شِعرٌ بواسطة الحاسب؟ تعقيب على ( “التفكير عمل اليد” لعبد السلام بنعبد العالي)

مازالت أعمال اليد تملك تلك القيمة الكبيرة في حياتنا. تلك القيمة اكتسبتها على مرّ آلاف من السنين، أي مذ تعلّم الإنسان استعمال يده واستثمارها في مصادر رزقه ثم تجارته واستثماراته وأعماله وبناء اقتصاده حتى وقت ليس ببعيد في تاريخ البشر. بدون شكّ لن تستطيع الآلة الحديثة التي دخلت حياتنا في الكتابة والصناعة وباقي المهارات البشرية التي كانت تعتمد على اليد – لن تستطيع أن تمحو ذاكرة نوع البشر وفضل اليد بسرعة وسهولة، هذا النوع الحيّ الذي اعتمد على يده – وعقله إلى أن وصل عقله إلى التفكير باستبدالها. يمكن القول إنّ اليد والعقل البشريين كانا فريقاً ناجحا دون شك، وإنّ العقل اليوم ينقلب على اليد ويقول “سيأتي يوم أفكّر فيه وحدي”. وصل العقل بمساعدة اليد إلى درجة الانقلاب عليها ببنائه للآلة التي تستبدل كلّ شيء تقريباً، ولو بعد حين. تتراجع اليوم آلات البيولوجيا (المهارة البشرية) في وجه آلات الميكانيك والالكترون (التكنولوجيا) بسرعة كبيرة. سيأتي زمن يتحوّل فيه تبجيل اليد البيولوجية إلى اعتقاد ميت أو ذكرى قديمة كذكرى الألواح الحجرية. زمن قادم يستبدل العقل اليد بالصوت، ويستبدّ الصوت بقارئ أفكار متّصل به بشكل مباشر.

والكتابة التي قدّمت بها اليد خدمة للعقل لا تثمّن تجد اليوم أيضا منافسا شرساً، فاليد والورق يرغمان الكاتب على الثبات والوضوح والتحديد منذ البداية، بينما يقدّم الحاسب حرّية في التنقّل بين الكلمات والتحرير. يكون النصّ على الحاسب أسهل وصولاً واختراقاً وأكثر سيولة. في الطباعة على الآلة يستطيع العقل القفز بين عدّة أفكار على نصّ سائل ومرن بسرعة. يستطيع مسح وإعادة تركيب وقراءة الفكرة بوقت لا يفصل كثيرا عن لمحات الأفكار. يستطيع مؤشّر الحاسب أن يجاري سرعة الأفكار ويخلق من فوضويتها انتظاما يحوّل الملاحظات والصفحات إلى نصوص متماسكة. يمكن للمؤشر أيضاً أن يطيع كلّ فكرة جديدة تنفجر في أيّ من مواضع النصّ ثم يعيد توازنه وتناسبه فيطلق حرية أوسع للفكرة لتتجوّل فيه ولا يهضم حقّ أيّ لمحة ذهنية. ربما يحرّر الحاسب أيضاً في نفس الكاتب مصحّحا داخليا قادرا على قتل التعبير أو الفكرة قبل خروجها.

سهّل الحاسب التعبير في النصوص لكاتب متفجّر الفكر بينما بقي القلم في اليد يميل إلى ذاك الكاتب المتماسك الذي يرسم طريق فكرته بوضوح أكثر قبل أن يرسمها على الورق.

“لا يمكنك أن تكتب شعراً باستخدام الكمبيوتر” *،  كم ستصمد هذه العبارة في وجه أسرع تغيرات تقنية شهدتها البشرية حتى الآن؟

هامش:
* المخرج الأمريكي “كوينتن ترانتينو”
 لقراءة مقال عبد السلام بنعبد العالي: “التفكير عمل اليد” إضغط هنا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق