الدرجة صفر للجسد

كان الجسد ولا يزال، سواء في واقعيته أم في تعاليه، محور الفنون. كان معايشة يومية. وتدرَّجَ في الخضوع إلى رياء مزدوج: سواء عندما يُستر أم عندما يُعرَّى. فهو يستر رياءً عندما تستره كل المؤسسات، ويُكشف رياء أيضا عندما تكشفه الكتابة “قصدًا”، فتسقط في دائرة ردّ الفعل؛ إعادة إنتاج الجسد.

     *   *   *

     إذا كانت الفنون معنية حقا بإنتاج المعنى الجماليّ، حتى للجسد، فلن تكون معنية حتما باستدعاء الجسد باعتباره مجموعة أعضاء (تصعب إعادة تنسيقها بعد بعثرتها) وبوصفه بعض وظائف فيزيولوجية. تماما كما أنها – أي تلك الفنون– ليست معنية بنقل الواقع كما هو – أي كما يخيّل إلينا أنه كذلك – أو بتقديمه باعتبارها انعكاسًا له. بهذا المعنى يمكن الحديث عن واقعية فجّة للجسد، ناجمة عن الاستلاب، تماما كما يجري الحديث عن واقعية في الفن. وبهذا المعنى أيضًا يمكن الحديث عن اتّجار “فنّيّ” بالجسد في سائر الفنون الحديثة، تماما كما يقع الحديث عن اتجار بالجسد كأقدم مهنة في التاريخ. لكن في الدرجة الصفر للاتجار. وإلا… أليست هذه التجارة، منظورا إليها من زاوية فنية جمالية انتهاكية، منتجة للمعنى بدورها (شخصية المومس الفاضلة مثلا).

  

     *   *   *

     يتدرج الفن، في التعامل مع الجسد، من التعرية الجزئية والمتدرجة (استعراض العري) إلى الإثارة الإيروسية، وصولا إلى الإباحية (البورنو)… والحال أنّ دور الفن يكمن في التحويل، وفي إنتاج المعنى الجمالي حتى وإن انطلق من كل تلك الدرجات واستوعبها. والمعنى الجماليّ في هذا السياق يتدرج بدوره، ضمن مقولات جمالية مختلفة، ومتقابلة، من “سافو” إلى “المركيز دي ساد”، ومن جمالية القسوة إلى جمالية القبح.

   

     *   *   *

     ولكن، ما المقصود بإنتاج المعنى الجماليّ؟

     في ما يخصّ الجسد، هو ما يبقى من الجسد في الكتابة، في الرسم، وفي الفنون الأخرى، بعد تعريته، وبعد تزاوج جسدين. وإلا كان من الأفضل لكل من الكاتب والرسام والآخرين، أن يتلذذ وحده، بالجسد الذي يعريه وبالأعضاء التي يعددها، كفخ للمراهق، بكل أصنافه وأعماره، عندما يتعلق الأمر بتذوق الفن، وذلك بعيدا عن الادعاء بأنه ينتهك محرّمًا اجتماعيا، يتجاوزه الواقع الليلي(ألف ليلة وليلة!) انتهاكا، وتفوقه نصيحة “إن عصيتم فاستتروا” خيالا!

   

     *   *   *

     في الرغبة يكون الجسد موضوعًا. وأول ما يتبادر إلى الذهن أن جسد المرأة هو الموضوع. لذلك عليه أن يتهيأ، أن يتجمل، أن يغوي، مع أن الدرجة الصفر في غواية الطبيعة تقول إن ذكر الطير هو الأجمل، هو الديك والطاووس، لكنه الفاعل أيضا، والمنادي…

    

     *   *   *

     وليكنْ أن موضوع الرغبة عند المرأة هو جسد الرجل، غير أن قرونًا من تقنين الحضارة، ومن العادات والتقاليد، تحول دون التصريح بذلك. وعندما يأتي عصر، هو عصرنا، بإمكانات هائلة للمرأة، كي تتحرر في أصقاع دون أخرى، فإن حركة هذا التحرر، على مستوى الإبداع الفني، تبقى هي الحركة الأبطأ، الحركة المثقلة بأعباء الماضي، والساقطة في دائرة رد الفعل: الدرجة الصفر للجسد.

    

     *   *   *

     وها هي ذي المرأة الكاتبة تكتب جسدها: موضوع أنثوي آخر لذات ذكورية، يعرض عليها الجسد الأنثوي، لكن من طرف الأنثى هذه المرة. إنه تبادل للأدوار في الدرجة الصفر للإغواء. وأقصى ما يتوصل إليه استرجاع مثل هذا الدور، هو الحركة النسوية (فيمينيزم) في الأدب والفن (لنتذكر الخدعة الأجدّ للرجل: الأدب النسائيّ، أدب المرأة، أو أدب البنات، كما يقال في مصر!) أي الرجل مقلوبا (في أيما اتجاه) بأصابع امرأة!

    

     *   *   *

     كثيرا ما شبّهت الأرض (الوطن)، في الشعر العربي، بالمرأة… وبالأنثى إجمالا. كم أنثى فنيت… وبقيت الأرض، ولو منتهكة! إنها قيم إنسانية شبقية، تصعيدية، قد تدلّ على الحرمان، ويجري إسقاطها على “قيم” جغرافية. في هذا المسعى تصعيد للمعنى، ينتظر فرصة مناسبة، أو تقدّمًا في العمر، لكي يسقط بالمعنى إلى أدنى مستوى تسفيليّ: المرأة امرأة، والزمن يجري، والأرض باقية. سوف تأتي أجيال أخرى ولا تتعظ، فتصّعد المعنى ثم تسفّله.

    

     *   *   *

      الجسد “غير المجنسن”: عندما تداعب الأم أعضاء طفلها ما دام طفلا، وصولا إلى المحارم، ثم إلى الجثة (مع احتمالات للشذوذ والانتهاكات).

   

     الجسد “المجنسن”: رغبة دائمة في انتهاك الأقاصي، سواء في الزواج، مع الدور الوظيفي للإنجاب (ثمة متابعة لسبر الأغوار، لانتهاك الأقاصي المتجددة: الحرث المثابر في حقل واحد!). أم خارج الزواج (الحالة الحيوانية المدهشة في تجددها!)

   

     *   *   *

 

     الحواس مجتمعةً، تكاد تُنسى في كتابة الجسد وفي استدعائه. والحال أنها السابرة لكثافته وأقاصيه، والمولدة لمعانيه، فنيا، أي كما هي في الواقع. وهو واقع لا يدرك بشكل واع، بسبب تعقيدات وظائف الحواس الذاهبة في النتيجة الغريزية، إلى الهدف: الجسد.

  

     *   *   *

     أقاصي الجسد، أغواره، ليست عضوية، بل منتجة للمعاني: معان جمالية، فلسفية، ميتافيزيقية. هي بحث أبدي عن ردم الهوة الأبدية بين الفرد والفرد، وقبل ذلك بين الذات واستمراريتها، بين الجسد وما يقال إنه الروح. والحال أن في الجسد، وتاليا في الجثة ” أكمل تأكيد للروح، تماما كما تكون صرخة الذي يقتل أقصى تأكيد للحياة ” (جورج باتاي).

   

     *   *   *

 

     الجسد في التراث العربي حسي، شهوانيّ (من الناقة أو الظبي إلى ليلى ولبنى) عذريّ (تصعيد للرغبة الهاربة) إباحيّ (محاولة للامساك بما يهرب) صوفيّ (إنتاج ميتافيزيقي للمعنى، هروب بالأرض إلى السماء).

 

     *   *   *

 

     حركة الرغبة إذن، أينما كانت وكيفما كانت، هدفها الفني، الجماليّ، الفلسفيّ، الماورائي، ليس مجرّد الاستعراض بل إلغاء الحدود بين الجسد والروح، الجسد والجسد، الجسد والمؤسسة، العبد والمعبود. ونتاجها في كل الأحوال هو توليد المعنى.

 

     *   *   *

 

     الفنّ حركة الرغبة واتجاهاتها وليس مجرد استعراض للجسد.

   

     *   *   *

 

     بهذا المعنى، وبهذه المعاني كلها، ليس جسد المرأة، وليس جسد الرجل، سوى معطى خام. وأبعد من وصف الجسد ووظائفه الفيزيولوجية، ولكن عبر ذلك أيضا، تتحقق رغبة الحواس في العطش المتجدد، العطش الأبدي، في حيلة المحافظة على النوع على حساب الفرد: هكذا يتجاور الفن مع حركة الرغبة.

   

     *   *   *

 

     أما إذا كانت الأساطير والأديان تؤكد بأن الجسد فانٍ والروح باقية، أي أن الجسد متعارض مع الروح، ففي ذلك أقصى تأكيد لإنتاج المعنى التراجيدي للفن: وحشة الكائن المتجددة

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق