الأصولية وطوفان الإرهاب

برز الأصوليون بروزاً واضحاً في المرحلة الثالثة من مراحل طوفان الإرهاب حسب وصف المستشرق الفرنسيّ والمتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية فرانسوا بورغا في كتابه “الإسلام السّياسيّ في زمن القاعدة”. حيث يؤرخ بورغا لثلاث مراحل من مراحل الأصولية.

{{1- المرحلة الأولى}}، وتبدأ من تاريخ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية بمصر عام 1928، وتمتد هذه المرحلة إلى عام 1950 تقريباً. حيث وجدت هذه المرحلة تحدّيات كثيرة في مصر وخارج مصر. ففي مصر حاول الإخوان المسلمون بمساعدة شيخ الأزهر مصطفى المراغي، إعادة إحياء الخلافة الإسلامية التي أطاح بها في تركيا كمال أتاتورك عام 1924، ولكنّ الإخوان فشلوا في محاولاتهم مع الملك فؤاد ثم مع الملك فاروق. وكان حزب الوفد وحزب الدستوريين العَلْمانيان يقفان للإخوان بالمرصاد، ويحولان دون خطف الدولة المصرية العَلْمانية لتصبح الدولة المصرية الدينية.

{{2- المرحلة الثانية}}، وتبدأ من فجر الاستقلال العربيّ الذي تمّ بعضه قبل عام 1950 كسوريا ولبنان والأردن، ويمتدّ حتى عام 1990. وفيها تعرّضت الأصولية للسّجن والتعذيب والقتل والطرد من الحلبة. وسادت في هذه الفترة وخاصّة من 1952-1970 الموجة القومية المناوئة للاستعمار التي قادها عبد الناصر. ولكن بدأ صعود الأصولية من جديد في عهد الرئيس السادات (1970-1981) عندما أطلق يد الأصولية في المعاهد التعليمية وفي الصّحافة لكي يقلّل من ضغط الناصرية وأتباعها عليه، ولكي يمهّد لطرد الخبراء الروس من مصر والانفكاك من المحور السوفيتيّ، والاتّجاه نحو الغرب وأمريكا بالذات،حيث كان يعلن أنّ 99% من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط بيد أمريكا. كذلك شهدت هذه الفترة انتعاشاً كبيرة للأصولية في الخليج العربي وخاصّة في السعودية والكويت واليمن، نتيجة لتدفّق الإخوان المسلمين الهاربين من مصر وسوريا. وتركت هذه الفترة بصمات واضحة على جيل أسامة بن لادن الذي تلقّن في السبعينات آراء سيّد قطب بفضل شقيقه المدرّس بجامعة الملك عبد العزيز محمد قطب، والتي بعدها سافر ابن لادن إلى الباكستان وأفغانستان لكي يشارك في الحرب ضدّ الاحتلال السوفيتي لأفغانستان.

{{3- المرحلة الثالثة}}، وتبدأ بعد حرب الخليج 1991 إلى الآن 2008. وفي هذه المرحلة تمَّ تشكيل تنظيم القاعدة، وانتقال ابن لادن من السودان إلى الباكستان ثم إلى أفغانستان عام 1996. وفي هذه المرحلة تشكّل تنظيم “القاعدة”، التي قامت بعدة تفجيرات في الرياض عام 1995، والخبر عام 1996، وتفجير سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا عام 1998، ثم التفجير الأكبر لبرجي نيويورك 2001. ويقول فرانسوا بورغا عن هذه المرحلة بأنها المرحلة “التي ترسّخ نوعاً من النقلة في المشهد العالمي، أو بالأحرى عودة إلى الدوليّ لحركات الكفاح المعارضة في الوطن العربي.” (الإسلام السياسي في زمن “القاعدة”، ص59).

{{توسيع هوّة سوء التفاهم}}

ويلاحظ فرانسوا بورغا أنّ العلاقة المشتركة بين الأزمنة الثلاثة هذه (وطنيّ وإقليميّ وعالميّ)، هي أنها وسعّت تدريجياً هوّة سوء التفاهم بين ملايين المواطنين في منطقة كاملة من العالم، الذين يعتبرون أنفسهم ضحيتها من جهة، ومن جهة أخرى ائتلاف المستفيدين منها على المستوى العالميّ، أو الإقليميّ، أو ضمن مختلف المناصب الوطنية: الإدارة الأمريكية وحلفاؤها الإيديولوجيون المحافظون الجدد، ثم الدولة العبرية، التي يدعمها بقوة رأيها العامّ وقدرتها القوية على الاتصالات، ثم النّخب الحاكمة العربية، المجرّدة غالباً من أيّ دعم شعبيّ. هذا الإخفاق المتكامل للضبط السياسيّ لتوترات العالم هو الذي ساهم إلى حدّ ما في بداية التسعينات في فتح علبة الباندورا (علبة الشرور في الأساطير اليونانية) للراديكالية الإسلامية. (الإسلام السياسي في زمن “القاعدة”، ص 61).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق