منهل السرّاج ورواية المدينة

هل يموت المؤلِّفُ حقاً بمجرّد إمساكه للقلم؟.. سؤالٌ لطالما تكرّر، ولطالما ظلّ جوابه مفتوحاً على الاحتمالات، غير مُنتهٍ بنقطة.

رغم  الجملة التي تفتتح بها (منهل السراج) روايتها الثالثة (على صدري)، الصادرة عن دار قدمس عام ألفين وسبعة ضمن سلسلة ولادة، والتي تقول فيها: “لكي تكون نفسك، عليكَ أن تكونَ شخصاً آخر، لتعيشَ قصّة أخرى”، إلا أنها تفشل في أنْ تكونَ أخرى، لتعيشَ قصّةً أخرى.. منهل التي يصعب قتلها أثناء قراءة رواياتها، لأنها – أصلا- يصعب أنْ تموت أثناء كتابتها لها.

تعيش (نجلا) – الشخصية التي تُقيم الكاتبةُ الروايةَ على صدرها- علاقةً جارفة خلال أشهر الصيف الثلاثة، مع المثقف ظافر، وهو صحفيّ شارك في الدفاع عن لبنان خلال اجتياح إسرائيل لها عام ألفين و ستة. وبعد تلك الأشهر المفعمة بتوهّم الحبّ، واستراق اللقاءات، وتلاشي عقدة صدر نجلا الضخم بطبيعته – والذي يتضخّم تارة و يعود إلى ما هو عليه تارة- تتلاشى العلاقةُ نفسها بحركة عدم اكتراث من أصابع ظافر حين تهدّده بأنها ستتركه، هو الذي لم يكن يهمّه من علاقته بها سوى المال الذي تصرفه له عند كلِّ لقاء، عربوناً على حبّها العميق، وربما ردّاً لجميله في جعلها تتخفّف من عبء صدرها، وهوسها بضخامته.

و رغم  صحوة (نجلا)، بعد الصدمة، على حجم الخيانة التي اقترفتها وشريكَها بحقّ زوجته، إلا أنها ظلّت على عشقها له، وهامت على وجهها في الشوارع، شاكية لـِ (لينا)، صديقتها الجديدة التي أتت من أميركا لتعرّف ولديها بمسقط رأس أمهما، مقدارَ شوقها لرائحته، وللارتماء بين ذراعيه، فما كان من (لينا) في كلّ مرة إلا أن تنصحها بإيجاد علاقة بديلة تُنسيها حبَّ ذاك الصيف.

هكذا تمرّ صفحات الرواية، بين شوق (نجلا) لـ (ظافر)، واستذكارها لكلّ ما جعلها تعيشه برفقته، وبين ضخامة صدرها وتضخّمه، كلّما حاولت أن تعبّرَ عن ذاتها أمام الآخرين، وكلما شعرت بعدم الثقة بنفسها، وهذا ما بدت عليه غالباً، تبعاً لِقِصَرِ قامتها، وشكلِ جسمها غير المتناسقين: “أرغب في أن أخبرَ الجميع عن آرائي، لكنّ ضخامة صدري تمنعني” ص8 .

وقد لا تبدو حتى الآن أيّة يد للكاتبة بما قام بين (ظافر)، و(نجلا) من علاقة، وبما كابدته (نجلا) بعد الانفصال، إلا أنّ مؤامرة الكاتبة تكمن في بثّها (نجلا) عشقَها لـ حماه، ومؤامرتها هذه فطرية، فلطالما كانت هذه المدينة بطلة رواياتها، وسيّدة ما يخطّه قلمها.

إنّ (نجلا) التي تعمل في دائرة الآثار، لا انفصال لديها بين معالم المدينة القديمة التي  تحبّها وتحرص عليها،
وبين ستها (حياة)، وكلّ ما كان يصدر عنها من أفعال وكلام، وكلّ ما ترَكَتْ من أشياء، فقطعُ الفخار الأثرية -مثلاً- والمزيّنة برسوم ملوّنة، تشبه لون سجادة صلاتها.

وأسلوب الربط  هذا لاشعوريّ في روح (نجلا)، لأنه تلقائيّ في روح الكاتبة، وكثيراً ما يظهر في حواراتها مع (لينا) و(ظافر)، لكنه كثيف الحضور في مفكّرتها الألكترونية التي عنونتها باسم “حماه يا حبيبتي”، حيث كانت -على طول الرواية- تضيف إليها تعليقاتها التي غالباً ما جسّدت أفكارها ومشاعرها تجاه جمال حماه القديمة،
وحال المدينة اليوم، وذكرياتها مع ستها (حياة)، وتفاصيل علاقتها بـ (ظافر)، وطفولتها غير السويّة بسبب التمييز الذي كانت تمارسه والدتها، وتفضيل أختها الصغرى عليها. لكنْ، لا بدّ للقارئ أنْ يتساءل مراراً أثناء قراءته الرواية: “تُرى، ما هو هذا الصدر الذي يباغت (نجلا)، فيكبر ويحول بينها وبين متابعة حديثها؟”.. صحيحٌ أنها قد ورثته عن ستّها (حياة)، لكنّ الأمر معها يختلف عن كونه وراثة، فالقضية ليست قضية صدر كبير فحسب، إنما هي قضية صدر يكبر ويصغر.

و في الحقيقة، لقد أدّى دخول (نجلا) في علاقةٍ عاطفية مع ظافر إلى زيادة تضخّم صدرها، وقد أدركت هي هذا الأمر جيداً: “حين أفتح برنامجي الخاصّ، يجثم صدري فوق لوحة المفاتيح، وأنسى أصابعي وهي تنتقل تلقائياً بين الأزرار، فتصرخ رقبتي من الألم، وأبعد صدري منتبهة إلى جلوسي الطويل الذي ربما، كما تقول أمي، هو السبب في تكبير صدري. تقول هذا لأنها لا تعرف أنّ ابنتها التي تظنّها جدّية، أحبّت في الصيف الماضي رجلاً خدعها ومضى إلى أخريات”ص18.

وإذا ما تمّ التبحّر في قضية تضخّم صدر (نجلا)، سيتمّ الوقوع على فلسفة خاصة لها، فالكاتبة التي تحمل همّ المدينة في روحها، تبثّ شخصيتها (نجلا) هذا الهمّ بأسلوبٍ طريف لكنه مسوّغ. وما توظيف تضخّم صدر (نجلا)، بل وما قيام الرواية على هذه الفكرة، إلا لأنّ الكاتبة قد ترمز بالصدر المتضخم إلى حمل هموم المدينة. والأهمّ من هذا أنّ التضخّم ينقسم إلى نوعين: تضخّم فعليّ، وآخر وهميّ. فـ (نجلا) تعترف أنّ تضخم صدرها الفعلي تحوّل إلى عقدة باتت توهمها بتضخّمه الشديد، حتى أنّها كثيراً ما تُحسّ أنّ قميصها قد ضاق ويكاد يتمزّق: “تنامت عقدة صدري مع إخفاقي في تأمين فادي عريساً لي. تهيمن العقدة عليّ في أحيان، وتتراجع في أحيان أخرى، حسب رضا أمي عني، أو حسب فصول السنة وشمس الأيام” ص41.

وقد يتفهّم القارئ شخصيّةَ (نجلا) ومشكلتها، لكنها قد تفشل بأن تقنعه بها كإنسانة، إنما قد تقنعه كشخصية روائية، ربما لأنّها تحاول -على طول الرواية- أنْ تشرّعَ لنفسها حالةَ حبّ لا تمتّ للشرعية من قريب ولا من بعيد، حتى حين تحاول الخروج من حالتها تلك، تغوص في مزيد من المحرّم، فتحاول مثلاً أنْ تُشفى من حبّها اللاشرعي باختلاق حبّ لاشرعيّ آخر.

إنّ (منهل السراج) تحملُ نظرةً إصلاحية فيما تقدّمه، فلطالما تتكرر على لسان (نجلا) كلمات عن حماية حماه القديمة من خرابٍ مُحدِق: “سوف أنقذ ما تبقّى من حماه القديمة” ص42 ، “يهمّني إنقاذ المدينة من الخراب الذي يلحق بيوتها، أوشكت أن أقول ناسها، لكن في الحقيقة إنّ ما أهتمّ به هو بيوتها ونهرها وأشجارها ونواعيرها وذكرياتي مع ستّي حياة” ص 52 .

ولكن، ترى هل ينفصل ناس المدينة عن بيوتها؟ .. من الصعب هذا، فبيوتها بيوتهم، ولكنّ الكاتبة تريد تثبيت الأنظار على القضية الأهمّ بالنسبة إليها : (بيوت المدينة)، مع عدم إغفالها بالتأكيد لقضية مهمّة هي (ناسها)، فالخراب حتى يحلّ بالبيوت، لا بدّ له أوّلاً أن يحلّ بالناس، وبهذا، فهي تمتلك نظرة إصلاحية تجاه المجتمع ككلّ، لا تجاه المدينة (الشكل) فقط، إذ تبني عليه شخصياتها، وأحداثها، وهذا كافٍ لدفع القارئ للتأمل ملياً أثناء قراءتها، والنّظر إلى ما وراء كلّ شخصية.

وبالعموم، إنّ قراءة رواية واحدة من روايات (منهل السراج) الثلاث، تكفي أن يقول المرء: إنّ البطل فيها هو ((حماه))، لكنّ بطلاً آخر يقبع في روح الكاتبة، ولا يحتاج إلى كثيرٍ من النبش ليظهر هو (همّ المدينة)، لذا، لن نقع في المغالاة إذا قلنا: إنّ (منهل السراج) هي روائية المدينة بامتياز، وروائية حماه على الإطلاق.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق