رحلة إلى الإنسانية

 

انطلقت بنا الحافلة من أمام مقر بلدية مدينة جونفلييه التي أقيم بها، وما أن استدار فيليب نحو النافذة وغرق في صمت خاصّ به، حتى اختلط عليّ المشهد بين باريس وحلب.
انطلقت بنا الحافلة من حيّ حلبيّ عتيق مهمل، وكانت إحدى المرات النادرة في حياتي، التي أغادر فيها وحدي، دون رقابة عائلتي، وما أن سارت الحافلة بنا عدة ساعات حتى توقفت.
لم يكن من السهل عليّ أن أغادر وحدي، ولكن أبي قد  وافق محرجا، لأني سأكون مصحوبة بعائلة صديقه وجارنا في الحيّ، بنات صديق أبي الخمس، أي رقابة جيدة، إضافة إلى جارنا  وزوجته، لم أكن أعرف جيدا مقاصد الرحلة، سوى أنها رحلة عائلية، غادرت فيها لمرافقة عائلة صديق أبي.

توقفت بنا الحافلة، لأن ثمة حاجزا أمنيا كان قد أوقف الحافلة، وصعد رجال المخابرات. كان يكفيني أن أسمع كلمة ” مخابرات ” حتى يصفرّ وجهي خوفا، كما لو أنّي مجرمة فارّة من العدالة.
طال الجدال بين السائق، الذي ترجّل من الحافلة، والركاب الذكور الذي طُلب إليهم النزول، وبين عناصر الأمن، وكنت أتخيّل في سرّي، أنهم سيطلقون عليهم النار في الظلمة، ولا أعرف ماذا سيحلّ بنا نحن النساء الذين تُركنا في الحافلة.
بعد انتظار ومباحثات، عاد رجال المباحث، وطلبوا منا بطاقاتنا الشخصية جميعا، ودوّنوا أسماءنا.

توقفت بنا الحافلة بعد لحظات، ليصعد بعض الركاب الذين كانوا ينتظرون في الموقف التالي، وصادف أن تعارف بعض الركاب الجدد على بعض الآخرين الذين صعدوا معنا من أمام البلدية، وراحوا يتبادلون القبل.
جميعنا متجهون معا، رجالا ونساء، شبابا وكهولا، أزواجا وعازبين، إلى وجهة واحدة : عيد الإنسانية.

الراكب الذي سألني، وأنا أفترش كباقي المنتظرين، درج البلدية، مستمتعين بالشمس المدللة هنا، فيما لو كان الركوب مجانيا أم مدفوعا، كان وحده، ولكنه عثر على مرافقة له في الرحلة، كانت سيدة مسنة تقريبا ، وراحا يثرثران معا، نعم، نحن ذاهبون إلى لومانيتيه، العيد الذي تنظمه مجلة لومانيتيه في الأسبوع الثاني من كل شهر أيلول، بفضل تضامن الشيوعيين الفرنسيين والمجلة .
للعيد نكهة اليسار، ومع نفوري الحاليّ من السياسة والسياسيين، إلا أنّ لنوستالجيا اليسار نكهة خاصة، نكهة الطوباويات المفقودة، حلم ماركس بتنزيل الجنة إلى الأرض، الحلم الذي داعبني وشغلني يوما، إلى أن دفعت الكثير من الخوف والقلق والتحرّش السياسيّ، منذ أن دوّن اسمي في تلك اللائحة، ليلة توقيف الحافلة من قبل المخابرات. وعرفت فيما بعد أنا لم تكن رحلة عائلة بريئة من النوايا السياسية، وفهمت محاولة أبي رفض الذهاب في تلك الرحلة، كما لو أنه أراد حمايتي من أثمان باهظة ندفعها، من أجل تفاصيل صغيرة جدا.

يترافق عيد لومانيتيه هذا العام، مع الذكرى الأربعين لحركة أيار 68 ذائعة الصيت، لذلك يحاول منظمو الفعاليات، أن يركزوا الضوء على تلك الفترة، متأملين  استعادة بعض الأنفاس الايجابية، في استعادة الأمل لدى الجيل الشاب، بعد الإحباط الذي مني به اليسار بوصول ساركوزي إلى الحكم .
50 حفلة موسيقية
40 رسام
200 كاتب
100 حلقة نقاش أو ندوة
10 مسرحيات
خلاصة عيد هذا العام، الممتد من 12 لغاية 14 أيلول .

***

 بدأت يومي، ما أن حطت بنا الحافلة، جميعنا نحن الركاب المتّجهين إلى الإنسانية، دون أن أعرف اتجاهات الجميع السياسية، وإن لم يكن الأمر يخلو من  وجود اليمين، ولكن ما أدهشني، هو إصرار الشباب على التواجد، الشباب الذي نظلمهم دوما بأحكامنا المسبقة، على أنهم سطحيون وتافهون، يفاجئوننا باهتماماتهم وجديتهم الأكثر دقة من جيلنا أحيانا . حتى لو كان من ضمن اهتماماتهم، هذه النقوش المرعبة ، لعقارب وأفاعي وعناكب، تتوسّط خاصرات الصبايا والشباب، وظهورهم، ولكن الجديد الآن، هو وشم  غيفارا على أكتاف الصبايا والشباب .
بدأت يومي إذن، بالاستسلام لفقرة صديقي، أي التواجد في مقر المشهد الكبير، هكذا يسمونه، غراند سين ، لحضور حفلة المغني البروتوني، طبعا الفرنسيّ، جيل سيرفا .

يحق لهم أن يسمّوه بالمشهد الكبير، ليس لوجود المنصّة العالية، الكبيرة، المحاطة بالألوان، والتي احتضنت الموسيقيين وآلاتهم، وجيل سيرفا، بل لامتداد ذلك المشهد، المأخوذ من الجنّة في رأيي، إذ أني أعشق هذا التجمع الكوني، بشر من جميع الاتجاهات  والأعمار، يجلسون جميعا، ودون أيّ مجال للتعالي أو ممارسة الحس الطبقي أو البورجوازي، في ذلك السهل، أو الهضبة أيضا ألمزروع بالأخضر.
مشهد مقتطع  من الجنة، امتداد عشبي أخضر طويل وبعيد، مزروع ببشر فرحين،  ناس يضحكون، يطلقون النكت، أصدقاء يتهكمون على بعضهم، يشربون، يدخنون، ويفترشون جميعا ذلك العشب، بانتظار جيل سيرفا .
وجاء جيل .

لا أعرف ما الذي يفرق بين جيل سيرفا، والمغنيات العربيات المعاصرات، أو بالأحرى، ماذا يمكن أن يجمعه بهنّ ، سوى إذا  وافقنا  على مضض، أنّ الطرفين، يغنيان .
كما أني لا أعرف ما الذي يفرّق، بين هذا الجمهور الشاب جدا، حتى بكهوله، وبين الجمهور العربي، المشجع لمغنياتنا العربيات .
جيل سيرفا رجل أشيب، له عينان زرقاوان صافيتان، تشعان بالحب والتقدير، يغني، وكأنه يلقي علينا بقصائد مفعمة بالعمق والبساطة، بالحب والصداقة، بالوطن والحنين …
كنت أحاول الاستمتاع بالموسيقا، وفهم الفرح المشعّ في عيون الجمهور، الذي نهض أكثر من نصفه، ونصفهم كهول، ووقف على قدميه، ليرقص ويصفق مع سيرفا . كنت أحاول أن لا أفكر بالكلمات، ولكن ذلك كان أكبر مني، كيف يمكن لرجل لا يغني للحب ولا يهيج الرغبات، أن يثير كل هذا الفرح، رجل يغني وينتقد ساركوزي، ولا يترك شيراك بحاله، ويلمّح بملاحظاته على فرانسوا هولوند، دون أن يكون ” متفلسفا “، كأغانينا السياسية الخالية من الدفء، وكأنها شعارات فقط، مع أن سيرفا ليس صاحب مدرسة ” ملتزمة ”  وليس مؤدلجا، ولكنه فنان، فنان وهو يقفز، كما لو أن ” زمبلكات ” لاصقة بحذائه، علما أنه قد تجاوز الستين من عمره .
حتى لا أظلم سيرفا، لا يجمعه بأحد مغنينا، ولا مغنياتنا شيء، لا من الغناء العاطفي ولا السياسي ولا الجنسي، المليء  بالآهات والفيديو الكليب المصور في حمامات السباحة وغرف نوم البطلة .
جيل سيرفا، يكتب كلماته، يكتب حزنه ورفضه وحريته، ولكن بهدوء ورقيّ، لايصرخ ولا يوجع رؤوسنا ، ولكنه يجذبنا، كنت أشعر أنه يتحدث بلساني، خاصة في أغنيته التي كتبها في مونبرناس والتي تتحدث عن المنفى، عن رغبته بالعودة إلى موطنه ذات يوم، عن حقه  بأن يكون … كما في أغنيته المليئة بالحرية ” كما أريد “، حيث يغني كما يريد، ومتى يريد، وباللغة التي يريد …

***

جاء الآن دوري، سيستسلم  صديقي لفقرتي، ندوة الرواية العربية .
يجب أن أعترف أن السبب الأساسي لذهابي هذا العام، وهي المرة الأولى لي، إلى عيد لومانيتييه، كان هذه الندوة، وخصيصا، لأني كنت أريد أن ألتقي بصموئيل شمعون .
لا أريد أن أفرغ كل ما لديّ عن صموئيل شمعون هنا، لأن لهذا مكانا آخر، ولكني لم أكن قد رأيت صموئيل، وأحس دوما، وكلما عرفت أنه في باريس، أني يجب أن ألتقيه، فقط لأعبّر له، وجها لوجه، عن تقديري لجهوده في الاهتمام بالثقافة العربية، المعاصر منها، عبر موقعه الأدبيّ، بل بمجلته الأدبية المخصصة للأدب الحديث، والملعون على الأغلب،  كيكا، وكذلك عبر مجلة بانيبال التي تترجم  الكتاب العرب إلى الإنكليزية والتي  التي ترأس تحريرها  زوجته مارغريت أوبانك .  
لم أكن أجرؤ كثيرا عن الإعلان في رغبتي عن تقدير صموئيل وجهوده، خوفا من اتهامي بالتملق، ولكن ثرثرتي، مع صديقتي الروائية، والتي أثق بها، والتي قالت لي: إن ما قدمه صموئيل شمعون للثقافة العربية، والعراقية تحديدا، يفوق كل ما قدمته الحكومات العراقية . جعلتني أقرر عدم الالتفات لما قد يقال . فالرجل يستحق .

لا بد أيضا أن أشير إلى الدور المهم الذي يلعبه الناشر السوري فاروق مردم بك، والذي بفضله، وبفضل آكت سود، تم تقديم الكتابة العربية إلى القارئ الفرنسي، ومردم بك أيضا، يستحق وقفة خاصة، لمهنيته الدقيقة، وإخلاصه وأمانته في خدمة ” مع أني لا أحب الكلمة ” الثقافة العربية .

إذن جمعت الندوة المقامة عن الرواية العربية، كلا من الدكتور بطرس حلاق، الروائي صنع الله ابراهيم، الناشر فاروق مردم بك، وصموئيل شمعون، العراقي في باريس .

بدأ مردم بك بتقديم المشاركين معه، وتحدث باقتضاب، وبعمق، عن رأيه في الأدب العربي المعاصر، ومع أن مردم بك يستحق أن تكون له ندوة خاصة به، باعتباره يملك خبرة واسعة في تصنيع وإنتاج الكتاب الفرنسي، والكتاب العربي المترجم إلى الفرنسية عبر عمله كرئيس مجموعة سندباد التابعة لآكت سود .
تميز كلام فاروق مردم بك بالإيجابية والأمل، وهذا نادر، وأنا أعتبره أمرا مهما، فهو ينظر إلى مستقبل الكاتب العربي من زاوية بيضاء جدا، بل ويراهن على أسماء موجودة حاليا، من أنها سوف تثير جدلا واهتماما في السنوات القادمة، أسماء عربية طبعا، ستحدث أثرا في الثقافة الغربية، والرجل لا يتحدث عن تكهنات خاصة، بل عن خبرة ومعرفة بالمزاج الفكريّ، أو مزاج القارئ، وكذلك الناشر،الفرنسيّ.
كما يجب أن أركز هنا على تركيز مردم بك، على دور المرأة الكاتبة، ومع أنه لم يتطرق لذكر أي اسم، خارج أسماء المشاركين معه في الندوة إلا أننا نشعر أنه يتحدث  عن ظاهرة جديدة، هي ظاهرة الكاتبة المرأة  المتجاوزة للتابوهات العربية، وخاصة التابو الجنسي .  

بعد ذلك قام  بطرس حلاق بتقديم سريع لموسوعته عن الأدب العربي، والتي صدر الجزء الأول منها عن آكت سود، أيضا .
رغم ضيق الوقت ، حيث أن ساعة واحدة لا تكفي للاستماع إلى أربعة أشخاص مهمين وفاعلين في الرواية العربية، إلا أن ظلما وقع على صنع الله ابراهيم برأيي، إذ أن وجود صموئيل شمعون معه، ولا أعرف إن كان هذا ميزة أم هفوة، قد جعل التركيز أكبر على صموئيل الذي يتمتع بقدرة خاصة به في جذب الاهتمام، من خلال بساطته وطبيعيته في الكلام، مع إضافات مرحة، جذبت الحضور إليه، وهذا برأيي أخل بالتوازن بين حضور طرفين غير متكافئين أصلا، لا في التجربة ولا في العمر . ربما تم اختيار الأسماء من أجل التنويع، ولكن صاحب ” اللجنة ” و” وردة ” و” ذات ” وأمريكاني ” والرافض لجائزة الدولة للرواية في مصر، بدا حضوره باهتا، كما بهوت اليسار العربي، والذي يستحق منا الآن، الكثير من النوستالجيا فقط، حتى  روايته الأخيرة ” التلصص ” المترجمة عن آكت سود، طبعا، لم تلمّع حضوره، إذ أن الحضور الأقوى كان للعراقي الباريسي . وبدا أن الاهتمام توزع، من قبل الحضور، بين الناشر السوري و صديقه الروائي العراقي، الذين يستحقان بالتأكيد أكثر من ذلك الاهتمام، ولكن كان ” الصغير المتلصص ” حسب الترجمة الفرنسية، يستحق منا أكثر أيضا.

***

هكذا أنهيت يومي الإنساني، وكان علينا انتظار الحافلة التي ستعود بنا إلى جونفلييه، حيث تضعنا أمام مقر البلدية، على بعد خطوات من منزلي، بدلا من صعوبة التنقلات، وطول الطريق عبر المترو والباص، إذ يقع مقر العيد اللومانتاني، أقصد الإنساني، في منتزه تابع لضاحية باريسية  تسمى كورنيف .
كان المطر قد بدا يهطل كرذاذ خفيف، وكنت مصحوبة بكثير من الفرح، الذي اقترح علينا مقدم حفل جيل سيرفا أن نتقاسمه، أي الفرح . كنت منتشية بالموسيقا والشعر الفرنسيين، وملاقاة المشاركين بندوة الرواية العربية، وبالمطر .
ثرثرنا معا، الركاب الذين صادف أن التقينا في الذهاب، واخترنا الموعد ذاته للعودة، تبادلنا الآراء في ما شاهدناه، ولما وصلت الحافلة، صعدنا، كعائلة واحدة، مع أننا لا يعرف أحدنا اسم الآخر أو عنوانه، ولا أي معلومات خاصة عنه، سوى أننا تقاسمنا الوجهة ذاتها، لومانيتيه .

لم يطلب أحد بطاقاتنا، لا في الحافلة، ولا في الحفل، ولا في أي مكان آخر، في فرنسا، أو أوربا … عدا الأماكن الرسمية التي نذهب إليها بأنفسنا، ويجب فيها أن نثبت شخصيتنا، لمراجعات البلدية أو الضمان الصحي أو المصرف … أي لممارسة حقوقنا.

كانت عبارات معينة مطبوعة في رأسي، كأجمل ما قرأت هذا اليوم، مثلا:
– الإنسانية، معركة يومية.
أو حتى التقسيمات الجميلة لأجنحة المنتزه كـ قرية العمل، قرية الكتاب، قرية العالم ….
ما لا أفهمه حتى الآن، وأنا أعيش منذ سنوات قليلة في أوربا، لماذا يعتقد الكثيرون بأنانية الغرب وانغلاقه  ؟ على من يظن هذا، أن يرتب أمره ليأتي إلى فرنسا في الأسبوع الثاني من سبتمبر، ويتمتع بهذا التضامن الشعبيّ، الإنسانيّ، دون أن يكون للإنسانية أي هوية، لا يمينية، ولا يسارية، ولكنها طبعا، لا يمكن أن تكون بورجوازية، والحديث عن الإنسانية، يتبع …

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This