كوابيس

(.. سيلٌ يغمر شوارعَ مدينةٍ غريبة. تحضن طفلَكَ، تلفُّه بالمعطف، وتركض. تركض. تركض..

بحثاً عن أيّة محطة. حين تُدْرِكُ دائخاً أنك لن تصل، تَكشف الغطاءَ: أنفاسُ الطفل بطيئة، وجهه

شمعٌ، عيناه تتدحرجان في الداخل..)

(.. في قاع البحر تتناثر أعضاؤكَ آلاتٍ موسيقيةً زرقاءَ فوق مرجانٍ أبيض، تؤدِّي لحناً جنائزيّاً

أمامَ سمكةِ قِرْش تُحرِّك بين فَكَّيْها عَصا مايسترو دامية..)

(.. تَقرأ كتاباً خفيفاً في ظِلِّ شجرةِ دلب. يقتحم الحديقةَ عمالقةٌ بِلِحىً طويلةٍ بَرّاقةٍ كالفؤوس،

يجزّون بها جذوعَ الأشجار، ثم يُطَوِّقونكَ مُهرولين مُقَهْقهين..)

أيّاً كان الكابوس. في ذروة الرعب، ينتشل خناقَكَ مِن يديه صوتٌ خفيضٌ حازم:

” سأنتصر عليكَ بالصَحْوِ”. فتصحو.

لمن هذا الصوت؟

لطفلٍ لَقَّنَهُ عِراكُ الأشباحِ في القَبْوِ الباردِ مهارةَ كَسْرِ زجاجِ النوم بأحجارِ اليقظة ؟

أم لرجلٍ اعتادَ أنْ يَبْريَ سهامَ حواسِّه في أبَدِ الوحشةِ الفاصلِ كلَّ ليلةٍ بين مقبضِ البابِ والسرير؟

ماالذي أبقاه كلَّ هذه السنين مُتَّقِداً قريباً؟

وَهْمُ الفتوَّةِ أنَّ المَنامَ مسرحٌ والصحوَ ميدان؟

أم يقينُ الكهولةِ أنْ لا نجاةَ مِن تَنُّورِ اللُجَّةِ إلاّ بِفَيْءِ الشاطئ؟

” سأنتصر عليكَ بالصحو”.. أيَّةُ ستارةٍ تُسْدَلُ فجأةً على منصَّةِ الأعماق قَبْلَ اشتعالِ الحَبكة!

أيَّةُ عِصِيٍّ يَدسُّها النهارُ في عَجَلات الليل!

أيُّ حَبْلٍ أمْلَسَ يُدَلِّيهِ الوعيُ إلى بئر الباطن!

تنتصر؟!

لو اطَّلَعْتَ على ما تحت الجِلْدِ، لرأيتَ شظايا كُسورٍ وأخاديدَ أنينٍ وكَدماتٍ حارَّةً لا تُحْصى.

بالصّحو؟!

هل الصّحوُ إلاّ ماءٌ مسمومٌ يَرشُّه جلاّدُ الوقتِ على حُمّى السّجين؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This