الدراما السورية: من صناعة الرسالة إلى تكريس الوهابية

يلاحظ المتابع لمسار الدراما السورية خلال العقدين المنصرمين، هيمنة خطين إنتاجيين عليها، وهما خطان –يبدوان متنافرين ومتنافسين- يحددان هوية المضمون الدرامي السوري. ويتجلى هذا أكثر ما يتجلى في شهر رمضان من كل عام، فمن المسلّمات أنّ الشهر المذكور بات كرنفالاً للدراما تماماً كما هو مهرجان لأطباق المأكولات الشهية.

الخطّ الأول منهما يتصدر تمويله مديرية الإنتاج في التلفزيون السوريّ، ومن ثمّ شركات إنتاج القطاع الخاص التي شهدت طفرة نوعية من حيث عددها ونوعية الأعمال الدرامية التي تنتجها، وذلك منذ مطلع تسعينات القرن الماضي. وقد ساهمت الحكومة السورية، في تلك الفترة، ممثلة بوزارة إعلامها في تشجيع الإنتاج الدرامي لدى القطاع الخاص، تحديداً عندما توسمت خيراً بإمكانية تحويل هذه الدراما إلى صناعة وطنية قد تساهم في بناء المجتمع السوري والعربي.

حاول أصحاب هذا الخط إنتاج دراما تنتمي إلى الواقع ومشاكله، من خلال تسليطهم الضوء على الإنسان ومعاناته وهمومه اليومية في محيطه، والأعمال الدرامية في هذا المنحى أكثر من أن تحصر بعمل أو اثنين. وما لبثت هذه الدراما، ذات الإنتاج المحليّ، أن ارتقت في طرحها لمواضيعها، فلم يمض الكثير من الوقت حتى شاهد المواطن السوريّ والعربيّ مسلسل “المحكوم” الذي أخرجه محمد فردوس أتاسي في تسعينات القرن الماضي، وقد كان من بطولة الممثل جمال سليمان، وربما كان أوّل مسلسل سوريّ ينتجه التلفزيون السوريّ يباع إلى دولة مصر. وهو مسلسل يشي عنوانه بمضمونه، إذ يعالج قضية محكوم يخرج من السجن وهو مجرد من حقوقه المدنية، فيكون جلّ همّه إعادة الاعتبار إلى ذاته في المجتمع من خلال سعيه لإزالة الحكم الصادر بحقه، ومن الطبيعي أنه في سياق العمل الدرامي يتم تكريس الكثير من ثقافتي المواطنة والقانون في وعي المشاهد لذلك العمل.

في السياق ذاته، وبعد فترة زمنية قصيرة نسبياً قدّمت بعض شركات الإنتاج السورية الخاصة أعمالاً درامية تُنمّي أيضاً الثقافة القانونية بطريقة درامية راقية، وتُعاين مشاكل الحب والزواج والطلاق وسواها من شؤون الحياة الواقعية كمسلسل “الفصول الأربعة” الذي كتبته ريم حنا ودلع الرحبي وأخرجه حاتم علي.

يشهد رمضان هذا العام الكثير من الأعمال الدرامية السورية، وكما نرى فالكثير من الفضائيات العربية تعرض تلك الأعمال، وقد قارب الإنتاج الدرامي لهذا العام الثلاثين مسلسلاً سورياً.

تميّزت دراما هذا العام بنوعية المواضيع التي تطرحها، ناهيك جرأة الطرح على غير العادة، إذ جاور الكثير منها الخطوط الحمر في عُرف السلطتين السياسية والمجتمعية السوريتين، من قبيل تناول بعضها لقضايا السجين السياسي السوري كمسلسل “رياح الخماسين” الذي كتبه أسامة إبراهيم وأخرجه هشام شربتجي، إذ يسلط الضوء على حياة سجين سياسي(من الساحل السوري) قضى قرابة العشر سنوات في السجن بسبب معتقده السياسي المُعارض للسلطات، وقد كان من اللافت أن هذا العمل قدّم لهجة أهل الساحل السوري بطريقة عفوية وتلقائية خالية من الابتذال كما كان العُرف في الدراما السورية؛ أو معالجة بعضها لأمراض جنسية خطيرة كالايدز، من قبيل مسلسل “خطّ أحمر”؛ أو تسليط بعضها الضوء على حقوق الأقليات ومشاكلها في المحيطين السوري والعربي الإسلامي كما فعل مسلسل “ليس سراباً” في بعض حلقاته، وهو من بطولة الممثل سلوم حداد، إذ سلّط الضوء على المسيحيين ومفهوم المواطنة مطالباً بدمج التربيتين الإسلامية والمسيحية في كتاب واحد وتدريسه للطلاب المسيحيين والمسلمين معاً(سبق للصديق ميشيل شماس أن طالب بهذا في أحد مقالاته)، وإن كنا نحبّذ على الصعيد الشخصيّ جعل مادة التربية الدينية، إسلامية كانت أم مسيحية، اختيارية من قبل الطلاّب في المدارس إلا أننا وللمرة الأولى –ربما- نسمع اسم “ميشيل” يتردد في الدراما السورية! وهو اسم الصحفيّ(بطل المسلسل المذكور) الذي يجسّد دوره سلوم حداد.

قد تكون المسلسلات سابقة الذكر، وهي على سبيل المثال لا الحصر، تشكو من ثغرات فنية كثيرة هنا أو هناك، لكن ليس هذا بيت القصيد، فما يعنيننا في هذه العُجالة أنّ هذه الأعمال تتصدّى فعلاً لطرح قضايا شائكة سبق للكتّاب والصحفيين السوريين أن طرحوا بعضها، من قبيل طرح الكثير منهم لحقوق الأقليات وقضايا أسلمة الدولة والمجتمع، ونعتقد أنّ قصب السبق للحديث (صحفياً) عن حقوق الأقليات(المسيحيين هنا) في سوريا يعود للكاتب سليمان يوسف سليمان، وكذلك الصديق ميشيل شماس، وقد كان لكاتب هذه السطور دوره المتواضع في هذا المنحى، وكذلك فعل الزميل شعبان عبود في ما يخصّ قضايا أسلمة الدولة والمجتمع في عدد من مقالاته حينما كان يكتب لصحيفتي “النهار” البيروتية و”الرأي العام” الكويتية قبيل سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقراره فيها.

تحصيل حاصل، نجد من خلال متابعتنا، وطوال عقدين من الزمن، أنّ الخطّ الأوّل في إنتاج الدراما السورية، كان صاحب رسالة مجتمعية حقيقية فرضتها عليه مشاكل المجتمع السوريّ المتشعّبة. وهي من دون شك رسالة تتوخّى النهوض بهذا المجتمع ما أمكن، لاسيّما أنّ رؤوس أمواله وطنية بامتياز، وقبالة هذا الخط كان ثمّة خط ثان، فما هو هذا الخط؟.

الخط الثاني من الدراما السورية تموّله جهات خليجية، غالبها وهّابيّ سعوديّ، وهي دراما ذات مضامين بدوية، إن لم تكن بدوية الشكل والمضمون! أو دراما تكرّس ثقافة القبيلة والحكم الفرديّ، وإما دراما تمجّد الملكية على حساب الجمهورية، كما سبق ورأينا من خلال تقديم الوهّابيين لمسلسل الملك فاروق، العام الماضي، وكأنهم أرادوا أن يقولوا للمشاهدين إنّ مرحلة عبد الناصر كانت كلها سلبيات وما عليكم سوى أن تتأسفوا على رحيل الحكم الملكيّ، وندمكم للهاثكم خلف “سراب” عبد الناصر وما كان يرمز إليه؛ مع معرفتنا أنّ فاروقاً قضى نحبه على إحدى طاولات القمار في أوربا! وله دوره شديد السلبية في ضياع فلسطين وتبديد ثروات مصر! في حين نعلم جميعاً أنّ عبد الناصر –رغم طغيان حكمه واستبداده – قد مات فقيراً، ومن جانب آخر فقد ساهم في بناء صناعة في مصر كانت تعتبر صناعة ثقيلة بالنسبة لمرحلته، دون أن نغفل مساندته لحركات التحرّر العربيّ.

ومن المؤسف حقاً أنّ مؤلفي ومخرجي تلك الأعمال الدرامية السورية قد برعوا في العزف على الوتر المطلوب والمرغوب وهابياً وبدوياً، ذلك من خلال سلسلة طويلة من الأعمال الدرامية المنتمية –في غالبها- إلى التخييل التاريخيّ(لايمكننا فنياً القول عنها إنها فنتازيا تاريخية)، وهي من قبيل مسلسل “الجوارح” ومشتقاته كـ”الكواسر” و”الفوارس” وقد كان ختامها بـ”البواسل”(؟!) ومعظم هذه الأعمال وأشباهها كان تمويله خليجياً، ومن المفيد القول إنّ واضع تلك الأعمال له بصمات واضحة في أعمال اجتماعية معاصرة، وقد لاقت نجاحاً معقولاً، غير أنّ غالبية أعماله الدرامية الاجتماعية المنطوية على رسالة نهوض كانت تنتجها شركات سورية لا وهابية أو خليجية.

وقد كان من الصعب حقاً طرح أعمال بدوية تسلّط الضوء على حقب تاريخية حقيقية، خاصة إذا كان الممول خليجياً، وهذا ما شهدناه هذا العام، من خلال منع عملين دراميين بدويين من قبيل “فنجان الدم”، تأليف عدنان عودة وإخراج الليث حجو، وكذلك مسلسل “سعدون العواجي”، فكما تناقلت بعض وسائل الإعلام أنّ المنع كان جرّاء ضغط بعض القبائل العربية التي “ارتأت” أنه يسيء إليها، حتى ولو كان هذا العمل أو تلك يمجّد الرموز التاريخية لتلك القبائل أو بعضها!. ويقيناً إنّ هذا المنع يضعنا أمام مواجهة حقيقة مُرة، إذ إلى أين وصلت درجات القداسة للأشخاص لدى أهل الضاد! وقد كنا نعتقد، واهمين على ما يبدو، أنّ القداسة لديهم محصورة بالرسول العربيّ وصحابته والتابعين، وان شئتم اللاحقين.. يمكننا أن نلفت الانتباه هنا إلى أنّ صفة “القداسة” كادت تشمل المغنية أسمهان، وقد تجلّى ذلك في المحاولات المستميتة لبعض قرابتها بغية منع عرض مسلسل “أسمهان” هذا العام، لأنه حسب وجهة نظرهم يسيء إليها والى “العروبة”!

تلك النعرة القبلية سبق أن عانى منها الشاعر الراحل ممدوح عدوان عقب عرض مسلسله الشهير “الزير السالم”، فمن خلال الرسائل التي كان يتلقاها، تفاجأ أنّ الحساسيات القبلية بين القيسيين واليمنيين ماتزال كائنة في شبه جزيرة العرب حتى يومنا هذا! ومنهم من قال عنه انّه قبض أموالاً من الملك السعوديّ الراحل فهد بن عبد العزيز لتقديمه نهاية الزير سالم بالطريقة التي آل إليها في ختام العمل الدراميّ! تجدر الإشارة إلى أنّ إحدى ايجابيات مسلسل “الزير سالم” معاينته لمحاولة العرب، على يد كليب، بناء دولة قبل الإسلام. وقد سبق أن قال لي ممدوح في أحد حواراتي معه أنه تعمّد تقديم الزير كما هو في التاريخ، قاصداً تهديم تلك الصورة النمطية والخرافية التي اختزنتها الذاكرة الجمعية لشعوب المنطقة عن شخصية الزير سالم.

طبعاً لايمكننا أن نبدي أسفنا على منع هاتيك الأعمال البدوية إطلاقاً، غير أنه كان من الغريب حقاً أن مخرجي وممثلي الأعمال الدرامية التي تنتمي إلى الحداثة التي يمثلها خط الإنتاج الدرامي ّالأول، يكادون يكونون هم ذاتهم الذين يخرجون(ويمثلون) الأعمال المنتمية إلى البداوة! فمثلاً حاتم علي الذي أخرج “عصي الدمع” الذي يتحدّث فيه عن ظاهرة الأسلمة في المجتمع، وقد عُرض في شهر رمضان الماضي، هو ذاته الذي أخرج “صراع على الرمال”! وجمال سليمان بطل عديد المسلسلات الاجتماعية الحداثوية والشائكة هو نفسه بطل “فنجان الدم”!، والليث حجو الذي أخرج المسلسل آنف الذكر هو الذي كان يخرج “بقعة ضوء” التي كانت توجه النقد اللاذع على الصُعد كافة السياسية والاجتماعية والإسلامية!، ومن المؤكد أنه يحقّ لنا أن نطرح هنا سؤالاً ننتظر الإجابة عنه من صنّاع الدراما السورية المنتمين إلى الحداثة (وما بعدها) لا إلى “باب الحارة” وما قبلها، ومفاد السؤال: هل لديهم فعلاً في تلك الدراما مشاريع اجتماعية وسياسية يتوخون من خلالها النهوض بالمجتمع المثقل ببداوته؟ وإذا كان الجواب بنعم، فعلام يصرّون على صفعنا بكلّ تلك البداوة في العديد من أعمالهم؟ وهل أموال النفط الوهابيّ وإغراءاته كافية، من وجهة نظرهم، لتكريس كل تلك القيّم البدوية؟.

ومما نلاحظه أنّ الأعمال التاريخية التي تسلط الضوء على هذه الفترة أو تلك من حقب التاريخ الإسلامي(وهي عادة من إنتاج الخط الثاني) كانت، وما تزال، تُقدّم ذلك التاريخ بما يرضي ذائقة مشاهدي الخليج العربي، وتثير في الوقت نفسه شهية المنتجين من دول النفط، شرط أن تعرض التاريخ الإسلاميّ الذي تتطرق إليه بما يرضي غرور وعنجهية العرب وأوهامهم عن ماضيهم الذي يحبون أن يروه فردوساً بالتأكيد، وليس كما هو في حقيقته!، حتى لو كانت المصادر المعتمدة في كتابة هذا التاريخ هي المصادر الإسلامية الأكثر قبولاً لدى المسلمين كـ”تاريخ الطبري” و”طبقات ابن سعد”، وحتى “البخاري” و”مسلم”، وهذه المشكلة عانى منها الكاتب غسان زكريا بُعيد عرض عمله المعنون بـ “أبناء الرشيد- الأمين والمأمون” الذي عرض 2006، فقد كان من ضمن مصادره “تاريخ الطبري” و”وفيات الأعيان” لابن خلكان إضافة إلى مصادر أخرى كما أفادني في حديث هاتفي معه، ومع ذلك لم يسلم العمل الدرامي وكاتبه من هجمة من سمّوا أنفسهم بـ”أنساب العباسيين” الذين ارتأوا أن الكاتب “يسيء” إلى أجدادهم!، وقد كانت الجهة المنتجة للعمل أردنية.

طبعاً لا يخفى على لبيب المغزى الوهّابيّ من إنتاج أعمال درامية كهذه، ومن المفارقات أنها الجهات ذاتها التي تنتج أعمالاً تركية مدبلجة إلى العربيّة كمسلسلي “نور” و”سنوات الضياع” كرسالة منها للغرب أنها مع “الحداثة” لا ضدّها، تماماً كتمسّكها بـ”الأصالة”، وعلى ما يظهر أنّ الحداثة بالنسبة للوهابيين محصورة فقط في حرية العلاقة بين الجنسين شرط أن لا يكونوا عرباً، تماماً كما الأصالة في عرفهم كائنة في قوقعة المرأة خلف “باب الحارة”.

يبقى أن نقول أنه في العامين المنصرمين، ضُخّت الكثير من أموال النفط الوهّابيّ في شرايين الدراما السورية، بغية تقديم دراما ترضي ذائقة حُماة الوهابية من جهة، وتصدير ثقافتهم التي كادت غالبية المجتمعات العربية تلفظها وتتحرر منها ذات زمن غبر، وقد كان خير ممثل لذلك هو مسلسل “باب الحارة” في جزئه الثاني الذي عرض في رمضان 2007، والذي يُعرض جزؤه الثالث هذا الشهر، ومن أسف فقد كان العمل سيّء الذكر يبارك تعدد الزوجات في إحدى حلقاته هذا العام، ومن أسف مرة أخرى، فقد كانت النسوة سعيدات بمثل ذلك التعدد!، ولا ندري في حال كان الحسم في إنتاج الدراما السورية للخط الثاني أي أموال النفط الوهّابيّ، إن كنّا سنشهد جزءاً رابعاً من “باب الحارة” يبارك لنا زواج المسيار وزواج المسافر وحتى زواج الونّاسة، وهو نوع جديد من الزواج ظهر في أرض الحجاز مؤخراً. وأخشى ما أخشاه أن تكرّس الدراما السورية، بقصد أو دون قصد، القيّم الوهابية في سورية عوضاً عن انشغالها بصناعة ما بدا لنا أنه رسالة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق