الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة (1) الرّقابة.. والمقيمون في الحدود

لا شيء أعظم من التّعبير سوى حدوده. تلك الحدود الملأى بفراغ اللّغة وعجزها حين تكاد تبلغ “الحقيقة” ولا تستقرّ سوى على حركتها الدّائمة والمتكرّرة. انّها الحدود المستعصية على آلة الرّقابة القاسية والاعتباطيّة، وهي فضاء تحقّق متعة التّعبير وألمه وحرّيته. على ضفاف تلك الحدود تتفتّت أساطير التّعبيرات الجماليّة والفكريّة وتموت سطوتها فتنسحب في هاوية الذّاكرة السّحيقة ليطلع أيتام غرباء من أعماق الفراغ يصارعون الحدود بشهوتهم اٍلى التّعبير وطفولة لغاتهم.

وعلى ضفاف تلك الحدود تصمت لغة العشق في قمة تجلّي نواحي شهوتها ويبقى الجسد باحثا عن إمكانات تحقّق المتعة وإحباطاتها الجديدة. وعلى الضّفاف تتحطّم لغات الأبطال بعد أن استهلكت كلّ انتصاراتها ويبدأ ضعف كائنات أخرى في البحث عن لغة أولى لقول ما يجب أن يقال.

في نهاية كلّ كتاب أو مقال أو فيلم أو مسرحيّة أو أغنية، وفي غياهب الخطوط والألوان المضطربة والمتراقصة أمام معرفة الحواسّ، هناك لغة أولى هي ليست لغة الكلمات أو الإيقاع بل لغة الحدود تعلّمنا أن كلّ شيء يمكن أن يقال وأن لا يقال. اٍنّها اللّغة التي تسمح بكلّ شيء وباللاّشيء. وهي لغة الواحد والمتعدّد.

—-

لقد قال أحد الكتّاب في وصف تجربته في أحد معسكرات الاٍبادة: ” يمكن أن تقتل اٍنسانا ولكن لا يمكن أن تغيّره”. إنّ الاٍبادة كلحظة قصوى في عنف البشريّة عاجزة عن تحطيم مناطق متغلغلة في كلّ اٍنسان وهي اٍحساسه بالكرامة والعدالة.

وللتّعبير كذلك كرامته وعدالته المستعصية على آلة الرّقيب. فمن اختبر حدود اللّغة لا يمكن أن يقيم إلاّ في الخروج والغربة.

لذلك عجزت آلة الرّقابة في أقسى تعبيراتها من محاكم تفتيش و”ثورات ثقافيّة” وفتاوى دينيّة وإيديولوجيّة وأنظمة مستبدّة عن التحوّل اٍلى مؤسّسة دائمة ومطلقة. فهناك دائما أصوات تأتي من حدود اللّغة لتزرع الفتنة وزهرة فكرة الجمال.

إنّ للرّقابة كلّ مقوّمات المؤسّسات من رغبة في النّظام وعنف رمزيّ ومادّيّ وتنظيم عقلانيّ للعمل. ولها مثل كلّ المؤسّسات زخم عاطفيّ لدى الأفراد القائمين على مصالحها.

ولكن للرّقابة عذاب عاطفيّ إضافيّ لا يوصف. فهي في تعاملها مع رعاة وبناة حياة اللّغة الأولى اٍنّما يطلب منها أن تئد ما لا يمكن وأده لأنّه في تعدّده مستعص أبدا على الاٍدراك.

اٍنّها المؤسّسة الوحيدة التي تسعى اٍلى تنميط ما لا يمكن تنميطه لأنّه مقيم أبدا في مغامرة الحدود. لذلك لا يمكن أن تنتج وبشكل يعاكس مهمّتها سوى مزيد من رغبة التّعبير والحرّية.

—-

انّ ما يزيد حرّية التّعبير اٍشكالا هو توزّع الرّقابة على أكثر من جهة اليوم. فهي من مشمولات المؤسّسات ومناطق النّفوذ الماليّ والسّياسيّ والاعلاميّ والايديولوجيّ والدّينيّ. بل انّ المجتمعات تقوم أحيانا بممارسة عنف هائل على هذه الحرّية.

وتكاد كلّ ممارسات الرّقابة تجمع على شعار واحد وهو أنّ لحرّية التّعبير حدودا يجب احترامها. ولكن في الوقت ذاته نرى تزايد المطالبات بضرورة اعتبار حرّية الرّأي والتّعبير أحد أهمّ مقوّمات بناء الدّيمقراطيّة والمشاركة والتّنمية الانسانيّة.

إنّنا في مرحلة خوف تتنازعها رغبتا البقاء الانسانيّ والمصلحة المطلقة. فمن جهة تدعو أطراف مدنيّة اٍلى بلورة تشريعات وآليّات دفاع عن حريّة الرّأي والتّعبير، ومن جهة أخرى تستبسل جهات للدّفاع عن مصالحها ولو بقتل المختلف في الرّأي.

ولكن ستبقى أصوات عديدة تقيم في الحدود الفاصلة بين كلّ هذه المعاني ومن خلال ممارستها الحقيقيّة للقول تطرح الأسئلة الدّائمة على عالمنا.

إنّنا في حاجة إلى التّشريعات وتفعيل إعلانات المبادئ والمقاومة من أجل حقّ كلّ إنسان في التّعبير. ولكنّنا في حاجة أيضا اٍلى أولئك الذين يختبرون ألم الحدود ومتعتها، فهم القادرون بمغامرتهم مع عوالم التّعبير على رعاية جذوة الفكر والجمال.

—-

لقد أكّد الاٍعلان العالمي لحقوق الاٍنسان على أهمّية حرّية الرّأي والتّعبير، ولكنّه لم يضع لها حدودا معيّنة. لقد تكفّلت بذلك قوانين البلدان الدّيمقراطيّة فحرّمت فيما حرّمت الدّعوة اٍلى القتل والاٍبادة والعنصريّة. أمّا البلدان ذات الطّابع الاستبداديّ فلكلّ منها قائمته الزّجريّة التي تقصر أو تطول حسب الظّرف.

إنّ القوانين والإجراءات التي تحمي حرّية الرّأي والتّعبير مهمّة لرعاية التّوق اٍلى الحرّية والمشاركة والعدالة والتّنمية، ولكنّها ليست سوى جزء من مشهد أكثر تعقيدا. فهناك عنصر غير مقنّن، هو ما يجري داخل المجتمع. إنّها الفضاءات المدنيّة المشتركة والحوارات والاتّفاقات التي تجعل من حرّية الرّأي والتّعبير ممارسة يوميّة تحيّد لغة القتل والنّفي وانتهاك كرامة اللّغة وتعطي حظّا أوفر للغة الحياة. اٍنّها فضاءات تنقلنا من منطق الزّجر واٍعدام المختلف اٍلى منطق صعب ولكنّه ممكن وهو منطق المشترك والمختلف والمتعدّد في اللّغة. منطق يطوّر قبول وتحمّل التّعبيرات الفرديّة والجماعيّة لمن يقيمون في الحدود.

هل لحرّية الرّأي والتّعبير حدود؟

اٍنّ القول بأن لا حدود لها مُغرٍ، ولكنّه غير قادر على الاٍجابة لوحده عن الأسئلة القانونيّة والأخلاقيّة التي يطرحها. وهناك فراغ ، اليوم على الأقلّ، في المستوى القانونيّ لاقتراح اٍجابة مقنعة. هناك اجتهادات عديدة قديمة وجديدة للاٍجابة عن أسئلة الحرّية وحدودها في مواضيع شتّى مثل حرّية الجسد والحقّ في الحياة والبيواتيقا والكرامة. وهي محاولات تزيد من تطوير هوامش الممكن الانسانيّ ولكنّها تبقى في مستوى المشاريع.

أمّا الاٍجابة المتسرّعة بأنّ هناك قائمة حدود على الحرّية لا يمكن تجاوزها فهي تخفي في أعماقها مجموعة مصالح ورؤية للهويّة تعصف بكرامة اللّغة وحرّيتها.

وستبقى كلّ الاٍجابات قاصرة عن تمثّل أسئلة عالمنا حين يضيق الحيّز الذي تدور فيه مغامرات اللّغة كسياسة تعبير عن الحياة.

—-

في البدء هناك جدران في كلّ مكان. جدران مصفوفة بعناية مثل ورود حدائق مشتهاة. جدران تنهمر منها الكلمات. سيول من الكلمات تنفلت من بين أصابع الاٍسمنت والآجر والجير المطليّة ببريق الأحلام. سيول من المعاني تهدر وتذهب اٍلى فراغ. سيول لها أيادٍ ناعمة مثل أيادي الموتى، تبعد ما بين شقوق الجدران وترجم كائنات الشّهوة المتكاسلة.

هدير من معانٍ غير محسوسة يخرج. من عيون نهمةٍ يخرج. من جماجم كائناتٍ أولى يخرج ومن أرواحٍ تعتّقت في الغبار. هدير يخرج ليعود اٍلى اللّحظة ذاتها من طرقات الأمس المحروقة.

في البدء

لا يأس

ولا أمان

الآلهة التي استهلكت كلّ المعاني

تجثم بأنفاسها على جهنّم الكلمات وجنّاتها

وحده الغريب يحمل هويّته

اٍلى فجر من الفرح والنّشيج

في البدء

بقايا موسيقى

وكلمات

عالم سابق ما فتئ يغيب

حين تصدح الموسيقى

تطلع طفولة الرّوح من

ذكرياتها

لينمو فنّ وجود جديد

وحين تنطلق الكلمات

يرتعش شعاع المعاني

في عليائه

وتهبّ على العوالم لفحة فراغ

مهيب

لا عزلة في البداية ولا وطن

لا شيء سوى رعب الخصاء يقتلع الشّهوة

من أعماق الجسد

وينثر السّحر في كلّ مكان

لا شيء سوى رهبة الصّمت

تزرع الفتنة في العالم

المسجون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق