بين السّلوك الفلسفيّ والسّلوك الدّينيّ

لا شكّ أنّ سلوكنا يعكس نمط التفكير الذي نفكّر من خلاله. بالمقابل، فإنّ نمط تفكيرنا يوحي بالسّلوك الذي يصدر عنّا إزاء المواقف المتعدّدة. وليس بدعاً أنّنا نستطيع أن نخمّن طبيعة تفكير شخص ما إذا أخضعنا سلوكه للملاحظة والمراقبة، كذلك نستطيع أن نتنبأ بالسّلوك الذي سيسلكه بناء على معرفتنا بنمط تفكيره. وكثيراً ما نستخدم عمليّتي التخمين والتنبؤ هاتين في حياتنا العادية، ويبدو هذا واضحاً في بعض عباراتنا المتداولة من قبيل “لم أتوّقّع منه أن يتصرّف بهذا الشكل”، أو”لا أصدّق أنه فعل هذا”، أو “كنت متأكداً أنه سيفعل ذلك”، إلى آخر العبارات التي نعبّر من خلالها عن دهشتنا عندما يسلك شخص ما سلوكاً لا يتفق مع نمط تفكيره، أو غبطتنا عندما يصيب ما توقّعناه حول سلوك هذا الشخص، فنتأكّد من صحّة معرفتنا بالطريقة التي يفكّر من خلالها.

يؤدي اختلاف أنماط التفكير لدينا إلى اختلاف المناهج والغايات والموضوعات التي يتوجه إليها فعل التفكير قصدياً بعد أن كان مجرد حالة تلقائية مباشرة، مما يؤدّي إلى تطويره نحو تأسيس حقول معرفية مستقلّة ضمن منظومات تختلف عن بعضها باختلاف هذه الأنماط، فيصحّ القول مجازا، أنّه عن نمط التفكير التركيبيّ تصدر الحقول المعرفية الإبداعية كالأدب والشعر والموسيقى والتشكيل، وعن التفكير التحليليّ تصدر العلوم الطبيعية إذا اعتمد التحليل على الاستقراء، أو تصدر الفلسفة والعلوم العقلية الأخرى “كالرياضيات والمنطق” إذا اعتمد التحليل على الاستنتاج …إلخ. أما أثر طرائق التفكير هذه في السلوك البشريّ، فيظهر واضحا لدى الأفراد المبرّزين في هذه المعارف. وما سنتعرّض إليه هو نمط السّلوك الفلسفيّ ومدى ارتباطه بالتفكير الفلسفيّ، وكيف ينعكس الثاني في الأوّل. وذلك بعرض نقاط تماثله مع، أو تمايزه عن، نمط السلوك الدّينيّ، باعتبار هذين النمطين هما الأكثر تضَّاداً بين الأنماط الأخرى، ولا بدّ قبل ذلك من التعريج بمقدّمة صغيرة لتوضيح معنى الفلسفة بما يتناسب مع سياق هذا الموضوع.

{{معنى الفلسفة}}

الفلسفة أحد المصطلحات القليلة التي كان الاختلاف على تعريفها وتوضيح معناها جزءًا منها. وربما كانت المصطلح الأوّل على قائمة هذه المصطلحات، حتى لقد ذهب البعض إلى أنّ تعريف الفلسفة ومعناها يختلفان من فيلسوف إلى آخر. وذهب غيرهم أبعد من ذلك، فرأوا أنه قد نجد أكثر من تعريف وأكثر من معنى للفلسفة لدى الفيلسوف الواحد. لذلك سنحاول تبيان معنى الفلسفة بما يساعدنا في الكشف عن تميُّزها وتمايزها عن مجالات المعرفة الإنسانية المرتبطة بأنماط السلوك المباشر، وبالأثر المباشر الذي يتركه هذا السلوك أيضاً. ونعتقد أنّ الدين والعلم، بالإضافة إلى الفلسفة، هي أكثر المجالات المعرفية ارتباطاً بالسلوك المباشر وبأثره معاً.

أبدع اليونان الفلسفة وأطلقوا عليها (فيلو، صوفيا)، وتعني على الترتيب (حبّ، الحكمة) بكلّ ما تستوعبه وتتضمّنه كلمة حبّ باللغة اليونانية (philo) “والتي تعني أيضا المطابقة والمماثلة والمماهاة حسب رأي مارتن هيدجر”، كان موضوعها الأوّل هو الوجود ومنهجها التأمّل العقليّ في هذا الوجود، ولقد اختلفت المناهج الفلسفيّة باختلاف طرائق هذا التأمّل العقليّ وتنوّعها، ثم نشأت عن هذه المناهج مذاهب واتجاهات فلسفية حاولت أن تجيب عن الأسئلة الكبرى التي تقلق الجنس البشريّ، ورغم أنّ هذه الأجوبة لم تكن دائما أجوبة نهائية، إلا أنها كانت متطابقة مع حاجة هذه المرحلة أو تلك من مراحل الوعي البشريّ.

لا شكّ أنّ كلّ فرد، سواء كان فيلسوفاً أو لم يكن، قد طرح على نفسه بعض هذه الأسئلة المقلقة التي تصدّت لها الفلسفة منذ نشوئها، كالتساؤل حول الذات البشرية وطبيعتها، أو الوجود بكليته وشموله، أو التساؤل عن طبيعة الحياة وسرّ الموت وما بعد الموت، أو البحث في القيم الكبرى، الخير والحقّ والجمال، وعن منشئها وطبيعتها وعلاقتها بالذات التي تطلقها والموضوع الذي تُطلق عليه. كذلك اهتمت الاتجاهات والمذاهب الفلسفيّة بالمواقف القصوى في حياة الإنسان، كالحرية والحبّ والعدل والسعادة واللذّة والقلق والتضحية والبطولة والكرامة……. الخ من تلك المواقف التي يقفها الإنسان بكليته دون أن يكون قادرا على تفسيرها أو كشف أسرارها.

عندما يحاول الفيلسوف الإجابة عن تلك الأسئلة والتفلسف حول تلك المواقف، فإنه يقدم منظومة متكاملة متسقة مع بعضها بعضاً، ونسقاً فلسفياً شديد الإحكام وبعيداً عن التناقض، وبناء تاماً يقيم كل أجزائه على أساس واحد يمثل الحدس الفلسفيّ الأول لدى ذلك الفيلسوف. كذلك يمتلك الإنسان العاديّ جملة من التصوّرات والأجوبة على هذه الأسئلة وهذه المواقف. لكنها لا تتّصف بالاتّساق والنسقيّة والأساس الواحد كما هو الأمر عند الفيلسوف، فتبقى تصورات ذاتية لا يطلب إلى صاحبها إثباتها أو البرهنة عليها. من هنا كانت عبارة (كلّ إنسان فيلسوف) صحيحة بمعنى أنّ لكل إنسان تصوّراته ومعانيه الخاصة به، يجيب من خلالها على الأسئلة المتعلقة بأصله ووجوده ومستقبله وما يعتنقه من قيم.

{{الفلسفة والدين:}}

{{تختلف الفلسفة عن الدين في نقاط عدة يبدو أهمها:}}

أولاً:- أنها لا تنطلق من مقدمات وبداهات ومسلمات غيبية لا يمكن مناقشتها أو البرهنة عليها أو التشكيك فيها، على العكس تماماً من الدين الذي ينطلق من تلك المقدمات وتلك المسلمات، ولا يقبل البرهنة ولا التشكيك.

ثانياً: لا ترتبط الفلسفة بأي شكل من أشكال الطقوس والشعائر والممارسات التي تشغل حيزاً كبيراً في الأديان كافة، السماوية منها والأرضية، فهي خالية من الصلوات والنذور والأدعية والحجّ والصوم والخلوات والابتهالات ومراسم وطقوس التعميد والتكليل والدفن والتأبين، وغير ذلك من الممارسات.

ثالثاً: رغم أن الفلسفات والأديان تضع الاهتمام بالإنسان، فرداً وجماعة، أوّل أولوياتها، إلا أنّ الأولى قصرت هذا الاهتمام على حياة الإنسان العادية منذ مولده حتى وفاته، بينما بقيت الأديان متكفلة بهذا الاهتمام قبل مولد الإنسان “منذ عالم الذر” مروراًً بحياته إلى ما بعد الموت، أو ما يعرف بالحياة الأخرى أو الحياة “الأبدية”. ولقد كان لهذا الاختلاف أثره الواضح في تمايز السلوك الفلسفيّ عن السلوك الدّينيّ. ولن يفوتنا أن نفصل في هذا الأمر لاحقاً.

رابعاً: زعمت أغلب الأديان أنها تملك منهجاً شمولياً ناجزاً، يتصف بالكمال ويصلح لكل زمان ومكان وقوم، قادراً على تخليص الإنسان من كل مشكلاته وتقديم أنسب الحلول لها. بينما اعترفت الفلسفة بتبدلها وتطورها ونسبيتها، واقتصارها على الإجابة على بعض الأسئلة وحلّ بعض المشكلات فقط، فأخرجت من دائرتها الكثير من الموضوعات التي لا ترى نفسها كفيلة بمناقشتها، وكثيراً من المشكلات التي لا تراها جديرة بأن تكون مشكلات فلسفية. ولم تدَّع مطلقاً أنها تقدم حلاً نهائياً لأي مشكلة من مشكلاتها.

{{تمايز السلوك الفلسفيّ من السلوك الدّينيّ:}}

توضح هذه النقاط الخلافية بين الدّين والفلسفة جزءا من طبيعة الأول المغاير للثانية، وهذا ما يفسر علة الصراع القائم بينهما منذ قرون طويلة حتى اليوم. وقد اتخذ هذا الصراع اتجاهين مختلفين. ضمّ الأول مجموعة الفلاسفة ورجال الدين الذين سعوا إلى التوفيق بين حقلين منفصلين، وناقش كل فريق ضمن حقله ما عُرف بمشكلة العقل والنقل، أو النص والتأويل، أو الحكمة والشريعة.

أما الاتجاه الثاني، فقد ضمّ مجموعة الفلاسفة ورجال الدين الذين بذلوا قصارى جهدهم للتفريق بين الدين والفلسفة. فعمد رجال الدين لما اعتقدوه كشف زيف الفلسفات، وتهافت فكر أصحابها، وفساد معتقداتها، وهزال بنيانها وضعف منطقها (!!!)، بل ذهبوا أكثر من ذلك، فحرّموا العمل بالفلسفة والمنطق وكفّروا الفلاسفة، وأحلّوا دماءهم، بل وأعدموهم أحياناً. بالمقابل، بذل الفلاسفة الذين عملوا في هذا الاتجاه جهدهم أيضاً في نقد الدين والكشف عن تناقضاته بحجج المنطق والعقل، ودافعوا عن أن الدين ليس ضرورة لا تستقيم حياة الإنسان بدونها. وذهبوا أكثر من ذلك فأنكروا النبوة معتبرين الأنبياء حالات بشرية فذة من العبقرية والبطولة والفداء، مكنتهم ظروف معينة من قيادة ثورات وإحداث تغيرات في مجتمعات كانت مستعدة للقيام بالثورات وقبول التغيرات.

لسنا بصدد الحديث عما آلت إليه الأمور في هذا الصراع. فقط كان لا بدّ من بعض التعريج عليه لنتمكّن من توضيح اختلاف الفلسفة عن الدين، وبالتالي اختلاف السلوك الفلسفيّ عن السلوك الدّينيّ. ويتركز هذا الاختلاف في شمولية الأديان والمذاهب الدّينيّة التي جعلتها تنظر لكل فلسفة خارجة عليها، أو رفضت أن تدين لها، كمنافس يريد أن ينفرد بمشروع تسيير حياة الإنسان على وجه الأرض، ويحرمه من كل أمل بعد الموت !!

بالمقابل.. اجتمعت الفلسفات الإنسانية بشتّى مذاهبها، على أنّ لها الحقّ في مناقشة وحلّ جميع مشكلات الإنسان ذات الطبيعة الفلسفيّة (وتكاد كل مشكلات الإنسان تكون ذات طبيعة فلسفية)، دون أيّ تدخّل للفكر الدّينيّ المختلف عن الفكر الفلسفيّ بنوعية مشكلاته ومناهجه وحلوله. حاولت الفلسفات كلها أن تنقل وجهة نظرها من الموقف الفرديّ إلى الموقف الجمعي، بناء على حجتها في وحدة العقل بين الجميع، أما الدين فقد بقي يفرض وجهة نظره على المجموع، مع أنه يقوم على علاقة فردية تتأسّس على الإيمان الذي يسكن القلب الذي لم يكن أبدا واحدا بين الجميع.

إن النقطة التي أجّلنا التفصيل فيها عندما كنا نتحدّث عن الاختلاف بين الدين والفلسفة، هي حضور مفهوم الحياة بعد الموت في الفكر الدّينيّ وغيابه في الفكر الفلسفيّ، ولهذا النقطة أهميتها في تمايز السلوك الفلسفيّ عن السلوك الدّينيّ، فهي تفرق بين سلوك من يعتقد أنّ الحياة فرصة ثمينة يجب أن تعاش بأفضل الشروط، وأن تحفظ وتحمى أفضل حماية، لأنها إن فقدت لن تتكرّر ولن تعوّض، وسلوك من يعتقد أنّ هذه الحياة زائفة وقصيرة وعديمة المعنى أمام الحياة الحقيقية الخالدة حيث النعيم والسعادة الأبدية.

هذا لا يعني الإطلاق في حكم أنّ كل الفلاسفة ينكرون الحياة بعد الموت. فهناك الكثير من الفلاسفة الذين آمنوا بخلود الروح والدار الآخرة (أقول آمنوا، وليس الإيمان من طبيعة الفلسفة) إلا أنهم لم يبذلوا أيّ جهد فلسفيّ للحديث عن هذه الدار، ولا عن البعث والنشور، ولم يتحدّثوا فلسفياً عن الحساب والثواب والعقاب، ولا عن نعيم الجنة أو فنون عذاب الجحيم. فقط آمن أولئك الفلاسفة بالحياة الأخرى لأنّهم عجزوا عن تصوّر فناء الروح أو العقل، ولم يتقبّلوا فكرة تحوّل الإنسان إلى العدم.

{{الآن، كيف انعكس هذا التمايز في السلوك بين الفلسفيّ والدّينيّ؟}}

الفيلسوف يسلك سلوك المحبّ للحياة، إذ لا أمل للفلسفة خارج الحياة، الحياة الدنيا. لذلك فهو متمرّد على الواقع يرفض التسليم به ولا يعترف أنه مقدّر أو “مكتوب” أو أنه أفضل ما يمكن. الفيلسوف ليس اتكالياً ولا مُسَلِّماً ولا يقرّ بالخطيئة الأولى ولا يعتبر نفسه مسؤولاً عنها. يقدّس الحياة ويحبّها ولا يزهد فيها ولا ينظر إليها نظرة استصغار أو تحقير أو لامبالاة. يحب كلّ البشر ولا يختلف مع أحد في معتقده. وهو صاحب مشروع تبشيريّ يهدف لبناء الفردوس على الأرض بشروط تجعل الحياة أفضل وأكمل. يبشّر بهذه الحياة التي يتخيّلها فيخاطب في الناس عقولهم وليس قلوبهم. ويوقظ لديهم ملكة التفكير السليم والحسّ النقديّ الرافض لكل ما يخالف العقل. يسعى دائماً لينشر النور الحق بعيداً عن ظلام الخرافة والوهم.

قد يقول قائل إنّ هذا السلوك ربما ينطبق على رجل الدين أيضاً، نعم ربّما ينطبق، لكنّ انطباقاً كهذا يمثّل حالة استثنائية طارئة وليست أصلية، جزئية وليست كلية، على عكس الفيلسوف الذي يتمثل هذا السلوك تمثلاً كلياً في كلّ المواقف وعلى إطلاقها، محافظاً على الاتساق بين أفكاره وأفعاله خلال أيّ زمان وفي أيّ مكان وتحت أيّ ظرف. بالإضافة إلى أنّ رجل الدين، حتى لو انطبقت عليه الصفات السابقة، يبقى مختلفا عن الفيلسوف في الغايات القصوى، فتبقى الحياة عنده دار عبور، أو حالة مؤقتة لا بأس لديه لو مضت على أيّ شكل كان.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق