مكابدات التيه في فندق عدن (يوميات باريسية)

(1)

أكتشف باريس  في نهار المطر أو مساء  قوس النصر في ساحة النجمة، سرنا من فندق كونكورد لافاييت: مجموعة من الأصدقاء  والزملاء الذين يحضرون مؤتمر حرّية التعبير والتنمية الإعلامية، أجيال مختلفة واتجاهات متباينة  وفي  ساحة الايتوال  اقترحوا أن نمضي الأمسية في الحيّ اللاتيني، نكتشف الأزقة  وننهي التجوال في مطعم من مطاعم الحيّ الصغيرة التي تبوح بهويتها  موسيقى  شعبية  وروائح أطباق ساخنة وملابس بعض الندل والعاملات ..

مررنا بمقهى للمثليّين لم تكن هناك أيّة امرأة، تصوّروا في باريس  مقهى دون نساء، وحشة وجودية وعالم ناقص، لكنّ النّساء السّائرات  في الأزقّة  كنّ يلتفتن إلى الحشد الضاجّ لمقهى الرجال ويبتسمن بخبث أنثويّ لانعدام فرصة مرافقة  رجل في ليل الشتاء والموسيقى ..

ثمّة في الحيّ مطاعم يهودية تقدّم الشاورما والفلافل والحمص والتبولة  كتراث يهوديّ! عربيّة  تستدرجك  بتوابلها المثيرة ويونانية تميّزها موسيقى البوزوكي  والمشروبات والأطباق  المتوسطية، أمّا الصينيون واليابانيون والهنود فلهم أحياء  تخصّ ثقافاتهم الآسيوية  ومذاقات أطباقهم  المتبّلة بالبهار وعبق البخور الخانق..الصينيون  يحتلّون (بلفيل) والهنود لهم  منطقة ( لاشابيل)

  اختار الجمع  مطعما يونانيا أشبه بمقهى ريفيّ على سفح جبل إغريقيّ ماثل بآلهته الغاربة..

كنتُ وحيدة تماما  بين هذا الجمع  من البشر ذوي المواقف والأهواء المختلفة، كانوا يتحدّثون بأصوات  حادّة  ونبر عربيّ عال والسياسة  موضوعهم  ونبوءات  عن وطن  يتلاشى في التاريخ  وتكتم أنفاسَه  صراعاتُ الفقهاء   والنظم الدينية، احتسوا الأنبذة  والمرطّبات ولحوم الضّأن المشويّة على الطريقة الرّيفية اليونانية بأعشابها ونكهتها التي تحيل إلى قرى  معلّقة على الجروف  الصخرية  بين أشجار الزيتون المعمرة   والأعمدة الهيلينية على مشارف أثينا، كنت ساهمة  بين الحشد  والنقاشات تعلو على موسيقى ثيودوراكيس، تناقش الشباب الأكاديميون مع الإعلاميّين بمنطق  توفيقيّ يراوح بين  القبول بالنزعات الدينية واعتبارها إفرازا واقعيا  لمجمل ما مرّ به العراق من تأسيس الدولة الحديثة حتّى اليوم وبين رهان البعض منهم  على انحلال  التشكّلات الدينية وتفجّرها من داخلها  نتيجة الصراعات  التقليدية على المناصب ومصادر المال والهيمنة على المناطق الغنية بالبترول والمعادن..

نقاشات  ضاجّة ووثوقية جدّا وكلّ يصوّر نفسه  مالك الحقيقة  النهائية وسيّد التأويل في طبيعة الطوائف والقبائل والإثنيات والسياسات..

يصيبني الدوار من كلّ هذا الذي يدور   فالحوارات تنطوي على قدر كبير من النرجسية أو الاستعراض الذي  يتعاطاه  محترفو المؤتمرات وبرامج  التوك شو..

(2)

  لا أحد يعرف أين تنتهي الأحداث المتوقّعة وأين تبدأ المصادفات  – وما وجودي  في باريس  التي يحلم بها الآخرون-  إلاّ محض مصادفة  لم أحتط  لها  أبدا، لم أضعها في الحسبان ولم أحلم  بها إلا  وهجة   نور  نائية ومستحيلة وبالتالي  لم أنبهر بها  كما  ينبغي  لمن يراها  أوّل مرّة، جمال باريس المتاح اكتمال  تاريخيّ  وفتنة أمكنة وتراكم عصور، لا يسعك  الإمساك  بشيء منها  أو تحاشيها وسيكون عليك أن تكابدها  كوليمة مقدّسة، تفتنك بروائحها وأناقتها وتنوّع عمارتها وزيناتها الملهمة وألوانها ومفاجئاتها  وغرائبها..

الولائم المقدّسة لا تخصّني  وليس لي أن أعوّل على وهم جديد ليتبدّد كما تبدّدت أوهام جيلي، فأنا  من الذين غادروا فلك الدلال ورفاه العيش إلى التشرّد   والإبحار في قارب مترنّح وسط العماء، كيف لي أن أنبهر بباريس إذن وأنا  وسط طوفان مضطرم من الغربة والغرباء  والغرابة؟؟

مصادفة في نهار بارد مثلج أغادر فندق كونكورد لافاييت الذي اكتشفت  باريس الضوئية من أعالي طابقه السّادس والثلاثين- أغادره  بعد انتهاء المؤتمر الدوليّ لحرّية التعبير والتنمية الإعلامية الذي دعيت إليه من قبل اليونسكو لأقصد  فندقا متواضعا في الدائرة الخامسة عشرة اسمه ويا للمفارقة : فندق (عدن): بداية رحلتي في مواجهة العدم الجديد..

    (عدن) كان أوّل نقطة لي في التعاطي مع  متاهة المدينة الكوزمو بوليتانية  المغوية، حياة باريس أشبه بالكاروسيل –دوامة الخيول الدوارة  في السيرك –  تدوّخك وتدور بك  ثمّ تباغتك بالنهاية الوشيكة  لتهبط إلى الأرض، مترنحا  ووحيدا وفي ثيابك  بقايا رعشة وفي قلبك بقايا  غبطة طفولية: أنت  في باريس !!..

حياة  جذلة، عابر سحرها،  مؤقّت  كشمس النهار، متغيّر، ومخادع، سحرها  مجون  الزمن في  اللامكان، جنون البشر في اللازمان، كأنّ  قيام الساعة آت  بعد بضعة أنفاس من هواء  الشتاء، مدينة لفرط اشتغالها بالخيال  تبدو أشدّ واقعية من الحلم بها، وإذن  فلأكن قادرة على تحدّي واقعيتها المرّة  وعدميتها  وجموحها..

    مقاهيها أرصفة الحوار وتاريخ  القراءة  وصباحات  القهوة  أجالس نفسي وأحاور وحشتي في المقهى، قهوة الأسبريسو  وقطعة الشوكولا  الصغيرة  معها  توقظني على وحشة القلب، في بلد أجهل لغته  ويعاملني كطارئة  عابرة  ونكرة في درجة  الصّفر.. 

  استعمار العراق لسوء حظّي كان بريطانيا ولغتنا الثانية هي الإنجليزية  والفرنسيون يحمون لغتهم الساحرة من طغيان اللغات الأخرى ويرفضون   النطق  بأيّة لغة أجنبية  فهم  مولعون بالموسيقى الصادحة للغتهم  ولكنة باريس  شبيهة تغريد العصافير في متنزه  اللوكسمبورغ   ..

العدم  في عدن باريس هو  المسافة ما بين  كينونة  ناجزة  مهددة  وصيرورة   مستحيلة، وهو حالة من ضياع  القصد  والدوران  في حلقة  مفرغة من ضلال  الخطى ..

عدم يسمّونه اصطلاحا: اللجوء  ويسمّونه المنفى ويتعطّفون عليه  قليلا أو كثيرا  فيسمّونه التغرّب أو يضفون عليه سمة الخيار الواعي فيكون مهجّرا غير أنه يبقى ذلك العدم  المقرون بالاقتلاع المرير والتشرد ..

وأنا المرأة الغريبة التي هربت من الموت المتاح إلى عدم متاح لتقيم في فندق  هو صورة مقلوبة لجنّة عدن وغرفتي في الطابق الثالث تطلّ على بار يلفظ  بعد انتصاف الليل السكارى والغانيات الخلاسيات والفتيان المزينين بالسلاسل والأقراط  وينثر الأغاني اللاتينية الشجيّة التي تدحضها بغتة ضجّة الدراجات النارية ليتلاشى الفجر في دخان العنف ولغات  من عتمة  وجراح..

المرأة الغريبة في المدينة الغريبة تسير كمن تلتهمه متاهة  فراغية ببراثن من  ندم  وشجن، تتّجه إلى مجهولات وتقنصها عين العاصفة، لاشيء ينجيها سوى الكلمات، فكرتها تولد بلغتها وسط بلبلة لغات وسحنات وأعراق، هي بين  الغرباء تلوذ بلغتها، تفكّر وتحيى وتتحرّك في ممرّات لغتها وفضاء الكلام، تعوم في نهر من مفردات لغتها، واللغة الماء تتدفّق حولها ومن أعماقها وأنفاسها، ومن ضفّة غامضة ينهمر مقطع شعريّ، ومن زاوية في الذهن تنبثق حكاية، وفي الدم تترنّح عبارات حبّ، في العصب تموج مفردات فكر، تسمع كلمات من أبعد  الجهات، بلغتها تسمع وتتلقّى من مدى مجهول صوتا ماطرا يغيث وحشتها  ، صوت يتخذ سيماء وطن مقترح ويترامى ما بين شجونها ومتون  النصوص..

تنصت لوقع العبارة، تصغي لأصوات غامضة تنقضّ عليها من جنبات الأمكنة لا تدري من أين تجيء وإلى أين تذهب، الأصوات حمّالّة لغتها، والذاكرة ترسل إشاراتها عبر مفاصل الوقت استعارات ومخزونَ بلاغاتٍ وكناياتٍ، تحدّق مهتاجة الروح  مما يدور في الشوارع الكبرى لمدينة  ثملة بالحياة  وتحتمي بلغتها  كقميص مضادّ  للضلال  .. ضلالها وضلال البلاد..

اللاب توب  مثلها أصابه عطب، الماكنة الذكية تحتج على فرط التنقل  والغرف الموحشة، فلا تستقبل الطاقة ولا تخزنها  فكيف ستكتب أيامها؟؟، يقترح عليها مالك الفندق الصحفيّ اللبنانيّ جورج  صليبي -الذي يصدر مجلة متخصّصة بالسيارات- أن تذهب إلى منطقة لا ديفونس  وهناك ستجد عشرات  المحلات  التجارية  للحصول على محولة  جديدة للجهاز ..

من محطة مترو  فوجيرار الخط 12  تستقلّ القطار النفقي إلى محطة الكونكورد لتستبدله  بمترو رقم 1  المتجه إلى لا ديفونس ..المعطف  لا يدرأ عنها  برد المدينة الغريبة ولا طاقية الصوف والقفازات،  البرد ؟؟  لا  ليس برد أوروبا وسماوات الرماد، إنه ذلك الجليد الذي يتشكّل في أعماق روحها  ووحشتها وصمتها، هو بردها  الكاسر لا  برد المدينة الممطورة  وريحها الشرسة  تحت  القوس التذكاريّ العملاق  في منطقة لاديفونس.

     تنبثق المدينة من حلم  لتصير واقعا  حافلا  بمجازفات وسوء فهم  بينها وبين الغريبة، ليس بين الغريبة والمدينة غيرهبوب العطر  وشذا الخبز  ورائحة القهوة، العطر  غوى، والخبز حياة، والقهوة مزاج  وهي في تيه ومتاهة،لا تغوى  ولا تحيى ولا يرقّ  لها مزاج، باريس مدينة حاضر تتحشرج فيه أنفاس الغريبة  التي لا حاضر لها. غادرت التاريخ لتكون بلا  غد.

هنا  المقاهي والمفكرون والقراء ووطأة الغلاء وساعات العمل الضاغطة والبشر العابسون المسرعون بمظلاتهم وكلابهم وحقائبهم إلى محطّات المترو والمتريثون في عناقهم  وسط الحشود الساهمة المتعبة، هنا  ليل الموسيقى اللاتينية والحانات الصغيرة والنساء الخلاسيات والسوداوات البدينات  والمطاعم  الصينية وباعة الذرة المشوية وصيّادي السائحات الثملات ..   هنا المظاهرات  والمشرّدون  اللائذون  تحت جسور الطرق السريعة  والكحوليون  يفترشون أسمال الشتاء على أرصفة غادرة، هنا المتشددون  والنساء المنقبات المترنّحات  على سلالم تصعد أو تهبط  ما بين الشرق والغرب، يشهرن  الهوية الهشّة قطعا من قماش أسود  تقول الاختلاف  المتشدّد وتعلن  الخلاف في تعاطي الحياة  مع أهل البلاد.

والغريبة تسير مسرنمة  كمن غادر الشرق  قبل انبلاج الضياء، طيف رجل ناء  يراود ضوءها الكامن، وتحتاط من طواف الطيف حولها، توقف غواية التآلف  وتتقدّم  في الزمن .. ..

(3)

لا بأس أن تدندن أغنية عراقية شجية،  الغناء يبرهن لها أنها تحيى في لغتها وتعبر اللّجج ودوّامات البحر، ولا احد معنيّ بامرأة تغنّي وحدها في الشارع، ترفع صوتها لتسمع نبر اللغة من أعماقها، النبر متموّج والإيقاع على بحر المتدارك أو ربّما على بحر الوافر، هي غير أكيدة من شيء، اللغة توقظ في جسدها اللوعة لأشياء تتداعى تباعا أمام ناظريها ترى الأشياء وتسمّيها بلغتها: هذه انعطافة نهر السين، هذا رصيف الفنّ، هؤلاء مهرّجو الفرجة، هذا بائع الموسيقى النّوبي يتسوّل بأنغام العود. هذه  امرأة افريقية  تعانق  رجلا أشقر، هذا مطعم تركيّ ومجزرة إسلامية تبيع اللحم الحلال إلى جانب محلّ يبيع  الحلال اليهودي الكوشر، وهذه  امرأة   بنقابها وقفازاتها السود تجرّ وراءها  عصورا من  ذلّ الإماء ..

تشمّ الغريبة أشذاء وتسمّيها كما ألفت الأسماء في بيت لغتها: هذا فَوْحُ ليلَكٍ، وذاك عطرُ زنبقِ النّهارِ وهذا ياسمين مشرقيّ وهذه نكهة خبز القمح وهذا شذا شاي منعنع، ضوعُ كافورٍ وعبقُ سدرٍ، الأشجار لها أسماؤها الأخرى هذه شجرة دردار لا تعرف ماذا تسمّى باللغات الأخرى، هذه شجرة كستناء وأشجار حور وشربين، أبواب المدينة لها أسماء ملكية: بورت دي اورليان، بورت دوفين وبورت دي سان كلود  بورت دي لاشابيل، كم بابا للمدينة، عشرة أبواب؟ ثمانية؟ لا تعرف.. هي تعرف أبواب مدينتها الزائلة، كم بابا بقي لبغداد؟ كلها اندثرت إلاّ الباب الوسطاني، تستنهض ذاكرتها لتنجدها بالاسم الأصيل للباب، باب الطلسم؟ لا .. ولا باب كلواذا؟ أيّ باب هو؟ ربّما هو باب الظفرية.. أجل هو ذا، الظفرية لأنّ حصنه استعصى على جيش المغول، الباب الوسطاني أجمل، اللفظة أسهل ولها إيقاع التوسّط بين المتضادّات.. الآن  لا باب  لبغداد غير إثنين   باب الجحيم  وباب  الهروب..

شوارع باريس تخطفها من لغتها، الأغنية تتناهى إلى مجرّد لحن منفرد يتكرّر بصوتها والكلمات تشجيها، لغتها تدبّ دبيب النمل في جسدها، تذرف كلمات الأغنية كمن ينثر لؤلؤا وسط ليل الغريبة، فتضحك، هل الضحك له لغة؟ هل تراها تضحك بلغتها؟ تضحك وضحكتها ذات رنين منغّم على إيقاع المتسارع، اللغة بعد الضحك، مؤكد أنّ اللغة ابتكرت بعد الضحك. أنا أضحك بلغة يفهمها الشرق والغرب والشمال والجنوب. لا عنصرية في الضحك، لو كان الضحك بلغتها لاستنكرها العابرون بإشارات استخفاف عنصرية، الضحك لغة، والبكاء لغة وعليها أن تستنجد بالضحك كلما تبدّت لها نظرة عنصرية في وجه عبوس..

لغتها تهندس متاهة الاغتراب والتغرّب، تهندس اللحظة وتصوغها كما المهندس يشكّل المأوى أو القاعة فيقيمها في الفراغ، اللغة تهندس الأمل في مدى الصوت الذي يتردّد طاقة مؤبّدة في سعة الكون، صوتها حارس لغتها وحامل أهوائها وفيه تتصارع الكلمة وتتجاور اللغات، يرنّ هاتفها المحمول فلا تردّ، تواصل دندنة الأغنية بلغتها العربية وتعلو النغمة ويتسارع الإيقاع، تحتمي باللغة من مخاطر ومجهولات، تحلم أيضا بلغتها وتندم بها وتتوارى فيها من سوء فهم الغريب، تدير كلمات وعبارات من اللغة الأخرى الطارئة، تديرها بين ذاكرة مكتنزة بدفء لغتها وبين الضرورة الملزمة، اللغة الأخرى شبه فندق نقيم فيه مؤقتا ونغادره إلى المأوى وألفة لغة البيت..

الفندق: حاجة عابرة، ولكن  متى يكون البيت  دوام  وجود ؟؟ لا أحد يردّ على استفهامات الغريبة وشجن الزوال..

وتتخاطفها في الرؤى مدن تنجيها من ضلالها في التيه ومن حارات دمشق  وأزقتها العابقة بياسمين وأرجوان تفلت راكضة حتى تبلغ الجبل، تمضي صعدا في طريق يسدّد خطاها إلى ضريح الشيخ  محيي الدين ابن عربي على سفح جبل قاسيون وما أن تلج باب المسجد وباحته الأمامية حتى تجد نفسها في  قاهرة المعزّ ترنو من قلعتها إلى بغداد المهدورة الدم وبينها وبين شارع الرشيد   بحر بيروت وجبل عمان وآلاف الوجوه والصرخات المحشرجة في مسيرة العابرين نحو التيه .. 

 فندق عدن  ـ  شارع بلوميه ـ باريس  الحي الخامس عشر  ( يناير 2007)

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This