العَلمانية في الوطن العربي الضرورة والعوائق

         ما زالت إشكالية العلمانية تثير جدلا واسعا داخل أوساط المثقفين وفي مواقع السياسة. ويحتدّ هذا الجدال في الأزمات الطائفية ومع تنامي المدّ الإسلامويّ في الوطن العربيّ.

      ولئن حاولت كتابات عدة تناول إشكالية العلمانية تناولا معمّقا واصلة هذا المطلب بمطلب النهوض الحضاريّ الشامل، سياسيا وإقتصاديا وثقافيا، فإنّ هناك كتابات تحضر فيها العلمانية كشعار أو كردّ فعل شعوريّ دون بحث في تاريخيتها وعوائق عدم تحقيقها في الوطن العربي، لقد اشتقت كلمة “لائكيّ” من المصدر اللاتيني Laїcus وهو المرادف لكلمة Laїkos.الإغريقيّة التي تعني الذين ينتمون للشعب ويتمايزون عن رجال الدين اللذين تناط بعهدتهم إدارة الطقوس الدينية ويتطابق هذا المعنى في اللغات اللاتينية والإغريقية مع مدلوله في اللغة العبرية، حيث يتمايز خدّام المعبد عن بقية اليهود.

       ومن الأخطاء الشائعة اختلاط كلمة ” عِلمانية” مع كلمة عَلمانية لذلك وجب التمييز بينهما في مستوى المدلول، فالأولى مصدرها العلم والثانية مشتقّة من العالم وهي خلاف الكهنوتيّ والدينيّ، لذلك تُعني بالدنيويّ. ويجد هذا المفهوم إرهاصاته الأولى في التفكير الفلسفيّ والتشريع الإغريقيّ والرومانيّ القديمين.

       لقد جسّدت العلمانية في أروبا قطيعة شاملة مع رؤى وذهنية إقطاعية ميتافيزيقية ” فمع إنطلاق البرجوازية كان العالم يتزلزل تحت أقدامها مستندة الى تيارات ثلاثة : الأوّل قاده لوثر ” عندما حطّم دكتاتورية الكنيسة الروحية، والثاني أطلقه ” كوبرنيك” الذي حرّر علم الطبيعة في اللاهوت، والثالث صاغه “ميكيافيلي” الذي حرّر السياسة من الميتافيزيقا(1).

       هكذا إذن تجسّدت العلمانية في أروبا ضمن مسار تاريخيّ سياسيّ حضاريّ شامل وجد أساسه المادّيّ في صعود طبقة جديدة الى الحكم خرجت من رحم القديم وانفصلت عن قيمه وتقاليده وأسسه الإقتصادية وتنظيمه السياسيّ، فصاغت أسسا جديدة لعلّ أهمها فيما يتّصل بموضوعنا.

– حرية الفرد في التعبّد يضمنها قانون الدولة الديمقراطية.

– حياد السلطة تجاه الأديان والمساواة بين المواطنين بقطع النظر عن دينهم وعرقهم.

– إشراف الدولة المدنية على مختلف النشاط البشريّ.     

      هكذا إذا كانت العلمنة في أروبا ” إحدى التظاهرات الفرعية لعملية عقلنة المجتمع فلم يعد كتاب الغرب المقدس رؤيا القديس يوحنا بل أمير ميكيافيلي واضع أسس علم السياسة الحديثة” (2).

      أما في الوطن العربي فقد ظهرت الإرهاصات الأولى للعلمانية في لبنان وسورية ثم مصر وتونس خلال القرن التاسع عشر وبشّر بها مفكّرون لعلّ أبرزهم شبلي الشميل وفرح أنطون.  ولئن وجدت العلمانية في أروبا رواجا كبيرا بسبب تحقّق جميع شروطها السياسية والإجتماعية والثقافية، فقد قوبلت في الوطن العربي برفض شديد لافتقارها الى مقدّمة سياسية وحاضنة إجتماعية وتهيئة ذهنية ” لجمهورمن المؤمنين” غارق في التقليد وطامح للمستقبل ملبسا إياه عباءة الماضي، كلّ الماضي‼

   لو عدنا الى التاريخ وتتبّعنا تاريخية تكوّن الفكر العربيّ الحديث وتاريخية تكوّن البنية الإقتصادية والسياسية الحديثة، لا للسرد والإخبار بل للنظر والتعليل وفقا للمنطق الخلدوني، لساعدنا ذلك على معرفة أسباب عدم تأصّل الخطاب العلمانيّ داخل الفضاء العربيّ.

     فلنوضّح ذلك أكثر، لقد انطلقت محاولات إرساء دولة حديثة في الوطن العربيّ على النمط الأروبي خلال القرن التاسع عشر من خلال محاولات محمد علي باشا في مصر وخير الدين باشا في تونس وداوود باشا في العراق. وقد تزامنت هذه المحاولات الجريئة والطفولية في آن مع الغزو الإستعماريّ للوطن العربيّ فتمّ كسر ذلك التطوّر العربيّ المندفع نحو المستقبل وعرقلة مساره الطبيعيّ فلم يتحوّل المجتمع العربيّ الى مجتمع برجوازيّ محض وبقيت البنى التقليدية القروسطية قوية وراسخة بل استغلّها الإستعمار بما يخدم مصالحه ولعلّ في موقف الزوايا منه (الإستعمار) أبرز دليل على ذلك.

     لقد كانت نشأة البرجوازية في الوطن العربي نشأة مأزومة في مستوى بنيتها الإقتصادية والسياسية، في مسارها ووظيفتها وبالقوة وبالفعل كان وعيها مأزوما متصالحا مع التقليد، نافرا من الحداثة والعقلانية والعلمانية…لأنه مرتبط بإيديولوجيا مهزومة، ولئن يتمتع الفكر بإستقلالية نسبية عن الواقع فإنه يبقى مرتبطا بشرطه المادّيّ، لذلك فإنّ هذه الولادة المأزومة ساهمت بدور غير ضئيل في الأزمة الثقافية وإنحسار الخطاب العلمانيّ.

     فلقد اقترب خطاب مفكّري النهضة من العلمية إلا أنه سرعان ما ارتدّ نحو السلفية وفكرة الخلافة جزئيا أو كليا بعد التوثّب نحو الإصلاحية النهضوية.

إنّ محمد رشيد رضا يمثل تعبيرا مكثفا عن هذا التراجع في كتابه ” الخلافة أو الإمامة العظمى”(3).

أما القاع الإجتماعيّ المتمثّل في ” جمهور المؤمنين” فقد رفض العلمانية بحجّة أنها فكرة استعمارية، فالغرب عنده كتلة متجانسة لا تشقّها متناقضات، في مجمله شرّ وكفر وطغيان. لذلك فقد قاوم الإستعمار بإسم الماضي وليس بإسم المستقبل.

 إنّ الفرق واضح بين أن نلتفت الى الماضي الحضاريّ لننهل منه المحرّض على التقدم وهو ما يساعد على ” تحقيق وثبة كبرى على صعيد التوازن النفسيّ والعاطفيّ” على حدّ عبارة “فرانز فانون” وبين الانسحاب من الحاضر والمستقبل نحو الماضي للتعويض عن الهزيمة حيث تصبح ” الشعوب هي الماضي ملقى على هامش الراهن أو الحاضر، تعيش في غير عصرها” (4).

     ذلك هو الوعي المفوّت أي وعي خارج تسلسل الأحداث، على عكس الوعي المطابق” الذي يفترض مقاومة ضمن أفق حداثيّ ” فكلّ أمّة تريد أن تتعصرن لا بدّ أن تُكونِنَ وعيها”(5) أي أن تعي الفرق بين تخلّفها والتقدم في العالم دون أن تتخلّى عن ماضيها النيّر والمضيء. لذلك فالنفور من العلمانية يندرج ضمن نطاق الوعي المفوّت، وهو ما تتمسّك به الحركات الإسلامية حيث الإسلام دين ودولة، والشريعة الإسلامية صالحة لكلّ زمان ومكان، في تطبيقها تقدم للبشر واتّباع لمنهج النبيّ وأصحابه. وهكذا تدعو هذه الحركات إلى أسلمة المجتمع، ناهلة مقولاتها من تراث لا عقلانيّ ككتابات إبن تيمية وإبن قيّم الجوزية والغزالي… كارهة لإبن رشد والمعتزلة شانّة حملات التشويه على ذوي الأفكار الحرّة والنهج العقلانيّ كطه حسين وعلي عبد الرازق…

     إنّ التمسّك ببرنامج تطبيق الشريعة الإسلامية وبفكرة الدولة الدينية مبنيّ على أسس لا علمية ولا ديمقراطية مضادّة للمواطنة. فالدولة الدينية لا تستطيع أن تؤسّس لقواعد عامة تساوي بين المسلم وغير المسلم وبين الرجل والمرأة ” فكيف لدين المؤمنين أن يكون في الوقت نفسه دولة المواطنين؟ وكيف لشريعة البعض أن تكون قانون الجميع” (6).

     إن هذا مرفوض منطقيا قبل أن يكون مرفوضا سياسيا، فالمواطنة تجاوز نوعي للفروقات المبنية على أساس العرق والدين وشعور المرء أنه جزء من جماعة إنسانية مسؤول عنها وأمامها. له حقوق وعليه واجبات حيث لا يوجد من هو أدنى لإنتسابه الى دين معين أو مذهب محدد… ولا يوجد من هو أعلى. فالمواطنة تفترض الندية والمساواة. لذلك فالعلمانية في ارتباطها بمطلب المساواة والديمقراطية هي الأساس للعيش المشترك في العصر الحديث حيث تسود القيم التعددية وتتراجع القيم الواحدية، حيث يسود الإندماج لا الإنعزال والتقوقع داخل أطر مغلقة وتستمر أشكال التضامن التقليدية كالعشائرية والقبلية والطائفية… وما يتنج عنها من ثأر وذكورية وإقصاء…

     إن الإسلام السياسيّ بتفرّعاته المختلفة والدولة الدينية في مجملها تسقط في مزالق لا مخرج منها فهما الى جانب أنهما لا يجيبان على مشكلات الفقر والتخلف ” ينقلان الوعي الى تكوينات جزئية مما يكسبه قيمة سياسية” (7)وهكذا يتطيّف المجتمع ويتفكّك الوطن حيث تتصارع الطوائف صراعا لا يدفع الى الأمام بل يجرّ إلى الخلف. كيف ذلك؟

     فلننتقل من المجرد الى الملموس والمحسوس من خلال ملامسة ذلك في الوطن العربيّ حيث تتعدّد المذاهب والطوائف… ولنأخذ المثال اللبنانيّ.

     إن الطائفية في لبنان جرّته الى حروب أهلية طاحنة، سببها الأساسيّ بنية لبنان السياسية الطائفية. فالحروب التي شهدتها لم تكن صدفة عارضة بل بالعكس كانت احتمالا مطروحا يتزايد أو يتضاءل وفقا للتوازنات الطائفية، فالميثاق المسمّى وطنيا لسنة 1943 لم يؤسّس لأكثرية وطنية تؤسس للعلمانية والديمقراطية بل أسّس للطائفية السياسية وبالتالي فالديمقراطية المزعومة في لبنان ذات محتوى طائفي حيث تتوزع المناصب السياسية وفقا للكمّ الطائفي وليس وفقا للمصلحة العامة للمجتمع.

       من البديهيّ أن لا يعتبر كلّ تجمّع بشريّ مجتمعا سياسيا بالمعنى الحديث. فكلّ تجمع يبقى في حاجة الى تغيّر جذريّ في ذاته أي يبقى في حاجة الى المواطنة، أي إلى سيرورة اندماج وطني على أسس علمانية وديمقراطية أمّا الاكتفاء بالتوازن الطائفي فهو يجعل المشاركة السياسية احتجاجا طائفيا على وضع طائفيّ وليس إحتجاجا علمانيا وديمقراطيا على وضع طائفيّ.

     إنّ الميثاق الطوائفي سنة 1943 في لبنان كان السبب الرئيسيّ في الحرب الأهلية من 1975 الى 1989 أما إتفاق الطائف فهو لم يتجاوز الأزمة بل كرّسها. لعلّ الموقف من المرأة يعبّر تعبيرا مكثّفا على ما سبق حيث يمنع التزاوج والتزاور بين المسلمين والمسيحيين ما عدا قطاع محدود من المثقفين.

     إنّ نموذج لبنان ينسحب على مجمل أقطار الوطن العربي ولعنا نتذكر الأزمة الطائفية التي اندلعت في مصر في 28 سبتمبر 1977 واعترفت بها حتى الدولة المصرية حيث أحرقت كنيسة قبطية، ثم في أوت أحضر قانون لإعدام كلّ مرتدّ عن الإسلام مما هدّد الأقباط. ورغم التراجع عن القانون فإنّ وضعية الأقباط في مصر بقيت سيئة.

     إنّ التعدّد الطائفيّ والمذهبيّ في الوطن العربي يجعل العلمانية شرطا ضروريا لتأسيس انصهار وطنيّ يقوم على المواطنة، والمسألة ليست ردّ فعل شعوريا إزاء الإسلاميين بل هي التزام بقواعد مؤسسة للعقل الإجتماعيّ والسياسيّ الحديث” فنصير قضية العلمانية هي كون العقل حليفها أي حليفة للعام العقلي الذي لا يعرف استثناءات وهي من هذا الباب حليفة للعام الإجتماعي”(8).

     إنّ العلمانية في الوطن العربي ظلّت مأزومة ومهزومة لافتقارها الى مقدمة سياسية وبديل حداثيّ وحليف عامّ إجتماعيّ له المصلحة في نجاحها، فحتّى النموذج التونسيّ الذي يتباهى به البعض ظلّ مثالا قاصرا لعدم ارتباطه بنهوض وطنيّ شامل سواء في القانون كقانون المواريث أو في مستوى القاع الاجتماعيّ الذي ظلّ يحتكم الى آليات تفكير قروسطية ويهيمن عليه التقليد.

     ذلك هو الفرق بين العلمنة السطحية وبين النظر الى العلمانية كمجرد تظاهرة فرعية من عملية عقلنة المجتمع ككلّ.

    فالعلمانية تبقى في حاجة الى حامل اجتماعيّ لا يضمن المساواة في السياسة فحسب بل يؤسّس الى إجماع جديد في الاقتصاد والثقافة أيضا، ذلك هو الأساس المادّيّ المتين الذي تقوم عليه العلمانية حيث النهوض الحضاريّ العامّ شرط عامّ لنجاحها.

فيصل محيمدي: طالب من تونس    

المصادر:

(1) ياسن الحافظ، الأعمال السياسية الكاملة
(2) نفس المصدر
(3) عبد الإلاه بلقزيز- رضوان السيد، أزمة الفكر السياسي العربي.
(4) ياسين الحافظ، الأعمال السياسية الكاملة.
(5) نفس المصدر.
(6) ياسين الحاج صالح، مجلة آداب: أفكار العلمانية والإسلامية والدولة.
(7) نفس المصدر.
(8) نفس المصدر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق