الذي لا يحتاج تعليقا، يرصد درويش تجربته مع “عدو” أضاع بوصلة إنسانيته فانزلق إلى هاوية القتل:

إلى قاتل:

“لو تأملت وجه الضحية

وفكرت، كنت تذكرت أمك في غرفة

الغاز، كنت تحررت من حكمة البندقية

وغيرت رأيك: ما هكذا تستعاد الهوية”.

لا يمكن المرور على شجاعة درويش وجرأته في هذا التحول في موقفه من العدو مروراً عابراً، فشاعر بمكانته بين جمهور المتحدثين بلغته، لم يخش التصريح علناً بآراء ومفاهيم قد لا تجد قبولاً لدى هذا الجمهور، وبقي مصرّا دائماً على هويته الشعرية بوصفها هوية مرتبطة بالإنسانية، ليست حكراً على القريب دون الغريب، ولا على الصديق دون العدو، شعرية لا تقف عند حدود الراهن والمؤقت والتاريخيّ، بل تتجاوز ذلك كله إلى الدائم والمطلق والعام، وهذا ما يعكس موقف درويش الإنساني الشعريّ، في بحثه عن الشعر الصافي.

في المضمون الشعري لدى درويش، يتفاعل وعي الهوية ووعي “الأنا” المنعكس عن الوعي بـ”الآخر” ضمن علاقة تبادلية، إذ أنّ كلا الوعيين يؤسّس للثاني وعليه ضمن عملية تخارج دائب. فتمثل “الأنا” للهوية، بوصفها مُعْطى مفتوح الجهات يحمل داخله عناصر متعددة ومتباينة، وأحيانا متناقضة، يوجهها نحو التعاطي مع هذه العناصر لتؤكد على بعضها وتلغي بعضها الأخر، بطريقة تستحضر الثقافة والمعرفة، وتثق بفاعلية الفرد في تطوير هذه الهوية والسمو بها. ومن ثم تطوير وعيها بذاتها وبـ«الآخر» نحو درجة أكثر انسجاما مع التصور المفتوح الهوية. ولأن الهوية كائن غير مكتمل وغير ثابت، يبقى البحث في عناصرها ومكوناتها فاعلا في استمرار تطويرها، وفي الكشف عن العناصر التي ماتت وتجمدت داخلها، كي يتم إخراجها وطرحها عن الجوهر الأصيل للهوية. والكشف أيضا عن العناصر الأخرى الحية والكامنة داخلها، والتي تستحق أن تنمو وتتطور لتراهن نمو وتطور الجنس البشري.

أدرك درويش كيف تكون مهمته في الحياة كشاعر، فطالب نقاده وقارئيه التمييز بين هويته الشعرية وهويته الوطنية. ودون أن يتنكر لفلسطينيته، قدم نفسه شاعرا فلسطينيا على الدوام، لأن هذا واقع لا التفاف عليه، لكنه عمل دائما لأن يجعل هذه الهوية الضيقة عرضا من أعراض هويته الدائمة….. هوية الشعر.

لقد كانت قصائده الأولى، والتي ترافقت مع دعوات إخراج اليهود من فلسطين أو محاربتهم، تحمل في مضمونها ما يناسب هذه الدعوات. لكن التطور اللاحق في المضمون الشعري لديه جاء مستشرفا ومتقدماً على تطور وعي العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً تجاه الوجود اليهودي في المنطقة العربية، وإذا كانت قصائده السابقة ذات التأثر الواضح بتلك المرحلة التي مضت، قد انعكست على واقعها باعتمادها في مناهج التعليم ابتداء من مرحلة الأطفال وصولاً إلى الدراسات الجامعية، أفلا يجدر بنا الآن، بالتزامن مع تطور الوعي بهذا الصراع، أن نعيد التعريف بدرويش الجديد في هذه المناهج؟!

لم تزل هذه الفكرة الأخيرة تلقى صعوبة تحول دون تطبيقها، سواء عند العرب أو الإسرائيليين، إذ لم تصمد تجربة اعتماد درويش كنموذج عن الأدب العربي في مناهج التعليم الإسرائيلية العليا، فأُوقف العمل بها تحت ضغط الاحتجاجات التي أوشكت أن تُسقط الحكومة الإسرائيلية آنذاك. أما عند العرب، فما زالت صورة درويش في الوعي التربوي والأكاديمي، هي في أغلبها مماثلة لـ”بطاقة هوية” التي أرشفت لوعيه وشهادته على عصره الذي مضى عليه حتى الآن أكثر من خمسة وأربعين عاما.

لا يبدو الجانبان، العربي والإسرائيلي، في مستوى من الوعي وقبول الآخر، يؤهلهما لاتخاذ إجراء كهذا يعمل على بعث التجربة الجديدة لدرويش حيةً ومعاصرة، ولكن هذا لا ينفي ضرورة العمل دائماً على تطوير هذا الوعي ورفع مستواه، من خلال الاهتمام أكثر بتجربة درويش وما يناظرها من تجارب العرب أو الإسرائيليين على حد سواء.
ولأن (تاريخ أرض ما لا يبدأ بتاريخ جماعة محددة، بل هو تاريخ جميع البشر الذين مروا عليها، “يغدو” تاريخ فلسطين تاريخا متعددا)، إنه تاريخ جميع الحضارات والثقافات التي قامت على أرضها، ومن الضيق أن تتوهم أي “أنا”، فردية كانت أو جماعية، امتلاكها الحصري لهذه الأرض!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق