فانتازم

نادرة هي التجارب الجريئة والعميقة التي يمكن أن تزيح الغبار عن الجسد العربيّ. تجربة الشاعر العراقيّ جمال جمعة الذي أسس لشبكة النفزاوي الايروتيكية على الأنترنت، كانت لافتة. فهي  تجربة تحريضية لجأت الى الشبكة ملاذا في عصر تتفجّر فيه فتاوى حمقاء وتُحرق فيه أجساد بلهيب المعتقد. كان جمال يستشرف بذكاء حادّ دور الأنترنت كفضاء للثقافة المضادّة، دون أن ننسى إنجازه الورقيّ الذي ضمّ كتبا عربية مثيرة للجدل أخرجها من صندوق التراث العربيّ المسوّس. فهو محقّق ” الرّوض العاطر ” للنفزاوي و” النّصوص المحرّمة ” لأبي نواس ونزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب ” للتيفاشي و” كتاب الحمقى والمغفّلين ” لعبد الرحمن الجوزي وكتابه الأخير ” ديوان الزنادقة ” الذي جمّع فيه كفريّات الشّعر العربيّ . جمال جمعة مُحقّق ما لا يتحقّق. أحد حفّاري الذات العربية الدؤوبين. الذات التي لم نفهمها بعد، وضيّعتنا رموزها المتشابكة والمتنافرة حدّ الخصام. باستفزاز أعلن جمال جمعة عن محتويات النفزاوي : نصوص تراثية متهتّكة، ايروتيكا من الإغريق القدامى الى يانيس ريتسوس، تاريخ حزام العفّة، ثم الدخول الى معترك الثقافة الجنسية وتبنّي فكرة الأسئلة الجنسية رفقة خالد منتصر “سيكسولوغ” الحرمان والجهل العربيين الآن بجريدة إيلاف الالكترونية. ربما ما عبناه وقتها على المشروع هو فتح محتوياته للمنخرطين  الذين يدفعون قسيمة اشتراك فقط، مع ميل إلى الثقافة الجنسية بخطابها التوجيهيّ عوض الانكباب أكثر على الأدب الايروتيكيّ العربيّ والعالمي. موقع النفزاوي توقّف ثم عاود البثّ. نوع من الإصرار على الفكرة. فكرة أكثر من آسرة لكنها تحتاج الى التعميم كي تصل، وتفتح باب الصراع أوسع وتمتحن حريتنا أمام الأشهاد حتى لا تتحوّل الى ناد سرّيّ للجنس التبادليّ. للأسف الثقافة هي بغل الرهان الوحيد الذي علينا أن ننتظر دخوله حلبة السباق. الخسارة لا معنى لها عند الخاسرين أصلا. وعلينا أن نخسر قبل أن نبدأ. المهمّ أن نبدأ. وجمال جمعة وغيره من الملاعين طرقوا بجرأة  باب الخسارة.

حركة الجسد مستمرّة في الأدب العربيّ. محتشمة في العصر الحديث. المثقفون الحداثيون أو المحسوبون على الحداثة بصيغتها العربية أصبحوا كتنّين بسبعة رؤوس. أصبحوا رغما عنهم حلفاء الأصولية وحلاليف الحداثة الغربية. مع حزب الله وروزا لوكسمبورغ في آن. حربائية ثقافية شاملة أدت الى انغراز الدكتاتوريات أكثر في العظم. نبّاحو السبعينات غارقون في التسعينات حتى الأذنين في التواطؤ والمصالحة مع حكوماتهم. بعد ذلك يصفون ” الحداثة بالمعطوبة ” في حين هم العطب عينه. حينما لا يعثرون على جواب يتحدّثون عن الصوفية
ويجرّدونها من تجربتها الإيمانية العمياء. بعضهم حينما يعربد تصعد الأذكارالصوفية الى حلقه فيتقيّأ أمام أقدام شيخه. أعتقد أنّ الصوفية تنفي الحسّية المباشرة وتحلّق الى المشاهدة المهلوسة. أحيانا تحسّسنا الصوفية بطهرانيتنا، تريد أن نبقى طاهرين وهذا وباء الحداثة العربية. حداثة طهرانية لا تريد أن تتلطّخ. لذلك يبصق عليها البعض الآن علّها تحسّ أنها نجسة. الحداثيون الذين يحرّرون صفحات ثقافية، عليهم أن يحرّروها أوّلا من رقاباتهم. لأنّ رقاباتهم على معاصريهم أفظع وأشدّ وطأة.  تكفينا الرقابات الدينية والسياسية لأنها خرّبتنا. جعلتنا ننظر الى ذاتنا باحتقار. هل نحن بهذا الشكل ؟

إعلان جمانة حداد الآن عن إصدار مجلة ” جسد ” هو استفزاز. استفزاز لمن ؟ استفزاز للسّكيزوفرينيّ الذي هو أنا. استفزاز للعربيّ الذي تركته خلفي في قارّة أخرى. ألتفت اليه لأتملّى كيف يتوجّع من الكبت. الموت لا يأتيه. يأتيني وحدي ليقتلني. صعب أن نتخلّص من الجماعة. صعب أن نتخلّص من الذات التي تنمسخ الى جماعة. واحد يصرخ باسمنا جميعا ويرعى آلامنا. واحد يجلدنا مئة جلدة. واحد لا نراه ويرانا. واحد يملك الأمّة. واحد أكبر من الجميع.

مجلّة فاحشة جديدة والفضوليون والبصّاصون كثر. هاجموها حتى قبل أن تصدر . جمانة حداد تصدّت لهم بقوة في مانيفستو ناريّ. هي شاعرة من الجيل الجديد الطريّ كلحم الرغبة. مهندسة جائزة بوكر العربية ولا تتخلّى عن لهجتها الراديكالية. تحسم مع الخصوم والحلفاء. تركلنا جميعا بكعب الحذاء وتسير بأقدام حافية أظافرها حمراء. لديّ فانتازم صغير أن ألتهم مجلة ايروتيكية أو بورنوغرافية بعربية العصر. عربية تعيش أندرغراوند الصحراء.  أدب لا يستفزّ لا يمكن أن يكون أدبا مهمّا. أدب يستنفر الحواسّ. يبدو كتاب الايروتيك العرب كمناضلين في حركة سرية  يقاومون بنصوصهم. لن يغيّروا العالم لكنهم سيغيّرون نظرتنا اليه. سيتحدثون بوقاحة عن اليوميّ. سيكشفون علاقتهم بالفياغرا الثقافية. سيدفعون العربية الى المهالك. وسنهلك معهم في الشهوات.

حركة الجسد مستمرّة في الثقافة العربية. شباب “كازبلانكا” يفرجون عن أجسادهم بالبولفار على إيقاع عيساوة
والهيب هوب، أقرانهم في بيروت سيستمتعون بلحظات قصوى مع مجلة آداب الجسد وفنونه. إننا حفرنا طويلا في الروح وربما نسينا الجسد.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق