عندما تنحر الأنثى قبل نضجها

 
 
أحيانا يصلنا من القصف الخبريّ اللحظويّ أخبار غزيرة منها ما يغادرنا على الفور ومنه ما يصعقنا لما ينطوي عليه من عنصر مباغتة صاعقة بحقّ. من هذه الأخبار الصاعقة ما أثير حول قيام الباحثة السعودية د. سهيلة زين العابدين حمّاد عضو لجنة الدراسات والاستشارات بالجمعية الوطنية لحقوق الإنسان لمناقشة قضية زواج نبيّ الإسلام من عائشة في سنّ التاسعة، رغم تضارب الروايات في شأن عمرها الحقيقيّ يوم زواجها بالنبيّ. لكنّ العقل العربيّ الذي وصفه المفكّر المغربيّ محمد عابد الجابري وهو محقّ للغاية، بأنه عقل تراكميّ،  سرعان ما يتعوّد وهو في طور نشأته لدى الفرد على تقبّل النقل دون تصدّ لمصداقيته انطلاقا من مفهوم خاطئ يمنح كلّ نقل عن قديم قدسية كما لو أنه تنزيل لا كلام بشر. ومن هذا النقل معطيات الفتاوى الجديدة التي تصدر عن كل من هبّ ودبّ، ممّن لا يحتكم  في الأغلب على اشتراطات الإفتاء، فضلا على ما يخزنه هذا العقل من أخبار متضاربة حول قصص ما نزال نتداولها وكنا سمعناها ونحن صغار وغالبا ما لا يطرأ على الخبر رغم فرق السنوات بين زمن السماع وأزمنة التداول أيّ تحوير، بل كلما تكرر تداولها رسخت في أذهاننا وافترشت لها أرضية يقينية وهمية.

نعود بعد هذا التوصيف للعقل العربيّ التراكميّ إلى محاولة  الباحثة السعودية د. سهيلة زين العابدين حمّاد التي تثير عبر تقصّيها الراهن لحقيقة عمر عائشة الذي تهدف منه إلى إثبات بطلان القول والترويج لفكرة زواجها في سنّ التاسعة، انتصارا لكرامة المرأة العربية ولقدسية وجوب نضجها قبل الزواج لئلا يتّخذ من الرواية الخاطئة القائلة بزواج عائشة في سن التاسعة مسوغا للمسنين من الأثرياء أو الأقوياء باستضعاف شرائح مهمة من المجتمع العربيّ واغتصاب زهراته قبل اكتمال نضجها بعقد زواج غالبا ما يكون عرفيا. وإذا سألتهم لماذا العرفيّ، يماطلونك بالقول إنّ العرفي هو الأدقّ والأقوم وفق الشريعة كما لو أنّ الزواج المدنيّ، القائم على اشتراطات الزواج الشرعيّ من إشهار وتخيير للفتاة، لا شرعية له كونه ينطلق تحت نظام علمانيّ.

ورغم عدم توصل الباحثة إلى نتيجة فصل في هذا الموضوع، فإنها، ورغم ما يثار من لغط  ضدّها، تعد بالمضي قدما لاثبات خلاف هذا الرواية ولإثبات أنّ عائشة كانت في سنّ بلوغ لا سيما بوجود رواية أخرى تقول إنّ زواجها كان وهي بعمر التاسعة عشرة، استنادا إلى توالي الأحداث والوقائع التاريخية.

ومن غير المستغرب أن يهدد المؤرخة والباحثة السعودية وهي تنحو هذا المنحى وتناشد  وزير العدل السعودي في ضوئه للحيلولة دون السماح بالموافقة على زيجات تكون فيها أعمار الفتيات بعمر عائشة في الرواية المشكوك في دقتها وصحتها، من غير المستغرب أن يهددها وكل من يؤيد خطوتها اللاحقة طوفان أصوليّ رجعيّ يركن للمنقول ويقدّسه دون لحظة تمحيص في حقيقته. ونحن حتى إذا سلمنا بأنّ للأنبياء استثناءات ليست لنا قد تقتضيها مصلحة الدين، والشأن المفترض هنا قرار الزواج من صبايا لم يبلغن الطمث، أقول حتى لو سلمنا بهذا- وهو برأيي أيضا غير وارد- يبقى سواد الناس خارج هذه الاستثناءات لسبب بسيط هو أنهم أولا ليسوا بأنبياء، وثانيا لأنهم ليسوا مكلفين بنشر رسالة الدين على نحو يستلزم وقوع ذلك الاستثناء في دائرة مسموحاتهم.

ما يستوجب التصدي لهذه الظاهرة هو كثرة ما نسمع ونرى من حالات تزويج فتيات بعمر التاسعة أو حتى الثامنة تحت مسوّغ اتباع سنّة، وهنا تحضرني مقولة لامرأة مسنة من معارفنا العائلية تقول وهي تربّت على أكتاف بنات الجيران قائلة: (خذوهن في الثمان وعليَّ الضمان!) ثم تسري مقولتها في نفوس الخلق عندنا كما لو أنّ ذلك الكلام صادر عن نبيّ. وعلى الطرف الآخر ثمة تفاؤل يعترينا ويبعدنا عن الرضوخ لمقولات شاذّة كهذه وإن كانت في الواقع تكتسب التعميم، إذ تعلمنا من عدد من المتنوّرين من مؤرّخين ورواة من فطنتهم المبكرة ما يشجعنا على التشكيك دون وخز من ضمير بكل حديث لنتبين الصحيح عن الكثير المنحول وإن حاز هذا الأخير على إجماع. على أن الحقيقة تستوجب هنا عدم حصر هذه الظاهرة الخطيرة بالمجتمعات الإسلامية، فنحن نقرأ الكثير عنها في مجتمعات وطوائف كما هي الحال في الهند مثلا حيث تزوج الفتيات في سن اصغر بكثير مما هي الحال عندنا. والآن لنا أن نسمح لأنفسنا وأذهاننا تصور نوع العلاقة التي تقوم بين طفلة تحبّ اللعب أمام عتبة منزلها بأحجارها الخمسة أو رسم ما تنتجه مخيلتها البريئة من عالم زاه بعود مهمل فوق الأرض لتزخرف به سطح تراب خطواتها الناعمة على قطيفة عمرها. كيف يعقل عاقل أن يقبل رجل بالغ، اكمتلت أعضاؤه كلها وجاوز الحلم بسنوات طوال حتى تراءت عروقه النافرة، المنتفخة بكبت سنيه العجاف، كيف يقبل أن يواري خجل أوردته الأزرق تحت أغطية رأس مبكر وإحكام تغليف ما بين فخذيه كي لا تطير الحرية من نقطة ولادتها فتخطئ وجهتها الصحيحة.

ترى هل سيشفع لفتاتنا، حتى لو تمكّنت هذه الباحثة من إثبات صحّة ادعائها، ان تتمتّع ببعض من هدنة في تأجيل نحرها المقبل. ربما، إن سُنَّ قانون في ضوء ما ستتوصل إليه الباحثة، فإن السواد الآدمي سيتنازل للفتاة الصغيرة عن سنة او سنتين بالكثير ثم يعاود الالتفاف على الحالة بشيء من التحايل، ولن تكون المحاكم المدنية الفيصل في هذا الأمر، كما سبق أن قلنا، طالما أن هناك من يجيز زواجات المتعة المسيار والمصياف، ومنهم من خرج علينا بإباحة المساكنة فضلا على الزواج العرفيّ المقنّن والمعروف في الكثير من مجتمعاتنا بزواج الشيخ، والطريف ان البعض لا يعترف بعقد قران قاضي المحكمة المدنية كما سبق القول تحت مسوّغ ضرورة توثيق الزواج في شكله الإسلاميّ المحكم عند اقرب شيخ او إمام مسجد! والحقيقة ورغم كل ما أسوق من حقائق معيشة في المجتمعات المنطلقة من قبلية، لي أن أقيس هنا على مجريات الأمور في المجتمع الذي أعيش بين أحضانه واقعيا للابتعاد عن الافتراضات والاقتراب من جوهر الحقيقة، فأقول إنني لم أشاهد حتى الآن على نحو ملموس حالة مشابهة للظاهرة قيد البحث في مجتمعي رغم  وجود حالات وقعت فعليا سمعت عنها من ثقاة بزواج فتيات بعمر التاسعة، وربما تزداد هذه حالات رغم عدم معرفتي بها أو وقوعي على صحتها، لكنني في المقابل أجزم أنني من خلال تواجدي مدة ثلاث سنوات في منطقة قبلية- بحكم عملي- تحكمها أعراف وتقاليد لا صلة لها بالدين، أقول أجزم أنني رأيت أمامي أمهات في عمر الثالثة عشرة وفي الثانية عشرة، يتمتعن بشيء من وقاحة حياتية، إن جاز التعبير، وهذه الوقاحة تتبدى من خلال افتعالهن حركات تدلّ على غنج وإثارة مصطنعتين لا يمكن بأيّ حال أن تكونا نابعتين من تكوين نفسيّ يناسبها، بل تبدو حركات خارج سياقها الطبيعيّ التلقائيّ، ترى كيف عاشت أولئك الفتيات طفولتهن؟ ومتى عشنها؟ وهل يمكن لفتاة طفلة أن تتحوّل إلى امرأة  في غضون شهور؟!.

يبقى يثير الاستغراب هذا (التواصل؟) الجسديّ والفكريّ بين كائنين يفترض أن يكونا متكافئين في نواح بعينها في الأقل، ولا ينفي هذا حقيقة المراهق الذي يمرّ في تجربة زواج مبكر مباشرة بعد احتلامه الأول، وهو زواج يقوم لا عن قناعة بمفهوم ناضج للزواج وإنما يكون ردّ فعل لثورة يكوّنها داخله وضع نفسيّ متوتر يقوم على اشتهاء الأشياء من حوله، وفي مقدّمتها النساء، وهذه الظاهرة أيضا موجودة في تكتلات قبلية، وممارستها واقعة، وإن لم تحظ وقد لا تحظى إلى حين بالاعتراف في مجتمعاتنا العربية القائمة أصلا على القبلية والتهويمات العرفية .

 

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق