سيرغي يسينين… أكثر من شاعر ( بمناسبة ذكرى ميلاده)

” لم تلد الأرض الروسية مَن هو أكثر محلّية وأكثر عفوية،

مَن هو أكثر وطنية وأفضل توقيتاً ممّا هو سيرغي يسينين…

وفي ذات الوقت، لقد كان يسينين مثالاً حياً ينبض بالأدب، الذي

يواصل تقاليد بوشكين، الأدب الذي ندعوه ذروة المبدأ الموزارتي .. ”

{ بوريس باسترناك}

ولد سيرغي يسينين في 21 أيلول (4 تشرين الأول) من عام 1895 في بلدة كونستانتينوفو (أو قسطنطينوفو) الواقعة على ضفة نهر أوكا في ناحية ريازان وسط روسيا.

كان إنساناّ ذكياً وجميلاً، كان لطيفاً وأنيقاً.

عند السؤال كان يجيب بأنّ طقس الكتابة عنده يبدأ على النحو التالي: يقوم بغسل احتفاليّ للرأس، ثم يضع باقة من الأزهار على الطاولة أمامه، ثم يحضّر إبريقاً كاملاً من الشاي الأسود ” أكرك – عجم “، ومن بعد ذلك يباشر كتابة القصيدة.

… وأنه كان قادراً أن يكتب من دون تصحيح. وقد كان يحبّ، كما عبّر هو ذاته، أن ” يتسكّع ثم يقضي مع القصيدة ليلة كاملة “.

و لأنه إنسان موهوب فقد كان لديه حسّ مرهف وقلب رقيق شفاف، ولهذا كله فقد عانى كثيراً مما تعرضت له روسيا من إهانات ولما أوصلوها إليه من كفر وابتعاد عن الربّ.

كم تعرّض الشاعر ” للطعنات ” من قبل النقاد بسبب تدينه ولأنه كان يعتبر نفسه بمثابة الناي الإلهية، التي تُنشد المجدَ لا للطبيعة الروسية وحسب بل و لخالق أيضاً.

وفي وقت متأخر من ليلة 27 كانون الأول من عام 1925 وفي غرفة في فندق ” إنغليتير ” في بطرسبورغ (تمّ هدم البناية في عام 1987) لقي حتفه بصورة تراجيدية الشاعر الشهير والوسيم يسينين وهو في أوج فتوته وإبداعه.

كان في الثلاثين من عمره فقط …

لم يستطع قلب الشاعر المفعم بالمحبة تجاه أهله وقريته بل وتجاه كل ما هو روسيّ، أن يتحمّل ما وصلت إليه روسيا(ه) بعد الثورة البلشفية حيث ( الربّ مطرود رسمياً من البلاد، والملحدون الكفرة يتحكمون بها، وحيث يسود القتل والخراب والجوع… )

لقد أكدت السلطات وقتذاك أنّ يسينين مات انتحاراً عبر الشنق… لكنّ الشهود يؤكدون أنّ الشاعر كان بمزاج رائع بل وكانت ثمّة مخطوطات مصحّحة بين يديه يريد أن يدفع بها إلى الطباعة.. والكل يعرف كم هي جميلة وممتعة تلك اللحظة التي تسلك فيها القصيدة طريقها إلى النشر..

كما إنه معروف أنّ والدة الشاعر حضرت جنازته، وكانت ترغب في أن يتمّ دفن الجثة كما تتطلّب ذلك التقاليد والمعتقدات المسيحية، وأن تذرو بيديها التراب على قبره على شكل صليب . كما إنها أرادت دعوة قس لكي يقيم الصلاة عن روحه. لكنهم لم يسمحوا بكل ذلك. بل أقاموا له جنازة رسمية باهرة وخالية من أية مظاهر دينية. ومع ذلك فقد أقام أهله وأقرباؤه الصلاة عن راحة روحه في مسقط رأسه غيابياً.

علماً أنه: لا تجوز الصلاة على مَن قضى منتحراً ؟! .

باختصار هناك شكوك قوية في روسيا اليوم بخصوص فرضية انتحار الشاعر.. بل إنّ بعض الباحثين يجزمون بأنه تمّ اغتيال الشاعر من قبل أجهزة السلطة..وهذا ما توصل إليه أحد المحققين الجنائيين الروس حديثاً والذي قام بالتحري حول ملابسات الجريمة.. وقد صدر كتاب بهذا الخصوص يلقي الضوء على ” انتحار الشاعر “.

هنا ترجمة لبعض قصائد الشاعر :

{{1}}

لم يبق لي سوى تسلية واحدة :

أن أضع أصابعي في فمي – وأن أصفّر بفرح.

فقد شاعَ مَجَدٌ كريه،

أنني ماجنٌ ومشاكس.

آه! يا لها من خسارة مضحكة!

وكثيرة هي الخسارات المضحكة في الحياة.

معيب لي أنني كنت أؤمن بالله.

ومحزنٌ أنني لم أعد أؤمن الآن.

أيتها الآفاق البعيدة بلون الذهب!

كل شيء يحرقه عماء الحياة اليومية.

لقد كنتُ مشاكساً وداعراًً

بالضبط لكي أشتعل بدرجة أقوى.

رسالة الشاعر – أن يلاطف و يهدِّأ.

فهذا هو قدره المحتوم.

فأنا أردت أن أزاوج على هذه الأرض

بين الوردة البيضاء والضفدعة السوداء.

ليكن، أنها لم تتحقق ولم تنجح

خواطر الأيام الوردية تلك.

لكن طالما أن الشياطين قد عشعشت

في روحي – فهذا يعني أن الملائكة

كانت تعيش فيها.

…..

……

{{2}}

” لماذا هو القمر يضيء باهتاً

فوق حدائق وجدران مدينة خراسان؟

كما لو أنني أمشي بالضبط في سهل روسي

تحت الستار المخشخش للضباب ” –

هذا ما سألت عنه، يا عزيزتي لالا،

أشجارَ السرو الصامتة ليلاً،

لكن أرتالها لم تجب ولا بكلمة،

وقد شمخت برؤوسها نحو السماء باعتزاز.

” لماذا هو القمر يضيء حزيناً ؟ ” –

سألت الأزهار في أيكها الهادئ.

فأجابتني الأزهار : ” عليكَ أن تشعر

من خلال حفيف الوردة الحزينة “.

أفاضت الوردة بأوراقها،

وبأوراقها أسرّت لي الوردة :

” حبيبتكَ شاغانيه غازلت أخرَ،

حبيبتك شاغانيه قبّلت شخصاًَ آخر.

ظنّت : ” الروسي لن يلاحظ …

للقلب – الأغنية، وللأغنية – عيشٌ وجسد … ”

لهذا، القمر يضيء باهتاً،

لذلك يبدو القمر شاحباً “.

كم عرف الزمان من الخيانات،

من الدموع والعذاب،

فمن الذي يتمناها،

مَن الذي ينتظرها.

ومع ذلك، لتبقى مباركة إلى الأبد

الليالي الليلكية في الأرض.

{{3}}

لستُ نادماً، لا أستجدي ولا انتحب،

فكلّ شيء سيمضي،

كما العجاج عن كروم التفاح الأبيض.

وقد نال مني ذهب الذبول،

فلن أكون شاباً بعد الآن.

ولن تخفقَ هكذا بقوة بعد اليوم،

أيها القلب، الملفوح بالبرودة،

ولن تغريني بلاد دمّور البتولا

بأن أتسكع حافي القدمين.

{{4}}

” اعتراف الشقي ”

ليس كلّ واحد يجيد الغناء،

ولم يُعطَ كلّ واحد مهارة السقوط،

كما التفاحة، إلى أقدام الآخرين.

فإليكم الاعتراف الأكثر عَظمَةً،

الذي يعترف به الشقيّ.

أنا عن عمد أمشي أشعثَ الشعر،

برأس، كما القنديل، على الكتفين.

يروق لي أن أنيرَ في العتمةِ

خريفَ أرواحكم الأمرَدَ.

يروق لي حين تطير نحوي

أحجار الشتائم، كما البَرَدُ

في عاصفة هوجاء.

عندئذ اكتفي بالقبض بقوة أكبر

على كيس شعري المتأرجح بكلتا يدي.

حيث أتذكر حينئذ بشكل جيد

البِرْكةَ وسط الدغل

والخشخشة المكتومة لشجر الحور.

وأنه ثمّة لي أب وأم يعيشان في مكان ما،

وأنَّ كل أشعاري لا تساوي ” تفلةً ” بالنسبة لهما،

وأنني عزيز عليهما، كما الحقل وكما الدم،

كما المطر الذي يبعث الخضرة ربيعاً .

هما سيأتيان لكي ينحراكم بالمذاري

لقاء كل صرخة يرميني بها أحدكم .

يا للفلاحين الفقيريَن، الفقيرين!

على الأرجح أنكما أصبحتما عاجزين مجعدين،

وأنكما ما زلتما تخافان الربّ وأعماق المستنقعات.

أواه، ليتكما تعرفان،

كيف إن ولدكما – أشهر شاعر في روسيا!

ألم يكن الصقيع يغطّي قلبيكما خوفاً على حياته

عندما كان يبلل قدميه الحافيتين في برك الماء الخريفية؟

أما الآن فهو يرتدي قبعة عالية

وحذاء من الجلد اللماع.

ولكن تحيا في داخله الحرارة السابقة

لفتى شقيّ من القرية.

فهو ينحني عن بُعدٍ

لكلّ بقرة عند لافتة دكان اللحوم.

وهو مستعدّ، عندما يلتقي بالحوذيين في الساحة

وقد تذكّر رائحة الزِبْلِ في حقول القرية العزيزة،

لأن يحمل ذيل كلّ حصان، كما لو أنه رِفْلُ فستان للزفاف.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق