يوسف شاهين الإبن الضالّ للسينما العربية

حمل شاهين، من الناحية السينمائية، على عاتقه وزرَ نقدِ العالم العربي بمفرده، كما حمل وزر نقدِ العالم كعربي. فهو السينمائي الوحيد الذي واجه الأمراض السياسية والاجتماعية والثقافية لهذا العالم الذي منه انحدر وإليه انتمى، ولم ينفصل عنه رغم الفرص التي توفرت له لمغادرته، وهي فرص كان بوسعه استغلالها سواء بالرحيل عن وطنه أو بترحيل وطنه عن فنّه.

فبقدر ما اعترف الجميع بشجاعته وإصراره على المواجهة، عابوا عليه أن يفعل ذلك بطريقته الشخصية وباسمه الخاصّ، من خلال ذاتيته، معتمدا في ذلك تخيلاته وأوهامه. تلك هي مفارقة شاهين وفيها يكمن أساس تفرُّده.

كانت حياته المهنية صراعا مريرا مع الاعتباطية والحيف والتزمّت. وقد عبّر عن ذلك بداية من أوّل أفلامه “بابا أمين”، إلى فلمه الأخير “هي فوضى”. حمل قضيته كسينمائيّ معاصر لنا، ومجدّد لللّغة السينمائية. استعمل السينما أداة تعبير وما كان ليستعملها لو خُوِّلَ له استبدالها بأداة أخرى، فانطلق منها وتحرّك من داخلها واعتمد وسائلها الخاصة.

هذا الأمر لم يستوعبه دوما معاصروه العرب، نقادا كانوا أم سينمائيين. كانوا يريدونه أن يقتصد التكلّم بلغة الأنا وأن ينطق باسم سلطة ٍمجرّدة وخفية الاسم تـُحيل قصريّا إلى الجماعة. لم يفهموا أو لم يـُسلِّموا بأنّ حداثته كانت تتمثل في هذا الأمر تحديدا، أي في اختيار سلطة الأنا التي تولّدت في وعيه لحظة وعيه بسلطوية الخطاب الجماعيّ القوميّ وطغيان الزّمن الأصوليّ.

والأخطر من ذلك أنه كلما تقدّم في النقد إلاّ وأخذ “الأنا” حيزا أكبر في عمله. لكنّ شاهين لم يـُقدّم أبدا شخصه على الآخرين بل واجه الخطاب الكلّيانيّ بكلمته المتفرّدة. كانت كل أعماله استكشافا طويلا للآخر في ثنايا الأنا. وهل للآخر وجود خارج الأنا ؟ كان يوسف شاهين المخرج العربيّ الوحيد في جيله، وربّما المثقّف الوحيد، الذي دفع بهذه المفارقة إلى تلك الحدود. فمن المألوف أنّ النقد السياسيّ لا يكتسب صفته تلك طالما لم يتّسم بجدية الخطاب العام كخطاب متعال وفوقيّ لا يحتمل النقاش بحكم بنيته الإيديولوجية الدغمائية. فمجمل المذاهب الفكرية التي سادت العالم العربي من اشتراكية عربية وقومية بمختلف مشاربها وليبرالية تسلّطية وأصولية دينية قد اجتمعت على عدم اعتبار الفرد وخصوصية الذات قيمة جوهرية. فما من محاولة تمّت في العالم العربيّ لمواجهة السلطة سواء في عهد الاستعمار أو في مختلف الحقب القومية أو الليبرالية من زمن الإستقلال إلا وأعادت إنتاج التسلط بدعوى اللجوء إلى “الشعب” والانخراط في الهمّ الجماعيّ. ويوسف شاهين، رغم استهواء هذه الميول إيّاه ما انفك مذ هزيمة حزيران 67 يدعو من خلال أفلامه إلى تجنب مثل هذه الفخاخ. من لحظتها سيتحول إيمانه إلى إيمان بكل ما في الحياة من أدفاق و دوافع بدءا بحياته الخاصة.

بدأ يوسف شاهين مسيرته المهنية سنة 1950 منخرطا بصورة طبيعية في قوالب السينما السائدة ولم يتخلّ جوهريا إلى حدود سنة 1958 عن التقاليد المعمول بها إذ مارس الكوميديا والميلودراما والأفلام الغنائية. ومنذ “بابا أمين” إلى “أنت حبيبي” سينتهج الطرق المعهودة وسيجول في الفضاءات المعبدة آنذاك.. ولكن إذا نظرنا بدقة في هذه الأعمال لاكتشفنا ما أدخله شاهين على القوالب التقليدية من جرأة سواء من حيث المضمون (كالنقد الاجتماعي الذي بلغ أشده في “صراع في الوادي” (1954) أو الشكل (من مزج مدهش بين الأجناس، وعمق في الحقل مشفوع بوضع الممثل في صدارة اللقطة وهو ما يوحي لدى شاهين بتوقه الدّائم إلى أن يكون مكان الممثّل أو أن يرى في الممثّل انعكاسا لصورته في المرآة، وهي خاصية لدى شاهين تستحقّ البحث).

صحيح أن هذه اللمسات المجددة ظلت خافتة، ومخفيّة في سردٍ خطيٍّ غلبت عليه كليشيهات العصر. فأفلامه العشرة الأولى كانت كافية له ليستوفي تمكنّه من أغراض السينما السائدة وأساليبها. ثم جاء “باب الحديد” (1958) ليفرض يوسف شاهين كمؤلف بالمعنى الكامل التي أخذته هذه الكلمة في ذلك الوقت، إذ لا ننسى أنّ سنة 1958 كانت سنة هامة في تاريخ السينما العالمية ونشأة الموجة الجديدة الفرنسية رغم أنّ شاهين لم تربطه أيّ علاقة خاصة بهذه الحركة بل هي كانت غريبة عنه حتى أنه عاب على فرانسوا تروفو، في تصريحات له أدلى بها في السنوات الأخيرة لكراسات السينما، قساوته على ريني كليمان.

وفي العام ذاته سيقوم بإخراج “باب الحديد” بالتّزامن مع تصوير “الضربات الأربعة مائة” لتروفو. مما يعني أن حداثة سينما يوسف شاهين ليست نتيجة مصطنعة لتبعية ما كما يذهب الاعتقاد ببعضهم.

في سنة 1947 سافر يوسف شاهين إلى أمريكا للحصول على شهادة في الفن الدرامي، إلا أنه أبى أن يمارس التمثيل بعد رجوعه إلى مصر، معتبرا أنه لا يملك من جمال الخلقة ما تقتضيه المهنة. والغريب أنه لم يبرز كمؤلف إلا من خلال الشريط الذي وقف فيه خلف الكاميرا وأمامها في الآن ذاته. عندها تبين أن اقتران التمثيل بالإخراج من المكونات الأساسية لصفة المؤلف لدى شاهين. فكان “باب الحديد”. وفيه سيكون بائع صحف أعرج، شبه معتوه، لا مأوى له، وهو يفيض رغبة نحو “هنومة”، بائعة المشروبات الغازية (هند رستم في أروع أدوارها). المكان واحد: محطة الأرتال، وحشد من الشخصيات لكل منها مدار، أوضاع مختلفة ومتقاطعة، قصص غرام مستحيلة، نقابيون في صراع من أجل حياة أفضل، نساء يدافعن عن حقوقهن. للمرة الأولى يرتقي السرد إلى هذا المستوى من التعقيد. أما عن عمق الحقل الذي تبين لنا من حين لآخر في الأفلام السابقة فإنّه سيتجلى الآن بصفة منتظمة، والأمر كان نادرا في السينما العربية وقتها.

“باب الحديد” عمل فني ممتاز سابق لعصره أنجزه يوسف شاهين يوم استرجع رغبته الدفينة في التمثيل. والفلم لم يحظ بقبول حسن في مصر. تمثلت جرأته في ربط البؤس الإجتماعيّ بالحرمان الجنسىّ وما يفترضه الانعتاق المادّيّ من تحرر عاطفي وجنسيّ في نفس الوقت، فضلا عما اتّسم به الشريط من قوّة في الإخراج.

ثم سيتراجع شاهين بعض الشيء في أفلامه اللاحقة وسيواكب التيار السائد وقتها حتى سنة 1969 فيعود إلى الكليشهات التي أزاحها “باب الحديد”. وهي الفترة التي سيلتقي فيها أيضا بتأثيرات الناصرية المنتصرة في “الناصر صلاح الدين” (1963)، هذا الفلم يعيد قراءة تاريخ صلاح الدين الأيوبي الذي لقّبه شاهين بالناصر إشارة إلى القائد. ولأنّه ليس من طبع شاهين أن يرضخ للسياسة ورجالها فسيهاجر إلى لبنان إثر خلافه مع السلطة دون التوقف عن التصوير حيث سيخرج “بائع الخواتم”(1965) الشريط الذي ارتبطت شهرته بالمطربة الكبيرة فيروز ثم “رمال من ذهب” (1966) وهو أقل قيمة. ورغم أنّ ابتعاده عن بلده لم يضف إليه شيئا في إبداعه السينمائي فهو لم يمنعه من اللعب بالأشكال والألوان في كلا الفلمين.

بلغت هذه المرحلة السياسية من الستينات أوجها مع شريط “الأرض” (1969) الذي أعطى دفعا جديدا لشهرة المخرج. وهذا الفلم سيحتلّ سياسيا نفس المرتبة التي احتلها اجتماعيا “باب الحديد” في أواخر الخمسينات.

ولئن كان التغنّي بعمال الأرض في مرحلة الإصلاح الزراعي يذكرنا بموجة الأفلام السوفياتية فهو لا يخلو من انتقاد الخطابة السياسية والشعاراتية كما يتميز خاصّة بخاتمته القاتمة والمنبئة بمرحلة جديدة.

هزيمة حزيران 67 ستشكّل منعرجا أساسيا في أعمال شاهين. ومن يومها لا شيء سيظلّ على ما كان عليه سابقا. فالشك سيهيمن على عالم شاهين كله وسيسود التعقيد أعماله. سقطت خطيـّة السرد كأنْها أصبحت بالية، وكبر السؤال وتشنّج التمثيل و”انسحب الشعب” حسب عبارة جيل ديلوز.

لقد التقى يوسف شاهين مرة أخرى بالحداثة السينمائية على نحو يذكرنا بفيليني وغودار وريني وروشا وساجيت ري إلخ… ثلاثة أفلام تشهد بالخصوص على ذلك: أولها “الاختيار” (1970) شريط يطرح مسألة تورط المثقف مع السلطة من خلال قصة مربكة لازدواجية في الشخصية، وثانيها “عودة الابن الضّال” (1976) قدم فيه المخرج صورة لاذعة للروابط العائلية وإن لم تخلُ من مرح وخاصة ثالثها “العصفور” (1973) الذي جاء بين هذا وذاك، ليقدم بحثا لا سابق له في عمق أغوار السلطة السياسة الملتوية واتهام الطبقة الحاكمة بتحمل المسؤولية الكبرى في الهزيمة. ويبقى خطاب الاستقالة للرئيس جمال عبد الناصر كما صوره شاهين عالقا في الأذهان كلحظة لا مثيل لها في تاريخ السينما السياسية العربية. فكان إدراج الوثيقة التلفزية للخطاب في إخراج روائيّ تدوينا سينمائيا للحظة تاريخية تتأرجح فوق خط رهيف يفصل بين الواقع والخيال. والمفارقة أن الخيبة مع عمق تأثيرها فيه لم تـُعتـّم عالم يوسف شاهين بل رافقتها حيوية ٌ فائقة. هنا يكمن جمال المفارقة : في المزج بين الخطورة والخفة. فلا وجود مستقبلا لأي سلطة في خيال شاهين تدّعي الحقيقة المطلقة. تعرّت الذات فأضحت موضوع بحثها ولم تعد تخفي شكوكها منطلقة تبحث، في هلع، عن شظايا عالم اختفى أو اختلّت توازناته، فافتتحت مرحلة جديدة في حياة شاهين الفنية. إذ إلى جانب البعد النقدي الذي ما انفك يتعمق احتلت السيرة الذاتية مساحة الفلم كله، واختلطت بكل بساطة الحكايات الصغيرة بحكاية التاريخ الكبير، وارتفعت الـ”أنا” إلى مستوى الـ”نحن” وامتزجت الرواية بالواقع وتشابك الحاضر بالماضي في تركيب معقّد. لا شيء يلغي شيئا. ففي كل مرحلة يأتي شاهين ببـُعد ينضاف إلى الأبعاد السابقة فيزيدها كثافة وتعقيدا عوض أن يلغيها. هكذا ينضمّ المنحى السياسي الذي ظهر في الستينيات إلى الواقعية الاجتماعية التي برزت في الخمسينيات. ومع نهاية السبعينيات سيبرز “الأنا” ليحتل مكانه إلى جانب التحليل النقدي لعالم السياسة المعقد. تظافرت أهواء المخرج وهواماته مع قضايا العصر الكبرى على نحو باروكي في سعي إلى استعادة الأوهام الضائعة. فكان نصيب الحرب العالمية الثانية لا يفوق نصيب رغبة يحيى في التمثيل. وإن جاء شريط “حدوثة مصرية” (1982) مباشرة بعد “اسكندرية ليه” (1978) فلم يكن الأمر كذلك بين “اسكندرية كمان وكمان” (1989) و”اسكندرية نيويورك” (2004) بل توسطتهما أفلام أخرى. إذ لم تمنع مغامرة الغوص الخارقة للعادة في شرايين المخرج “حدوثة مصرية” من أن يعود هذا الأخير إلى الأحداث التاريخية الكبرى (“وداعا بونابارت” 1985) الذي لم يخلُ بدوره من حكايات صغيرة مثل حكاية كافارلي. كما لم يمنعه رجوعه إلى التّاريخ من العودة إلى الحكايات الصغرى (“اليوم السادس” 1986) التي لم تمنع حكاية مصر في 48. وما الذي سيمنع أن ينفصل “اسكندرية كمان وكمان” عن “اسكندرية نيويورك” فيأتي بينهما “المهاجر” (1994) و”المصير” (1997) و”الآخر” (1999) و”سكوت حنصور” (2001) فكان الأوّل (المهاجر) استعارة مستوحاة من قصص الأنبياء أثارت غضب الأصوليين والساهرين على الفكر الدينيّ المحافظ وكان الثاني (المصير) ردّ فعل سينمائيا على المشرفين على الرقابة الدينية. وكان الثالث (الآخر) محاكمة لعولمة وقحة وكان الرابع (سكوت حنصور) مراوحة جديدة حول الفن في الحياة والحياة في الفن.

فإن كان هذا يعني شيأ فإنما يعني أن القضايا الكبرى لم تترك المجال أمام نرجسية غازية بل أصبحت تخضع لرؤية خاصة واختلفت معالجة قضايا العصر في السنوات الأخيرة على ما كانت عليه في الستينات والسبعينات فنظر شاهين للعولمة وللأصولية والليبرالية الجديدة وغطرسة القوى العظمى وفساد الأنظمة العربية من زاوية شخصية تتسم بالنسبية. من هنا جاء المزج بين جليل الأحداث وصغيرها، وبين الموضوعي والذاتي. واقتضى التعقد في التحليل الالتجاء، شكلا، إلى اختلاط الأجناس السينمائية حيث تظافرت الميلودراما مع الكوميديا الموسيقية والفلم البوليسي والسياسي والدراما الإجتماعية إلخ…وذلك من فلم إلى آخر، وأحيانا في نفس الفلم.

تناول شاهين مواضيع عديدة ومتنوعة في تفاعل مع تحديات العصر وجنّد أشكالا سينمائية متعدّدة كما وفرتها له السينما فاستعمل كل أصناف الخطاب وأكبر نجوم السينما والأغنية والأدب وذلك دون إفراط في الجدية واضعا في صميم خطابه هشاشة ذاته حملته في ذلك رغبة جامحة في الحياة وتعطشا لامتناه إلى الآخر.

الطاهر الشيخاوي : جامعيّ وناقد سينمائيّ من تونس

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق