اللعنة !

تلك كلمة تترسّخ في الذهن فلا تبرحه؛ إنها كإيحاء إشراقيّ يغمرك فيتلف حاجتك لنفي معناها؛ كلمة تقال على قارعة ما فتسكنك بهاجس مبهم كأنما هي تختصر معنى الوجود. نعم، قد أفهم تهافت هذا القول، لكني مع ذلك أؤمن بفتنة التصوّر الاختزاليّ وهو يمارس الفكر في فضاء العيش؛ لا تسلسلات المعرفة، لا ترابطات الدليل، لا منطق الصدق، فقط مجرّد كلمة تبرحك لتكون عنوانا تأويليا لكلّ محنة الحياة.

المهمّ، بلا تعالم دعيّ، تناهت الكلمة إليّ فتلحّفتني في جنون اللقاء، وارتسمت عندي كمقدمة ضرورية بشرت بمعان متعددة وغريبة جدا. في البداية تلبّسني الشكّ من إلحاح الكلمة، لكن سرعان ما عدت إلى يقيني؛ فالكلمة صواب مطلق. صدقني، المسألة صارت الحين منتهية عندي وهي تسطع بصحّتها. إنّ هذه الكلمة العابثة استطاعت أن تدلّني إلى طريق سويّ، وإلى أشياء تتقشع عن الظهور؛ لقد استطاعت أن تفكّك العمق لتستدلّ على ما خلف اطمئنان هذا المرئيّ.

اللعنة : كلمة تحتسب كلّ متاهة الضيم، وتمزّق الستر السميك لعالم كارثيّ.

في النهاية، أليست اللعنة هي الحقيقة الصريحة الوحيدة التي يمكن أن يتعقّلها ذهني الخبل ؟ ها أني أسلك طريقي المعتاد بنفس الكلمات الطيبة المهذبة، وها أني أحتبس في مشاكلي بنفس الروح المستكينة، فما الذي تحقق لي. ساعة واحدة أمام مشهد الموت على تلفازي الملون تكفي لتعلن قذارتي الصامتة، أشعر معها ببؤس الخنوع.

الجميع اتهمني، قالوا: ” لقد كنت سيدا في هيكل القدَّسِ، واتخذت مسارا إلى الرؤيا الموقرة، فما بالك الآن ترزح في جحيم العيش الهزيل، أما كان من الأفضل لك لو غادرت هذه التربة إلى مشهد آخر أكثر فحولة ؟ ”

كنت لا أجيب، وأعلم جيدا أني سوف لن أجيب؛ لأني بالفعل أشعر بأني سجين هذه القذارة. قد يتملكني اجتهاد الردّ الرصين فأحدث نفسي بكلمات مرائية عن الحياة في فضاء الذات الصاخبة، عن الفعل المحايث لرزم الآلام، لكنني كلما صرحت بهرائي ذاك إلّا وابتلعت لساني المجنون؛ هي ترهات، ترهات فحسب…

ما الذي تفعله يا هذا، لم أنت هنا؟ لم أنت في هذا الوجود؟ أتفهم حيرتك في استبيان المعاني ؟ إذا انفجر، أطلق تلك الكلمات الجارحة على هذه الكيانات الفاجرة. حدثها بفحش عن نزق صمتها، عن احتيال القناع وهو يطمس الضحكات الطفولية التي تسكن ذاكرتك النجسة. كان لابدّ لك من النطق لكنك دائما تجفل، أتعرف لماذا؟ لأنك استسلاميّ بامتياز، نعجة من نعاج الربّ الخرافيّ. سجين في مستنقع الأشياء العديمة. بمعانيك الوقحة ترزح في جنون الصبر. قد يتملكك السأم أمام هذا الركام من العناء الصارخ في بريّة القسوة، وأنت تستطلع في بلادة البلاهة كيف يمكن أن تشقّ الزمن بلا حنق اليأس. كأنك على عتبات هذا الرجم تشهد موتك، ينتهي تنفسك، لا تجد هواء نقيا تستقبله رئتاك الفاجرتان. تشعر باللعنة تخترقك، تكتشف عوالمك بروحانية الهراء، بزخم التملك الكلي.

أشهد أشلاء تتمزق على شاشة تتملق الصمت. تعلو محيّاي ابتسامة ماكرة.

قالت العجوز: مساكين، غشيهم الدمار فانهاروا شتاتا.

قلت بنغم العرفان: أنت لا تفهمين، الحقول التي اصطنعوها هي التي بعثرتهم.

–أتعني أنهم يستحقون هذا؟

–نعم، بالفعل

حسنا، كان عليّ أن أحدد لها السياق الذي لا يجعل من هذا الدمار جرما؛ يعني المزيد من البحث في وثائق الانتماء الرصين عن حقّ الفعل الشنيع. فحتى وإن فشلت في إقناع العجوز ببشاعة صور التهلكة المقدسة – وهذا، لأنها تجهل حيثيات واقعنا الروحاني الأليم – سيكون عليّ واجب تفسير توزيع الأشياء على تربتنا المتأصلة؛ لأنها تقدم لنا سيل أعذار كافية لقتل الكفرة، بل و تقدم أسبابا وجيهة لجّز رقبة أيّ زنديق أرعن.

نعم، نعم، نعم…

اممممم، القتل….

القتل: !!!…

ولما عليّ أن أحتمل رجس هذا الفعل الخائب ؟

لا أعرف تحديدا الإجابة، سيستلزم الأمر تحررا ما و أنا كما عهدت نفسي سجينا داخل هذا المتاع القديم. أجثم في غبن الضياع داخل هذا النجس الرجيم، أتكفل بالصمت على عتبات الصور المكتملة لأشياء القذارة تلك. اللغو الأبله حول آية الاقتدار والشهادة وألفاظ العته الموغلة في طهارة النفاق، مازال عليّ الفرار الأبدي من اهتياج انفعلات الذات.

الموت: ساحة علوية لكائنات الغباء، ترشق العجز بوهم العلوّ.

من أنا ؟

حالة الانفصال عن ترسبات صفتي تشدني بإغراء، لا أرى هبوبا إلى ثورة الحلم بغير انهزاميّ. قد أكون ضياعا، لكنني أختصر المسافات إلى الحياة.

سأقطع نميمتي المقدسة، وأرسل آياتي إلى الخلاص.

أعجز عن الفكاك من قبح الصمت، وأكبل كل حين في مدى السوءة. أكره تشعبي الساذج، وتساقط صور النهايات على مخيلتي المريضة، أشعر أني أنسلّ عن الجميع، أعتكف بالفرار. لا أرى حولي غير رعب الزمن يستنفد طاقة استكانتي، تنتابني قسوة وداع الخشية. أسمع صراخي يهزّ عمقي، أنسف اعتياد السنن.

ما بعد القنوط : سَوْرَة صياح

صيحة:

بين الصحارى يسكن الموت، يمزق الأجساد في احتفاليّة الرحمة. القادمون في وقار التأله يعبرون إلى الأرض بختم الوعد؛ فلديهم أوراقا قديمة تحمل كلمات ثائرة، لكن بلا معنى يسكتون النبض. غريب أن تتوسط بهجة الفكرة و أنت تغتالها. الآهات المتلفظة من هاوية الدم تعذبني، لا أحتمل أن أكون في مداري الشقي.

صيحة:

على مشارف البهت يسكن الأرض البور حكماء الغدر، يرددون بأبهة القحط طقس الغبن، ويرشدون الألم إلى السفالة. يرتجفون بحرقة النفاق أمام الخسران؛ ليختلقوا وحيا للفظاعة. لا تحاول أن تتلبس سأمهم، لا تحاول أن تتهدج بعبارتهم، لا تحاول أن تفهم وصاياهم؛ لأنك لن تولد حينئذ إلّا على تربة المقت لفيض الخلق.

آآآآآآآه….

سأعتمر كفري لأتلف انكسار هزيمتي.

صيحة:

ختنتم هوس نقصانكم على قبر أنثى التخفي/ كفكفتم شقاء ذبولكم بإعدام نسوة الرفض/

ومتعتم ذكوركم في خناء الحرث/ وئدتم فجور البوح/ أسدلتم عليه تماتم الخسف/ وتبرّكتم بخفّة ستر الحلم عن الضياء…

فهل أغفلتم انتقام النورس على مشارف النطق الفاسق؟ أم هل تفتق رعب سفور الحلم عن بلاهة إشراق العدم ؟ أم تراكم تصطنعون صروحا أخرى تحتوي بهاء القمر؟

يا شيوخي، تهبّ كواعب الجنان صاخبات لتدكّ دروب اغتصاب العشق؛ ولتنسخ المآل.

صيحة:

أَخرج من أقبيتك المحروسة بؤس العويل؛ فأنت الراعي، وأنت السياط، وأنت العلاء. سنبقى خرافك بلا همس المروق، سنكون طيرا مزركشا ينطق بظرف كلمات الولاء القديمة، سنرقص بترنح على جنبات طريق حجّك، سنتألم خلف أطيافنا بعيدا عن حدود الأوطان؛ فأنت الربّ، وأنت العقاب، وأنت السماء. حين كنّا في مخاض وداع، كنت أنت الحقّ، وبات بريقك يلف غيبتنا. حدثهم كيف عذبت غيلان الفتنة، كيف قتلت في حناجرهم خواطر التلبيس، ثمّ حدثهم كيف كنت دائما ( كالإله ) الأوّل والأخير…

عندما غادرت الزمن على حافة الضآلة، تشبثت بباب كهف؛ أبحث عن هداية بلا صراط المتعبدين. سكنت برهة كهفي دون أن تغادرني لعنتي، فشحذت فأسي وانهلت على الجدار الكلسيّ أحفر فيه. كنت أعرف أنّي بسعي الحثيث إلى غمار العمق أعجل ميقات سقوطي، لكنني كنت حبيسا؛ واشتقت إلى سلاااااااااااااام…

نزق الحيرة يسكنني بلؤم الخضوع

بلا آهات تنفضّ جراحي الغابرة لترسم ظلالي

ومنبتي الحين سؤال شغوف داخل هذه المتاهة…

من أنا ؟ أين أنا ؟…

كيف لي الخروج من قوقعتي الضائعة ؟…

أسكن وحدتي ببهجة النفور عن ثقلي، أنسلّ بحمقي التائه عن هراء الانتماء. أحاول في اغتراب التكاسل الانتفاء؛ أن لا أكون؛ أو قد أكون مجرّد لحظة سؤال في فوضى الخلق. كسرت عوالمي وانتهجت الاعتزال؛ ففي هذا المدار الغامض عطب ما سيجعلني إنسان بلا أشيائي القذرة، سأكون كطفل في تيه السؤال الأول.

لا أحتاج أن ألقب الأسماء بأسمائها، أحتاج إلى الحلم الصامت.

أترك المشهد لأختلق حقبة الموت؛ حقبة صفاء اللاشيء. أتعرف ؟ ليس هذا بيان انتحار، بل هو مقام تفسّخ؛ يحذف عني الرجم بحفرية العزلة؛ فما عدت أهتم الحين إلّا لضياعي.

ينهار كهفي على ضوء شعلة الردّة.

أخطّ وهمي كتاب فرار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This