“الإخوان المسلمون” في السلطة “إمارة غزّة” نموذجا

“أيّها الإخوان؛ إنّ الأمّة الّتي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشّريفة، يهب لها اللّه الحياة العزيزة في الدّنيا والنّعيم في الآخرة. وما الوهم الّذي أذلّنا إلاّ حبّ الدنيا وكراهيّة الموت، فأعدّوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة.” “حسن البنّا”(مجموعة رسائل الإمام الشهيد؛ ص300؛ المكتبة التوفيقيّة، أمام الباب الأخضر-سيّدنا الحسين، القاهرة ، مصر).

 

بعد أكثر من نصف قرن على رحيله ها هي نبوءة “حسن البّنا” تتحقّق بامتياز. صرنا أمّة مدمنة على الموت، من المحيط إلى الخليج صناعة الموت في أوج عطائها. حرب ضروس تُشنّ على الحياة لاستئصال الجميل ووأد الحلم. شاشات الـتـلفزيون تنقل المأساة مباشرة؛ دماء، أشلاء بشريّة متناثرة، إعدامات في الساحات العامّة، رمي من فوق سطوح المباني، تنكيل بجثث الموتى، قطع الرؤوس أمام عدسات  الكاميرا، قتل على الهويّة، الموت يدخل إلى بيوت لله  ليقتل باسم الله  بل إنّ الموت طال حتّى جنائز الموت؛ كم من انتحاريّ فجّر”حزامه الناسف” في جنازة أو موكب عزاء؟

 

“شيوخ الموت”، أصحاب العمائم، متعدّدة الألوان، يمنحون” تذاكر الجنّة” للقاتل والمقتول فكلاهما شهيد، فمن منّا نسي صور طلائع كتائب الموت الّتي أرسلها “الإمام الخميني”، وهي تحمل مفاتيح الجنّة، للفتك بوحدات الجيش العراقيّ والدّفاع عن “الجمهوريّة الإسلاميّة” الفتيّة.

 

 أمام هذا الجنون العبثيّ الّذي نشاهده يوميّا نكاد نجزم أنّ “الشيطان” يكون واهما لو ظنّ انّه يستطيع أن يجعل الإنسان أكثر قبحا ممّا هوّ عليه.

 

وأنا أقتفي آثار الموت عبر مسالك العدم، أجد نفسي في “غزّة”، مدينة قديمة، قدم العالم، تحدّث عنها الفرعون “تحتمس الثالث” عاشق الزّهور والحروب في القرن الخامس عشر ق-م. ثمّ أخبرتنا عنها “ألواح تلّ العمارنة”، ملحمة غزّة تروى على إيقاع  سنابك خيول الفراعنة والبابليين، الإسكندر المقدوني  وبونابرت كلّهم من هنا عبروا لكنّهم لم يعمّروا فـ”غزّة” أرض لا تحسن ضيافة غزاتها مهما كان جبروتهم.
 كان “إسحاق رابين ” يتمنّى  أن يغمرها البحر. لكنّ قصّة العشق بين “غزّة” والمتوسّط” أكبر من أنّ تطالها أمنية “رابين”. رحل رابين  ولم يغمر البحر “غزّة” ولكن غمرها الظّلام، غزاة “غزّة” اليوم لم يركبوا البحر ولم يعبروا الحدود بل ولدوا من أحشائها فأضحت “إمارة إسلاميّة” غير معلنة، محكومة بالحديد والنّار من طرف “ميليشيات القوّة التنفيذيّة” التابعة لحركة “حماس”.  أهذا يا ترى الحلم الفلسطينيّ الّذي توارثته الأجيال ودفعت ثمنه آلاف الشهداء وملايين المشرّدين؟
فما هي جذور هذه الحركة وما هي أهمّ ملامح منظومتها الفكريّة والسياسيّة؟
للإجابة على هذا السؤال سوف أعتمد نصّين هامّين؛ الأوّل هوّ “ٍرسائل الإمام الشّهيد” وهو مجموعة نصوص “لحسن البنّا”، مؤسّس “حركة الإخوان المسلمون”؛ لأنّ علاقة “حماس” “بالإخوان”، فكرا وممارسة، هي علاقة الفرع بالأصل، الجزء بالكلّ . أمّا النصّ الثاني فهو” ميثاق “حركة حماس “الصّادر بتاريخ 18 أوت 1988 واّلذي يعتبر البوصلة الفكريّة والسياسيّة للحركة منذ تأسيسها.

 

فلئن تمّ الإعلان عن تأسيس “حماس” في  ديسمبر 1987، إلاّ أنّ نشأتها تعود إلى أربعينات القرن الماضي كامتداد” لحركة الإخوان المسلمين” وذلك تحت تسميات متعدّدة مثل “المرابطون على أرض الإسراء” و”حركة الكفاح الإسلامي” وغيرها ففي المادّة الثانية من ميثاق الحركة(الّذي يحمل في ديباجته المقولة الشّهيرة “لحسن البنّا”( ستقوم إسرائيل وستظل قائمة إلى أن يبطلها الإسلام كما أبطل ما قبلها) نجد بوضوح  “حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين… .”

 

لقد عملت ” حركة حماس ” منذ تأسيسها، وبدعم من دول “البترودولار”، على إنهاء المشروع الوطني الفلسطيني بالصّيغة الّتي بدأت مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة، ليستبدل، بآخر إسلاميّ، حيث ورد في المادّة الحادية عشرة من الباب الثّالث ما يلي”  تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أنّ أرض فلسطين أرض وقف إسلاميّ على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصحّ التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها، ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية، ولا يملك ذلك ملك أو رئيس، أو كل الملوك والرؤساء، ولا تملك ذلك منظمة أو كل المنظمات سواء كانت فلسطينية أو عربية، لأنّ فلسطين أرض وقف إسلاميّ على الأجيال الإسلامية إلى يوم القيامة.

 

هذا حكمها في الشريعة الإسلامية، ومثلها في ذلك مثل كل أرض فتحها المسلمون عنوة، حيث وقفها المسلمون زمن الفتح على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة. وكان ذلك أن قادة الجيوش الإسلامية، بعد أن تم لهم فتح الشام والعراق قد أرسلوا لخليفة المسلمين عمر بن الخطاب يستشيرونه بشأن الأرض المفتوحة، هل يقسمونها على الجند، أم يبقونها لأصحابها، أم ماذا؟ وبعد مشاورات ومداولات بين خليفة المسلمين عمر بن الخطاب وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، استقر قرارهم أن تبقى الأرض بأيدي أصحابها ينتفعون بها وبخيراتها، أمّا رقبة الأرض، أمّا نفس الأرض فوقف على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، وامتلاك أصحابها امتلاك منفعة فقط، وهذا الوقف باقٍ ما بقيت السماوات والأرض، وأيّ تصرف مخالف لشريعة الإسلام هذه بالنسبة لفلسطين، فهو تصرفٌ باطل مردود على أصحابه.
﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليَقِين فسبِّح باسْمِ رَبِّك العَظِيم﴾ (الواقعة: 95 – 96).

 

 استهدف مشروع “حماس”خصوصا و”الإخوان” عموما، تغيير ملامح القضيّة الفلسطينية وذلك عبر طمس بعدها الإنساني والكوني و الّذي كان قد جعل منها قبلة لكلّ عشّاق الحريّة في العالم،  فمعركة “حماس” الأولى هي معركة الذّاكرة الفلسطينية، فلا بدّ من كنس تاريخ “الحركات العلمانيّة” الّتي لم تتطهّر بنور الإيمان. منذ الانتفاضة الثانية فرضت “حماس” نفسها كبديل  على حركة “فتح”، ثنائيّة “فتح” و”حماس”  أدّت إلى تهميش القوى اليساريّة في الخارطة السياسيّة الفلسطينية، فهذا زمن غير زمن “وديع حّداد” و”كوزو أوكو موتو ” و”ليلى خالد” و”جورج حبش” وغيرهم. لا بدّ من تربية النشء على أنّ  المقاومة إسلاميّة أو لا تكون وكلّ من خالفها فهو خائن وعميل وأنّ”حماس” بلغت أعلى درجات السموّ السّياسي وقادتها، الّذين تحاك حولهم الأساطير، يقعون في منزلة بين البشر والملائكة.

 

بتصويتهم لحركة” حماس” ظنّ الفلسطينيون أنّهم سوف يضعون حدّا لحالة الانفلات الأمني، والفساد المالي من رشوة ومحسوبيّة، واستغلال النفوذ من بعض عناصر”فتح”. هذا إلى جانب حالة القهر والغبن والإحباط التي يشعر بها الفلسطينيون جرّاء حرب الإبادة المنهجية الّتي يمارسها عليهم الاحتلال الإسرائيلي وذلك على مرأى ومسمع من  العالم بأسره. لا أحد شكّك في نزاهة الاقتراع ولا في فوز حركة “حماس” المدوّي، فوزا فاجأ الفائزين أنفسهم وجعل خصومهم السياسيين في وضع لا يحسدون عليه، هكذا تقاطعت أحلام أغلبيّة الفلسطينيين مع طموحات “حماس” في الاستيلاء على السلطة.

 

  لكن بمجرّد حصولها على السّلطة انقلبت”حماس” على كلّ التزاماتها وبقدرة قادر تحوّل المعارض “الديمقراطيّ” بالأمس إلى حاكم مستبدّ اليوم. صندوق الاقتراع الفلسطينيّ أنجب “غول فرانكشتاين” الّذي التهمه واضعا حدّا لأحلام الفلسطينيين في التخلّص من لعنة الطّغاة العرب. أثبتت لنا تجربة “حماس” مرّة أخرى أنّ الديمقراطيّة ليست فقط ما تلفظ به صناديق الاقتراع، فلحظة صندوق الاقتراع هيّ لحظة ولادة بالنسبة للديمقراطيّة، والولادة هي بداية الحياة ولكنها ليست الحياة كلّها، فمن السّهل القبول بالديمقراطيّة شكلا ولكنّ من الصّعب جدّا الإيمان بقيمها مثل التعدديّة، المساواة والحريّة ومن الأصعب مواصلة اعتناقها أمام غواية كرسيّ الحكم.
 أدّت الاشتباكات بين “حماس” و”فتح” إلى سقوط مئات الضحايا. ونقلت شاشات التلفزيون بربريّة وهمجيّة “ميليشيات حماس” وهي ترتكب جرائم مروّعة ضدّ خصومها من “فتح” على وقع التكبيرات والتهليلات الدّينيّة، لم يعد الاقتتال الفلسطينيّ- الفلسطينيّ خطاّ أحمرا لا يجب تجاوزه، فالتراشق بالرّصاص حلّ محلّ “التنابز بالألقاب”، الذّاكرة الفلسطينية سوف تحفظ، وإلى الأبد، صورة المقاتل الفلسطيني الفارّ تحت وابل رصاص رفاقه في السّلاح نحو معسكر جيش العدوّ. تحوّلت” كتائب القسّام” الجناح العسكريّ لـ”حماس”  بعد إعلانها عن هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل (وليست التعلاّت تنقص من قبيل؛ استراحة المقاتل، إعادة ترتيب البيت، الانحناء حتّى مرور العاصفة…)   إلى قوّات مكافحة الشّغب وشرطة” آداب” تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر باستعمال الهراوات.  والقمع والتّقتيل ليس من نصيب “فتح” وبقيّة فصائل منظّمة التّحرير فحسب بل طال حتّى “حركة الجهاد الإسلامي” التوأم الإيديولوجي “لحماس” وذلك على خلفيّة احتكار حمل السّلاح. في حين جُرّمت “فتح” ونُعتت بالعمالة والخيانة حينما طرحت الفكرة ذاتها سابقا.
مارست”حركة حماس”بدهاء كبير ما يسمّى “بالتقيّة الفكريّة والسياسيّة” فتبنّت فكرة الديمقراطيّة الّتي كانت تعتبرها في الأمس القريب كفرا وقبلت باستتباعات “أوسلو” بأن شاركت في الانتخابات والتزمت بمبدأ التداول السلميّ على السّلطة عبر صناديق الاقتراع، رغم أنّ ميثاقها ينصّ في الماّدة الثالث عشرة من الباب الثالث على “تعارض المبادرات، وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية، فالتفريط في أي جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين، فوطنية حركة المقاومة الإسلامية جزء من دينها، على ذلك تربّى أفرادها، ولرفع راية الله فوق وطنهم يجاهدون.”

 

إنّ ما وقع في “غزّة” أبعد من أن يكون مجرّد حادث عرضيّ أو  تقدير خاطئ  من طرف قيادة “حماس” بل هوّ جوهر مشروعها الفكريّ والسياسيّ.” فحماس” كما أسلفنا القول هيّ مشتقّ من مشتقّات تنظيم “الإخوان المسلمون”، الّذي أسّسه “حسن البنّا” بمصر في عشرينات القرن الماضي،  والمتأمّل في تاريخ هذا  التنظيم  يلاحظ أنّ خطّه السياسيّ  يتراوح بين شعارين حسب موازين القوى؛ فعندما تكون موازين القوى لصالحه يرفع شعار” السّيف والمصحف” ولا يتوانى لحظة واحدة عن اللّجوء للعنف للاستيلاء على السّلطة. أمّا إذا كانت موازين القوى في غير صالحه فإنّه يرفض مبدأ المعارضة أساسا ويقول” بالمناصحة “لأنّه يؤمن بواجب طاعة وليّ الأمر لا معارضته. لذلك فإنّ موقف “الإخوان” من الدّيمقراطيّة والتداول السّلميّ على الحكم موقف مرتاب وذلك في وفاء تامّ  لأفكار المؤسّس “حسن البنّا” الّذي يعلن بوضوح عداءه للتعدديّة الحزبيّة ويطرح بديلا سياسيّا شموليّا قائما على أسلمة الفضاء السياسيّ والإدارة حيث يقول في (مجموعة رسائل الإمام الشهيد ، في باب “نحو النّور” ص88).

 

الناحية السياسيّة والقضائية والإداريّة؛
– القضاء على الحزبيّة و توجيه قوى الأمّة السياسيّة في  وجهة واحدة وصفّ واحد. وفي نفس هذا  الإطار يقول السيّد البنّا في الصفحتين 255،254؛ لقد انعقد الإجماع على أنّ الأحزاب المصريّة هيّ سيّئة هذا الوطن الكبرى، وهي أساس الفساد الاجتماعيّ الّذي نصطلي بناره الآن(…)و إذا كان  الأمر كذلك، فلا ندري ما الّذي يفرض على هذا الشعب الطيّب المجاهد المناضل الكريم هذه الشّيع والطوائف من النّاس الّتي تسمّي نفسها الأحزاب السياسيّة؟ إنّ الأمر جدّ خطير، ولقد حاول المصلحون أن يصلوا إلى وحدة ولو مؤقّتة لمواجهة هذه الظّروف العصيبة الّتي تجتازها البلاد، فيئسوا وأخفقوا. ولم يعد الأمر يحتمل أنصاف الحلول، ولا مناص من بعد الآن من أن تحلّ الأحزاب جميعا، وتجمع قوى الأمّة في حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريّتها، ويضع أصول الإصلاح الداخليّ العام، ثمّ ترسم الحوادث بعد ذلك للنّاس طرائق في التنظيم في ظلّ الوحدة اّلتي يفرضها الإسلام.
– إصلاح القانون حتّى يتّفق مع التشريع الإسلامي في كلّ فروعه.
– تقوية الجيش والإكثار من فرق الشباب وإلهاب حماستها على أسس من الجهاد الإسلامي.
– مراقبة سلوك الموظّفين الشخصي وعدم الفصل بين الناحية الشخصيّة والناحية العمليّة.
– أن توزن كلّ أعمال الحكومة بميزان الأحكام والتعاليم الإسلاميّة، فتكون نظم الحفلات والدعوات والاجتماعات الرسميّة والسجون والمستشفيات بحيث لا تصطدم بتعاليم الإسلام، وتكون الدوريات في الأعمال على تقسيم لا يتضارب مع أوقات الصلاة.

 

تلك هيّ ملامح “الجمهوريّة الإسلاميّة الفاضلة” الّتي يسعى ” الإخوان المسلمون” إلى تأسيسها على أنقاض “حكم الطواغيت”، إنّها الأحاديّة المطلقة على النّمط الفاشيّ.
لم تقدّر، قيادة “حركة حماس” حقّ التقدير الثمن الّذي دفعه “ياسر عرفات” للحفاظ على استقلالية القرار الفلسطينيّ، “عرفات” قبّل أيادي كلّ الطّغاة العرب اتّقاء لشرّهم وكان كلّما حلّ ضيفا على أحدهم منحه لقبا. اليوم، بعد رحيله، بات الشأن الفلسطيني رهن مصالح قوى إقليميّة تحاول “حماس” كسب ودّها للخروج من عزلتها.
فسوريّة “الأسد” تبحث عن جيش تحرير بالوكالة لاستعادة “الجولان” ونظام الملالي الشّوفيني في “إيران” الّذي يقمع” العرب في الأهواز” ويدعمهم في “غزّة” يعمل على تحسين شروط التفاوض مع الغرب من أجل امتلاكه “القنبلة النوويّة” وتمهيد الطريق أمام بناء مشروع “الهلال الشّيعيّ”. وعلاقة “حماس” أساسا و”الإخوان المسلمين” عموما” بنظام الملالي” علاقة انتهازيّة صرف  “فخالد مشعل” يقول أنّ حركته هيّ الإبنة الرّوحيّة” لثورة “الخميني”( هذا الأخير الّذي يعتبر أنّه لا يعبد إله أبي بكر وعمر وأنّ فاطمة  كائن إلاهيّ ظهر على هيئة امرأة ويرمي” أمّ المؤمنين عائشة” بالإفك )في حين أنّ مفتي “حماس” (وكيل  وزارة أوقافها السّابق) “صالح الرّقب” يكفّر “الشّيعة” بوضوح في مؤلّفيه؛ “الوشيعة في كشف ضلالات وشنائع الشّيعة” و”الشّيعة الإثنا عشريّة (كفريات-ضلالات-بدع)” أمّا الدولةالقناة (قطر) فهي تحاول افتكاك دور الرّيادة من “آل سعود” في كلّ ما يتعلّق بالقضايا العربيّة والإسلاميّة رغم أنّها تستضيف أكبر قاعدة عسكريّة أمريكيّة في المنطقة وتقيم علاقات مع “إسرائيل”.(قناة الجزيرة تقع في دائرة نفوذ “الدّاعية القرضاوي” الّذي يقيم ” ميثاقا” مع أمير قطر على شاكلة “عهد نجد” الّذي أقامه “محمّد بن عبد الوهّاب” و”محمّد ابن سعود” في منتصف القرن الثامن عشر؛ فللشيخ أمور الدّين وللأمير أمور السياسة. لذلك نلاحظ هيمنة تيّار إخواني- قومجي على الخطّ السياسيّ والفكريّ للقناة) ، أمّا” مصر حسني مبارك” فمستعدّة لكلّ التنازلات حتّى على لقب “أمّ الدنيا” من أجل ضمان عمليّة التوريث الجمهوريّ.

 

في كلّ خطبة، ومن أعلى منبر الجمعة، يذكّرنا السيّد هنيّة، رئيس الوزراء والإمام، (كما يقتضيه عرف الإمارة) أنّ أسلمة المجتمع الفلسطينيّ هيّ من أولى أولوياته، معتبرا أنّ الله يقف إلى جانبه وأنّ أمريكا تقف إلى جانب خصومه. ونوّه “خالد مشعل” «بانتصار الإسلام» في” معركة غزّة”. بل إنّ وكيل وزارة الأوقاف السّابق (صالح الرّقب) ذهب إلى حدّ القول انهّ بعد “غزّة” ستفتح  “الضفّة الغربيّة” كما فتح الرّسول “مكّة”. فتوظيف الدّين للتعبئة السياسيّة والعسكريّة مكوّن أساسي لإيديولوجيا “حماس” لذلك وجب العمل على تسريع “أسلمة” المجتمع فلا مجال في المكتبات إلّا” للكتب الصفراء”ولا بدّ من تلجيم المثقّف الفلسطينيّ الحرّ فهو الحامل لجرثومة التغريب ووباء السّؤال.

 

لقد أصدر وزير التربية والتعليم العالي في حكومة “حماس”، السنة الفارطة، قرارا يقضي بجمع وإتلاف كتاب “قول يا طير”  للكاتبين “شريف كنعانة” و”إبراهيم مهوّي”  والّذي يضمّ حكايات جميلة من التراث الشّعبيّ الفلسطينيّ وذلك بتهمة احتوائه على “تعابير جنسيّة تخدش الحياء”. صدر الكتاب أوّلا باللغة الإنجليزية، سنة 1989، ثم بالفرنسية في سنة 1997، وترجم إلى الّلغة العربية سنة 2001، وهو يضمّ خمساً وأربعين حكاية، تم اختيارها من مائتي حكاية روى معظمها نساء. “محكمة التفتيش” بدأت بالباحثين “شريف كنعانة”و”إبراهيم مهوّي” ولا أحد سواها يعرف من  “الضحيّة” المقبلة. قد يكون “غسّان كنفاني” أو “فدوى طوقان” أو “إميل حبيبي” لكن لسائل أن يسأل متى سيأتي الدور على “درويش” خاصّة بعد قصيدته الأخيرة”، قبل رحيله، “أنت منذ الآن غيرك” الّتي تساءل فيها؛
هل كان علينا أن نسقط من عُلُوّ شاهق، ونرى دمنا على أيدينا…لندرك أنّنا لسنا ملائكة…كما كنّا نظنّ؟
وهل كان أيضا أن نكشف عوراتنا أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء؟
كم كذبنا حين قلنا؛ نحن استثناء !..
.. لولا الحياء والظلام، لزرتُ غزّة، دون أن أعرف الطريق إلى بيت أبي سفيان الجديد، ولا اسم النبيّ الجديد!
ولولا أنّ محمداً هو خاتم الأنبياء، لصار لكل عصابةٍ نبيّ، ولكل صحابيّ مشيا!
أعجبنا حزيران في ذكراه الأربعين: إن لم نجد مَنْ يهزمنا ثانيةً هزمنا أنفسنا بأيدينا لئلا ننسى!……
فدرويش الّذي قدّم لكونيّة قضيّة شعبه أكثر من كلّ فصائلها مجتمعة سلاحه حروف الأبجديّة الثمانية والعشرون وظلّ المتنبّي، هل تَصْلَى دواوينه نارا ذات لهب؟
وكذلك في مجال الموسيقى فقد أعدّت “حماس” ألبوماتها الغنائيّة الخاصّة  وانتشرت ظاهرة “الفيديو كليب الإسلاميّ” وأريد هنا أن أقاسمكم، هذه الإضافة النوعيّة في “علم الجماليات”، الواردة في المادّة التاسعة عشر من الباب الثالث من ميثاق “حركة حماس” تحت عنوان” دور الفن الإسلاميّ في معركة التحرير” للفنّ ضوابط ومقاييس، بها يمكن أن يُعرف هل هو فنّ إسلامي أم جاهليّ؟ وقضايا التحرير الإسلامية بحاجة إلى الفنّ الإسلاميّ الذي يسمو بالروح ولا يغلّب جانبًا في الإنسان على جانب آخر، ولكن يسمو بجميع الجوانب في توازن وانسجام. والإنسان تكوين عجيب غريب من قبضة الطين ونفخة الروح، والفن الإسلاميّ يخاطب الإنسان على هذا الأساس، والفن الجاهليّ يخاطب الجسد ويغلّب جانب الطين. فالكتاب، والمقالة، والنشرة، والموعظة، والرسالة، والزجل، والقصيدة الشعرية، والأنشودة، والمسرحية وغير ذلك، إذا توافرت فيه خصائص الفنّ الإسلاميّ، فهو من لوازم التعبئة الفكرية، والغذاء المتجدّد لمواصلة المسيرة، والترويح عن النفس، فالطريق طويل والعناء كثير، والنفوس تمل، والفنّ الإسلاميّ يجدّد النشاط، ويبعث الحركة، ويثير في النفس المعاني الرفيعة والتدبير السليم.
لا يصلح النفس إن كانت مدبرة   إلاَ التنقل من حالٍ إلى حال
كل ذلك جِد لا هزل معــــه  فالأمة المجاهدة لا تعرف الهزل”.

 

لا أدري وفق هذا “القالب الإستيتيقي الإسلامي” كيف نصنّف لوحة “غرنيكا” “لبيكاسو”  أو لوحة “أصل العالم”  لغوستاف كوربيه ؟ وهل يحلّ لنا الاستمتاع  بسيمفونيات “بتهوفن” وصوت أم كلثوم أم لا؟ وهل يحقّ لنا أن نهدي دواوين نزار قبّاني لحبيباتنا أم لا وهل أنّ “الدّبكة” الفلسطينية رجس من عمل الشيطان أم لا ؟
إنّ ” أسلمة المجتمع، في تصوّر “الإخوان المسلمين” حلقة هامّة وضروريّة تسبق الانقضاض على نظام الحكم لتصل أوجها بعد ذلك عندما تصبح “إيديولوجية الدّولة”. كتب “السيّد البنّا”، في (مجموعة رسائل الإمام الشهيد، في باب “نحو النّور” ص89 ) ما يلي في ما يخصّ؛

 

الناحية الإجتماعيّة والعلميّة؛
– مقاومة التبرّج والخلاعة وإرشاد السيّدات إلى ما يجب أن يكون، والتشديد في ذلك بخاصّة على المدرّسات والتلميذات والطّبيبات والطالبات ومن في حكمهنّ.
– إعادة النّظر في مناهج تعليم البنات ووجوب التفريق بينها وبين مناهج تعليم الصبيان في كثير من مراحل التعليم.
– منع الاختلاط بين الطلبة والطالبات، واعتبار خلوة أيّ رجل بإمرأة لا تحلّ له جريمة يؤاخذان بها.
– إغلاق الصالات والمراقص الخليعة وتحريم الرقص وما إلى ذلك.
– مراقبة دور التمثيل وأفلام السينما والتشديد في اختيار الروايات والأشرطة.
– حسن اختيار ما يذاع على الأمّة من المحاضرات والأغاني والموضوعات واستخدام محطّة الإذاعة في تربية وطنيّة خلقيّة فاضلة.
– مصادرة الروايات المثيرة والكتب المشكّكة المفسدة والصحف الّتي تعمل على إشاعة الفجور وتستغلّ الشهوات استغلالا فاحشا.
– توجيه الصّحافة توجيها صالحا وتشجيع المؤلّفين والكاتبين على طرق الموضوعات الإسلاميّة.
– اعتبار دعوة الحسبة ومؤاخذة من يثبت عليه مخالفة شيء من تعاليم الإسلام أو الاعتداء عليه كالإفطار في رمضان وترك الصّلاة عمدا أو سبّ الدّين وأمثال هذه الشِؤون.

 

تعيش  مجتمعاتنا، اليوم، حالة تغوّل للمقدّس الدّينيّ، من خلال هيمنته على الفضاء العام. حيث نتج عن حالة “مكروفيزياء اللاهوت هذه ” سلطة مطلقة “للكهنوت الدّيني” على وجدان النّاس. فتحوّل “السّجود” والابتهال من المساجد إلى ملاعب كرة القدم كشكل من أشكال الفرح بالتتويج. وأصبحت مناسك “العمرة” و”الحجّ” الهواية المفضّلة  لنجوم الطّرب والسينما لنيل “صكوك الغفران”. وأضحى”العفاف” يباع ويشترى في سوق الأقمشة. إنّ هيمنة سلطة الرّمز منحت لأصحاب العمائم” اليد الطولى فحلّت فتاويهم محلّ القوانين وأصبحنا في أوطاننا نعيش تحت وطأة “دكتاتوريّة مزدوجة” فمن جهة دكتاتوريّة الأنظمة الحاكمة وأداة تنفيذها جهاز البوليس ومن جهة أخرى “دكتاتوريّة الشّارع” وأداة تنفيذها جيش جرّار من  “الدهماء” يقوده الشيوخ والدّعاة، وكأنّه كتب علينا الاختيار بين “الطّاعون” و”الكوليرا”. حتّى أنّ البعض، يأسا وإحباطا، أضحى يرى في “ديمقراطيّة الثكنات” قارب النجاة الوحيد قبل أن يستيقظ متأخّرا من الكابوس الموريتانيّ.
لقد تنصّل “الاحتلال الإسرائيليّ” دائما  من قرارات “المجتمع الدّولي”  بتعلّة غياب “الشريك الفلسطيني المسؤول” الّذي يمكن إقامة السّلام معه، اليوم “حماس” بعد انقلاب “غزّة” منحته آلاف الحجج لذلك،  فهو المستفيد الأوّل والأخير من الاقتتال  الفلسطينيّ –الفلسطينيّ. بعد عقود من النّضال من أجل إقامة دولتهم يجد الفلسطينيون أنفسهم في مطلع القرن الحادي والعشرين بحكومتين وصفر دولة، “عبّاس” في “رام الّله” يتسوّل رواتب موظّفيه من المساعدات الدوليّة و”هنيّة” في “غزّة” يقترح “وجبة الزيتون والزّعتر” لملايين الأفواه الجائعة الّذين لم يبق لهم سوى “رغيف الخبز” الّذي تقدّمه لهم “الأونوروا”.
فأيّ مستقبل للقضيّة الفلسطينية، لدى المحافل الدوليّة والمؤسّسات الحقوقيّة والإنسانيّة وأنصارها في العالم بأسره من مثقّفين وفنّانين وغيرهم،  في ظلّ قيادة “حماس “الّتي ورد في المادّة الثانية والعشرين من ميثاقها؛ ( أنّ “اليهود” كانوا وراء تفجير الثورات في العالم خدمة لمصالحهم؛ فهم من وراء الثّورة الفرنسيّة والثورة الشيوعيّة… وهم من أشعل فتيل الحرب العالميّة الأولى للقضاء على “دولة الخلافة الإسلاميّة”… والحصول على “وعد بلفور…” وأنشؤوا “عصبة الأمم المتحدة” ليحكموا العالم من خلالها. وهم من وراء الحرب العالميّة الثانية… حيث جنوا الأرباح الطّائلة من تجارتهم في مواد الحرب… ومهّدوا لإقامة دولتهم… وأوعزوا بتكوين “هيئة الأمم المتّحدّة” و”مجلس الأمن”). فهل هذا خطاب عقلاء؟

 

 أمّا ما ورد في المادّة السابعة من ميثاق” الحركة” فحدّث ولا حرج “حركة المقاومة الإسلامية تتطلع إلى تحقيق وعد الله مهما طال الزمن، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ” (رواه البخاري ومسلم).

 

هكذا سوف يترك” اليهود”، أمام” زحف جيش حماس”، طائراتهم ودبّابتهم وصواريخهم الحاملة لرؤوس نوويّة و”أرضهم الموعودة”  ليختبئوا وراء شجر الغرقد (يهوديّ الدّيانة). الغريب أنّ المشعوذين يردّدون على مسامع النّاس البسطاء أنّ “اليهود” يكثرون، هذه الأيّام، من زراعة شجرهم هذا، استعدادا للمعركة الكبرى والحاسمة ضدّ المسلمين، مع العلم أنّ هذا “الحديث” يدرّس لطلبة العلم بـ”المملكة العربيّة السّعوديّة” في “منهج التوحيد”، اللهمّ زدنا علما.
إنّ مثل هذا الخطاب الغبيّ منح للفكر الصهيونيّ أسلحة إيديولوجيّة ناجعة فأصبح العرب “معادين للساميّة” وهم “ساميون”، والفلسطينيون “إرهابيين” وهم أصحاب الأرض المغتصبة.

 

بعض الإسلاميين وعملا بمبدأ “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما” يبرّرون جرائم بن لادن وبربريّة “حركة طالبان” وهمجيّة قطّاع الطرق بالجزائر ويشرّعون ما تقوم به حماس.
لقد وصف الوجه الإسلامي التّونسيّ المعروف “راشد الغنّوشي”  انتصار حركة “حماس” في الانتخابات الأخيرة على أنّه انتصار”الأيادي المتوضّئة” فما رأيه اليوم وهذه الأيادي نفسها تتوضأ  بالدّماء الفلسطينية أمام عدسات الكاميرا؟ وهل أنّ القائمة الطويلة للشهداء الذين سقطوا تحت راية “حماس” تمنحها مشروعية العبث بالشأن الفلسطينيّ؟ وهل أنّ زبيبة الصّلاة والّلحية المضمّخة بالحنّاء يكفيان لولوج ملكوت القدّسيين؟

 

إنّ مأساتنا في عالمنا العربيّ أنّ البدائل المطروحة لأنظمة الاستبداد هي بدائل شموليّة معادية للدّيمقراطيّة وكأنّه كتب على شعوبنا العضويّة الدّائمة في نادي الدكتاتوريات ولست متشائما إن قلت أنّ الأمل في مجيء “غودو” “صامويل بيكيت” أكثر من مجيء الديمقراطية، من خلال هؤلاء. لقد حالت “المكابرة الإيديولوجيّة ” وثقافة التحريم والتقديس دون مصالحة هذه “الأنساق المغلقة” مع الفكر النقدي، والممارسة الدّيمقراطيّة.

 

اليوم الصّراع على أشدّه، في فلسطين وخارجها، بين “إرادة الحياة” و”الموت العبثيّ”، بين ظلمة الخرافة ونور العقل وشعوبنا الّتي دفعت، ولا زالت، الثمن غاليا من أجل حريتها عليها أن تعي أنّ   الحريّة هيّ المسافة الفاصلة بين الأرض والسّماء لذلك وجب عليها إعادة ترسيم الحدود بينهما حتّى لا يختلط الحابل بالنابل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق