قُم للمعلّم وَفّـهِ التبجيل….

رائحة العودة المدرسية تَعبُق في أيّامنا هذه بكتبها ودفاترها وأقلامها في جميع البيوت تقريبا… وهي حاضرة في محاورات النّاس ومجالسهم…
ويثير فينا هذا الموعد المتجدّد ذكريات يختلط فيها النجاح والإخفاق والخوف والسّعادة وبقايا صور لمقاعد الدّراسة ومعلّمينا بوداعتهم وصبرهم وغلظتهم وقسوتهم أحيانا، ويتولّد في نفوس البعض منّا حنين عجيب إلى ذلك الفضاء السّحريّ : المدرسة بفصولها وساحاتها وطقوسها، ويستحضر من التحق بالتعليم الجامعيّ من جملة ما يستحضر بدايات تشكّل الوعي النقابيّ والسّياسيّ ونضجه أحيانا بالانخراط في الشأن العامّ بأحلامه ورهاناته وخيباته،،

ومهما قيل عن كون المدرسة تمثّل جهازا من الأجهزة الايديولوجية للدولة بالمعنى الألتوسيريّ للكلمة حيث تكاد تنحصر وظيفتها في الرقابة والعقاب والتدجين الاجتماعيّ والثقافيّ والتحكّم في ضمائر النّاس ومصائرهم، فإنّها – رغم دعوة البعض إلى سقوطها وموتها- ظلّت جنّة ضائعة في وجدان البعض منّا. فهي المعبَرُ الذي لا غنًى عنه – بالنسبة إلى الكثير – لولوج عالم الشّغل ومعترك الحياة إذ أنّها كما يقال بلغة اليوم المصعد الضامن للترقية الاجتماعية. ثمّ إنّها-إلى جانب هذا-العينُ التي منها نَردُ القيمَ الكونية الأصيلة، والعينُ التي ننظر بها إلى العالم الرّحب بمُثُله وثراء تاريخه وتعدّد ثقافاته وأعراقه..

والحاصل إجمالا أنّ المدرسة بمكوّناتها ودورها وبالفاعلين فيها حاضرة في خطابنا بمجازات إيجابيّة غالبا يمكن اختزال أصولها الاستعارية في معاني “النور” و”الرّسالة ” و”الحياة” و”النجاح”…
ويصادف يوم 5 أكتوبر/ تشرين الأوّل اليوم العالميّ للمدرّسين وقد أقرّته منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) سنة 1994 تعزيزا للتوصية التي اعتمدتها سنة 1966 هذه المنظّمة بالاشتراك مع منظّمة العمل الدولية (OIT/TLO) بشأن وضعية مدرّسي التعليم الابتدائي والثانوي، ليُفرَدَ إثر ذلك قطاعُ التعليم العالي سنة 1997 بتوصية تُعنَى بقضاياه. وظلّّ هذا اليوم موعدا قارّا لتناول قضايا التربية والمربّين (ظروف ممارسة المهنة، التكوين المهني لرجال التربية، الحريات الأكاديميّة ..).

وبعيدا عن الجانب الاحتفالي الصّرف، نرى أنّ وضع التعليم في وطننا العربيّ وفي غيره، وبمختلف مستوياته، يحتاج إلى وقفة جادّة يشارك فيها – فضلا عن المؤسّسات الرسمية المعنيّة- أهل المهنة والمنظمات الأهلية والفاعلون في المجتمع المدنيّ لإرساء حوار فعليّ وتشاور استشرافيّ بخصوص واقع التعليم واستحقاقاته. فنحن نعيش اليوم منعرجا حاسما في تاريخ المدرسة، إذ تؤشّر شواهد كثيرة على وقوعها تحت سطوة اللّيبرالية الجديدة بعنوان الإصلاح الهيكلي وتأهيل مواقع إسداء المعرفة استجابة إلى رهانات عولمة فاقدة للوجه الإنساني تُطبَخُ وصفاتُها في دهاليز دوائر المال ذات الصّلة وفي مقدّمتها منظّمة التجارة العالمية والمؤسّسات المالية المتنفّذة المُسَطّرَة لسياسات الدول النامية وغيرها. ونذكر هنا تحديدا صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

وتنبّه الأرقام التي تروّجها أدبيات منظّمة التربية الدولية (E.I/I.E) إلى أنّه في ظلّ هذا التوصيات الإكرهية غدا بلوغ هدف “التعليم للجميع” سنة 2015 الذي تحلم به اليونسكو واليونسيف (صندوق الأمم المتّحدة الدولي لرعاية الطفولة) ومنظّمة التربية الدولية وغيرها صعبَ المنال. فالحلم بتعميم التعليم مع إقرار مجّانيته بالنسبة إلى الأطفال (وبالخصوص الفتيات) وأبناء المهاجرين والسكّان الأصليين والأقليّات العرقيّة والأطفال من ذوي الحاجيات الخصوصيّة أو الذين يعانون من صعوبات، أضحى بعيد المنال. والحلم بجعله لا يقتصر على التعليم الأساسي ليتجاوزه إلى التعليم الثانوي مع ضمان حيازة مؤهّلات ومهارات مهنيّة تقضي على انخراط الأطفال في سنّ مبكّرة في عالم الشغل وتوفّر معرفة نوعيّة، بدا سرابا يتحطّم على صخرة معطيات وأرقام مفزعة اليوم من ذلك:
– معدّل 20% من سكّان العالم يعانون من الأميّة بالمعنى التقليديّ للكلمة (زهاء 800 مليون أمّي من ضمنهم حوالي 63%  الإناث) وترتفع هذه النسبة إلى 50 % في البلدان الفقيرة.
– أكثر من 115 مليون طفل تتراوح أعمارهم من سنة إلى 6 سنوات لا يعرفون طريق المدرسة ومعنى الحرف.
– تُخَصّص أكثر من ثلثي الحكومات في العالم نسبة تقلّ عن 6% من الناتج الوطني الخام للإنفاق على التعليم.
وإذا تحدّثنا عن واقع الأميّة الرّقمية والتكنولوجية نجد أنّ حوالي 95% من سكّان العالم لم يستعملوا الانترنيت وأنّ 50 % تقريبا من أطفال العالم لا يتوفّر النور الكهربائي في بيوتهم، وأنّ 40 % من سكّان المعمورة لم يسمعوا رنّة هاتف قطّ.

ومع هذا ترتفع الأصوات الداعية إلى خصخصة التعليم. ومعنى هذا أن تتخلّى الدولة عن دورها التقليديّ باعتبارها ضامنة للخدمات الأساسيّة (التعليم والصحّة أساسا) والتفريط في هذه القطاعات الحيويّة والاستراتيجيّة لفائدة رأس المال لنعيش عصرا يسوده تعليم “بإيقاعين” أو كما يقال “بسرعتين” : تعليم عموميّ سيكون مُفَقّرا وعديم التجهيزات يشكو من نقائص البرمجة وهشاشة التشغيل وضعف التكوين وو.. يزاوله “أبناء الشعب” فلا أمل لهم إثر حصولهم على شهائدهم إلاّ في الانضمام إلى قائمة العاطلين والمُعَطَّلين عن العمل. ومن جهة أخرى تعليم خاصّ من المفارقة أن نجده مدعومًا من خزينة الدولة من خلال إعفائه من الضرائب، أو السّكوت عن تهرّبه من دفعها هذا فضلا عن المساعدات والتشجيعات ومدّه بخيرة المدرّسين الذين أنفقت عليهم الدولة من المال العمومي لتكوينهم. وهذا التعليم “المُدَلَّل” الذي يتوفّر على أحسن التجهيزات والمرافق سيقوم بـ “أعباء” تدريس أبناء النخبة الثريّة بمالها ممّن سيتخرّجون ليعزّزوا قائمة نخبة النخبة وليواصلوا مسيرة إدارة البلاد والعباد “بكلّ نخوة واعتزاز”.

وزد على هذا نسجّل إمعان منظّمة التجارة العالمية في تحريض الدول النامية والفقيرة على حدّ السّواء في سحب بنود الاتفاقية العامّة لتجارة الخدمات (AGCS)  على قطاع التعليم رغم اعتراض المعترضين المناوئين لهذا الخيار النيو-ليبرالي الحريص على جعل التربية والتعليم سلعة تُباع وتُشتَرى (نتحدّث عن سَلعَنة المعرفة) وعلى جعل مؤسسات التربية المرموقة تنتصب في هذه البلاد وغيرها تتجوّل حيثما شاءت بمباركة رسمية تعرض خدماتها وتملأ جيوب القائمين عليها. ولقد ربط تجّار المعرفة بكلّ صفاقة المدرسة بالسّوق وأغرقونا بحديثهم عن “التنافسية” و”التشغيلية” وبمنطق كمّيّ عماده زوج “المُدخَل والمُخرَج”، وجعلوا الهدف الرئيسيّ للتعليم الجامعيّ إكساب “الطلبة” مهارات مهنّية (نتحدّث كذلك عن المَهنَنَة) لا نرى أنّها في المرتبة الأولى من أولويّات الجامعة. ولا شكّ في أنّ نجاعة التعليم وجودته تكمنان في وجه مّا في أنّهما تيسّران دخول حاملي الشهادات إلى عالم الشغل. ولكنّ الجامعة الجامعة لا يمكن أن تكون في المقام الأوّل إلاّ معقلا للمعرفة الأصيلة نشرا وإنتاجا، والموقع الأنسب للبحث العلميّ وتعميم فوائده، والتعريف بما في رصيد الإنسانية من إنجازات ومكاسب. والجامعة االجامعة هي آخر الحصون العاملة على تعزيز قيم العقلانية والديموقراطية وحقوق الانسان وإقرار الاختلاف والتنوّع والاعتزاز بهويّة أصيلة ومنفتحة أي عارفة بجذورها ومحاورة للآخر في آن واحد بعيدا عن منطق التعصّب والانغلاق والإقصاء. وأنّى للمدارس الخاصّة والجامعات الحرّة أن تقوم بهذا الدور وهي التي أقصت- بمقتضى التخلّي عن مجانية التعليم-هدف تعميمه وإلزاميته، وتجاهلت أنّ هذا يساهم في تكافؤ الفرص بين الجنسين وبين مختلف الفئات الاجتماعية ويدعم فرص القضاء على البطالة والفقر. وأنّى للأنظمة الحاكمة هنا وهناك أن تدعم حجم الاستثمار في التعليم ليبلغ النسبة المنشودة 6% من الناتج الوطني الخامّ وهي الحريصة على الترفيع في التسلّح بمراكمة أسلحة “غير منافسة” سريعا ما يقع التخلّي عنها طوعا أو إكراها لاستبدالها بأخرى تُستَعمَل في الغالب في حروب خُسرت سلفا أو تُوَجَّه فوّهاتها لقمع أبنائها .. أنّى لها أن تستجيب لنداء المدير العام لليونسكو الدّاعي إلى خفض هذه النفقات البائسة بـ 4 % لفائدة التعليم والسكن في الدول النامية.

ليس من الصّدفة أنّ الخطاب النهضويّ حيثما دعا إليه المصلحون كان يرى أنّ قاعدة التقدّم والتنمية لا يمكن أن تكون إلاّ التعليم العصريّ المواكب لمتطلّبات اللحظة التاريخيّة التي نشأ فيها ذلك الخطاب، ثمّ إنّ “مستقبل الثقافة” أيّة ثقافة لا حديث عنه إلاّ بالاستثمار في العقول وتعميمه تعميما لا استثناء فيه ولا تمييز. ولنا في تاريخنا المعاصر علامات بارزة في وطننا العربيّ وخارجه على نجاح بذور التحديث في صلة بالتعليم رغم انعدام الموارد الطبيعيّة أو شحّها وقساوة  الطبيعة وقلّة ذات اليد.
نعم، إنّ السّؤال المركزيّ في تقديري المتواضع هو سؤال في هويّة المدرسة التي نحتاجها في ظلّ هذه المتغيّرات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي نعيشها، وهو سؤال في طبيعة وظيفتها ومنزلة القائمين عليها من أهل المهنة الذين ما فتئت أوضاعهم الماديّة تزداد سوءا وقيمتهم الرمزية تَتَضَعْضَعُ.

ليس الأمر موكولا إلى وصفات جاهزة مُسقطة لإصلاح تعليمنا ثمّ إصلاح إصلاحه، ولا نريد مجرّد مساحيق تغيّر دفّتي برامجنا بتعلّة حمايتها من تسريبات “الإرهاب” و”التطرّف” فنحذف هذا القسم ونضيف غيره، على نحو اعتباطيّ، إنّما المطلب الأكثر إلحاحا هو تشخيص حقيقيّ واستشارة عامّة بعيدا عن منطق الإجماع والتثمين والاجتماعات الصّوريّة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق