احتراق الشورى..

لا شك أنّ احتراق مبنى أثريّ عتيق بما فيه من ملفّات، العتيق منها والجديد، مؤسف لكل مواطن مصريّ وعربيّ غيور على تاريخ المجالس.. ولا شكّ أيضا أنّ مجلس الشورى الذي صار رمادا قد طرح لدى الرأي العام المصريّ والعربيّ عدّة أسئلة.. أكثرها تطرّفا هو سؤال: ماذا لو دخلت مصر أو أيّ دولة عربية في حرب، لا سمح الله، مع إسرائيل. فهل أعددنا الماء الكافي والرغوة البيضاء لمجابهة نيران هذا العدوّ؟ أمّا أقلّ الأسئلة تطرّفا فهو: ماذا لو شبّ الحريق، لا سمح الله، في حيّ سكنيّ فقير أو في جامعة القاهرة؟ فهل ستتواصل عملية الإطفاء تسع ساعات.. فمن المؤكّد أنّ الحيّ لن يأخذ من النار أكثر من ساعة ليأكل كلّ شيء حيّ ولا يرث من نجا سوى الرماد..

هذه الأسئلة “شأن داخليّ مصريّ” ولا أريد التطرّق إليها ولن يشفع لي لساني العربيّ وتقاسمي الهمّ مع الإخوان المصريين هذا التطفّل لدى من يزعجه المتطفلون. لذلك اخترت أن أزحزح المشهد الحزين إلى ساحة لا يدرك حزنها إلا من يدرك أنّ احتراق العقول أخطر من احتراق الجدران.. لذلك اخترت أن أجني بعضا من التداعيات الرمزية في ذهني عن هذا الحريق الكارثيّ الذي لا نتمنّاه طبعا لأيّ مجلس مهما يكن موقفنا من سياسة المجالس.. لأنّه في نهاية الأمر سُيبنى من الضرائب والإتاوات المفروضة على المواطن العربيّ..

أظنّ أنّ الشورى قد احترقت منذ قرون أو بالأحرى لم تكن سوى بنيانٍ ذهنيٍّ حالمٍ وبلاغةٍ لغويةٍ ساذجةٍ.. فلْنَغُصْ في هذا المفهوم الذي احتوته الجدران وأخيرا أحرقته النّيران.. فقد أسّس العقل السياسيّ العربيّ مفهوم الشورى معتمدا على كلمات قرآنية ونبوية تفيد معنى التشاور.. فقد سميت سورة كريمة في القرآن باسم الشورى ووردت آيات تفيد معنى التشاور من قبيل الآية الكريمة “وأمرهم شورى بينهم “(الشورى 38) أو “..وشاورهم في الأمر” (آل عمران 159).. والسياق القرآنيّ لمعنى التشاور يحيل على تقاليد سياسية قديمة. وقد تمّ التعبير عن معنى التشاور بألفاظ مختلفة من قبيل ما ورد في الآية 43من سورة يوسف “يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ”.. أو على لسان بلقيس في الآية 32 من سورة النمل “قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ”.. فإذا كان الفراعنة يستشيرون فهل حكامنا يستشيرون.. ؟؟؟

هذا التقليد السياسيّ البشريّ في أصله كان تقليدا قبليا أيضا عند العرب بل هو جزء من البنية الاجتماعية في المجتمع القبليّ. وكلّ الحضارات عرفت هذه الممارسة. ولكن هل ارتقت هذه الممارسة إلى مستوى النظرية في الفضاء العربيّ مثلا مثلما تأسّست نظرية الديمقراطية عند اليونان؟ حينما نقول “مِثل” لا نقصد التماثل النظريّ في بنية النظرية وإنما نعني الممارسة التنظيرية النابعة من مرجعيات التنظير في كلّ مجتمع. ولسنا هنا بصدد المقارنة بين نظرية الديمقراطية ونظرية الشورى ولكن فقط نريد أن نقول ملاحظة مهمّة تساعدنا على قراءة رمزيات احتراق الشورى وبنائها في مصر واحتراق النظرية في الممارسة السياسية العربية. هذه الملاحظة مفادها أنّ الشورى العربية نشأت في مجتمع بدويّ قبليّ أمّا الديمقراطية فهي وليدة مجتمع المدينة وما تحيل عليه من مؤسّسات. فماذا يعني هذا؟

بقطع النظر عن السياقات التي تنزّلت فيها الآيات وما ورد في أسباب النزول من ارتباط بعض آيات الشورى بالسياق الحربيّ. ولسنا بصدد البحث عن أدلّة من التراث عن استشارة الرسول والخلفاء بأنواعهم ـ راشدين وجائرين ـ لأصحابهم. ولكن نريد أن نمرّ بإيجاز شديد على تأسّس نظرية الشورى. طبعا اتفق الفقهاء والخلفاء على مبدأ الشورى بحكم المرجعية الدينية التي أسلفنا والعرف الموجود. ولكنهم اختلفوا في الآليات وفي الحيثيات. فمن يستشار؟ في الواقع لم يختلفوا أيضا.. فقالوا أهل الحلّ والعقد. وهنا بيت القصيد. من يحدّد أهل الحلّ والعقد..؟

قُتل الخليفة عمر بن الخطاب وترك الأمر قبل أن يموت في ستة رجال وابنه عبد الله يرجح في حالة التساوي. وانتهى الأمر بعملية حسابية وقبلية وسياسية واقتصادية في صفّ عثمان. فصار خليفة. وكانت تلك أوّل عملية استشارية مرتبطة بهرم السلطة في التاريخ الإسلاميّ. لأنّ ما حدث من قبل في السقيفة واختيار أبي بكر كان مختلفا ولم يحضر فيه مفهوم التشاور بل حضر مفهوم التقاسم والتفاوض والتحالف. المهمّ صار عثمان خليفة وبايعه الناس. والملاحظ أنّ الناس في تاريخنا لا يعرفون إلا المبايعة ليكتمل مشهد الشورى. وحينما قُتل عثمان اضطرّ الناس إلى مبايعة عليّ بن أبي طالب ولم يستشرهم أحد.

من يستشير؟ ومن يستشار؟ ومتى يستشار المستشار؟ وكي نجيب سريعا ونأتي التحليل من أواخره والتاريخ من شواهده نقول من يستشير هو الفرد ومن يستشار هم أفراد ومتى يستشار المستشار مرهون بهوى الفرد وإرغامات الأفراد. هكذا يبدو تاريخنا السياسيّ باختصار وإليكم التفاصيل.

أهل الحلّ والعقد في تاريخنا السياسيّ لم يخرجوا من ثلاث طبقات أو قل ثلاث فئات تحوم في فلك المجتمع السياسيّ هم: تارة الفقهاء وتارة الوجهاء والتجار وطورا أهل الحرب والقادة العسكريون وأحيانا هؤلاء معا. و”عينك ميزانك” أي عين الحاكم ترجح من يستشير حسب رجوح كفة الميزان فإن كان للفقهاء صوت كانوا محلّ الشورى مثلما فعل خلفاء بني العباس أيام اشتداد الاقتتال المذهبيّ وقتل المخالف بحجّة الزندقة واستصدار الفتوى من الفقيه. وإن كان العهد حربا شعواء ضدّ الحكم كان العسكر في المقدّمة مثلما فعل بنو أمية وهم يؤسّسون عرشهم على الجماجم ويستشيرون أصحاب السيف كالحجّاج وقبله زياد. وأحيانا أو قل غالبا يكون أصحاب المال والوجاهة والمصالح ذوي شأن، فيدفعون أموالهم لكي يستشاروا. ألم يتوثّب رجال أعمال مصر كرما وشهامة لإعادة بناء مجلس الشورى وهم أعضاء فيه يبنونه ثم يستشارون.

فنظرية الشورى لم تخرج من قيود العقل القبليّ الذي يقسّم الناس إلى وجهاء ومحاربين وشيوخ. وقد تجسّد هذا الوعي في معادل تشريعيّ وهو مفهوم الإجماع الفقهيّ الذي يعني في النهاية إجماع نخبة من الأمة على تقرير مصير الأمة. لم نسمع في التاريخ العربيّ الإسلاميّ حديثا عن الناس إلا وهم يبايعون ويقرّون ما تقرّر. لم يُستشر “الشعب” في يوم من الأيام. وهذا منطقيّ بحكم اللحظة التاريخية ودرجة الوعي وتراكم التجارب السياسية. فقد نعذر القدامى لأنهم لم يستشيروا شعوبهم بحكم الظروف الموضوعية ومحدودية الفلسفة السياسية التي عليها يستندون. ولكن لماذا استمرّ مفهوم الشورى وآلياتها على نفس النحو إلى اليوم والشعب يبايع ولا يستشار.؟ طبعا هذا السؤال يحيل على مجموعة من الأسئلة المتشعّبة والمتشابكة التي انطلقت منذ عهد النهضة ولم تهدأ إلى الآن بل ربما كثير منها صار ممنوعا. فمجالس الشورى أو ما يسمّى في بعض البلاد المجالس الاستشارية في العالم العربيّ اليوم جلّها بالتعيين. يعيّن الحاكم المقاعد أو يشترى الأعضاء المقاعد بثمن سياسيّ أو ماديّ أحيانا بالدولار وأحيانا بالعملة المحلّية. أولئك هم أهل الحلّ والعقد.
سؤال : مقاول بناء أو تاجر غنم أو حتى تاجر سيارات مرسيدس حديثة .. ماذا يفعلون في مجلس الشورى ؟؟ ليحرقوا الشورى ثم يبنوا مجلسا جديدا كي يُستشاروا ؟؟ ربّما ؟؟

احترق الشورى لأنّه هرِم وشاخت نظريته فلما انقدحت نار بسيطة أشعلت سقفه. فبانت السماء أوسع وأرحب من مجلس الشورى وبدت حقيقة القاهرة بدون سقف الشورى جلية. بدت عوراتها وقبحها ومواضع جمالها وشعبها اللذيذ في أفواه المستشارين.. لقد بقي أعضاء مجلس الشورى يتامى بلا مكان ولا زمان لا محلّ لهم في الإعراب السياسيّ.. فلم يعد لديهم حلّ ولا عقد. يكفي العُقد التي عقدوها والحلول التي اقترحوها لحلّ الأزمات. وفي الحقيقة هم أزمة الأزمات. التجأ هؤلاء مؤقّتا إلى مجلس النواب الذي يرمز للديمقراطية أي إلى عقلية أخرى ومرجعية مختلفة إلى ما يفترض أن يكون إنجاز المدينة لا إنجاز القبيلة. وطبعا سيفسح لهم مجلس النواب ليدخلوا ويختلطوا بالنواب المنتخبين (أو المفترض أنهم منتخبون).

ماذا سيحدث إذن.. ما سيحدث حدث منذ تأسّست ما يسمّى بالدول الوطنية الحديثة وأكرّر الحديثة. تأسّست على مؤسّسات سياسية وثورية وإسلامية وسلفية رياضية وغنائية وفضائية وأمريكية وفرنسية واشتراكية وقمعية لائكية.. وكلّ مؤسسة تنتهي بـ”ليّة” (اللية :الإلية: هي مؤخّرة الخروف).. لقد تمت بَدْونة (من البدو) المدينة حينما سيلتحق أهل الشورى أو أهل الحلّ والعقد بمجلس النواب وبنوّابه الدّيمقراطيين جدا. هجمت القبيلة على المدينة. والشورى على الديمقراطية. وهذا حدث منذ زمن بعيد. قبل أن تحترق الشورى.

قال أحد الفلاسفة السياسيين الألمان في القرن التاسع عشر مشخّصا أنظمة الحكم الملكيّ المتهرئة إنّ هذه الأنظمة لا حلّ لها فرفع شعار “دعه يتعفّن”.. فهل إنّ الشورى في مصر والعالم العربي احترقت لأنها تعفنت ؟ أم أنه حينما احترق مجلس الشورى اكتشفنا أنه لم تكن هناك شورى وأنّ ملفات الشورى قد احترقت إلى الأبد والرماد الذي نراه ما هو إلا رماد قميص عثمان بن عفان. ألم يجب مطالبيه بالتخلّي عن الخلافة بقوله “إنما هذا الأمر سربال سربلنيه الله” ألم يقل معاوية فيما بعد “إنما أنا حبل من حبال الله يمدّه الله متى يشاء ويقطعه متى يشاء”.. إنه رماد نظرية بائسة أسّست على القرآن زورا. لتشرّع لحكم عضود سواء كان خليفة مسلمين أو ملكا أو جمهورية. كلهم ملوك ولكنهم لا يستشيرون إلا أهل الحلّ والعقد. وأهل الحلّ والعقد ليست لديهم من عقدة إلا الوصول إلى مجلس الشورى لأنه الحلّ لمشاكلهم المادية والسياسية فتنحلّ أيديهم من عقالها في الناس.

والذين أسسوا “شوراهم” على القرآن ليشرّعوا الحكم الملكيّ بشتّى وجوهه، لم ينتبهوا إلى أنّ الملوك لم يذكروا بخير في القرآن الكريم. والملاحظ للسياقات القرآنية يرى أنّ القرآن غير مرتاح للملوك الملوك..وذلك معنى من المعاني الإنسانية الخالدة في هذا النصّ العظيم وهي كراهية الظلم. ففي الآية 79 من سورة الكهف “وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً” ثم في سورة النمل “إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34النمل). وحتى الحديث النبويّ “سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل..” فاستعمل كلمة إمام ولم يستعمل كلمة ملك. وهنا ليس المقصود الإمام بالمفهوم الشيعيّ فالفكر السياسيّ الشيعيّ أيضا لم يخرج عن التنظير إلى نوع من الملكية مقدسة يتوارثها الأئمة بدعوى العصمة.

احترق الشورى فتهاوت رموز واحترقت أخرى ولكن انبعثت من خلف الرماد رمزيات كثيرة لمجتمع بأسره يحترق. الشورى والناس والجمال والحبّ والشعر.. ومن نكد الدنيا أن يخطف الدكتاتور من شعبه كلّ الكلمات الراقية ويعجنها بريقه ويرفسها تحت قدميه ثم يقولها في خطاب. الشورى الديمقراطية حقوق الإنسان، الثقافة، الحرية، الدولة… حتى الشعر والشعراء.. ألم يحزن الحكّام العرب على درويش وتبنّوه كشاعر لهم ومنهم وهو الذي قال في مجموعته حصار لمدائح البحر “أرى فيما أرى… دولا تُوزَّعُ كالهدايا”….

-*حسن مرزوقي: باحث تونسي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق