هلوسات مسرحية

{{مسرح البولشوي، شُيّد سنة 1824}}

أُُسرِيَ بي، فإذا أنا في مسرح البولشوي تياتر في موسكو، كُنَّا رهطاً في بهو المسرح الكبير، لمحتُ من بعيد تشيخوف ومكسيم غوركي، يحيّي أحدهما الآخر، ووقفَ بوشكين غيرَ بعيدٍ مع ميرخولد، وأتى مسرحيون آخرون. علَت جلبةٌ لافتةٌ، نظرتُ إلى مصدرِِ الجلبةِ، دخلَ ستانيسلافسكي لابساً طقمَ سموكينغ أسود اللون، وهو يتأبّطُ ألكسي بوبوف. في البهو الكبير للمسرح الكبير، تعالت ضحكات صاخبة مدوية، وضحكات نسائية ناعمة، لكنَّها حادّة،عدا ضحكة الممثلةُ الرائعة كنيبر، التي لم تهتمّ لزوجها تشيخوف.

الكلُ كان يلبسُ السموكينغ، والنساءُ ارتدين فساتينَ طويلة، زاهية الألوان، وقفّازات بيضاء اللون أو زهرية أو سماوية. أُعلنت الدقاتُ الإعلانيةُ الثلاث لبدء المسرحية.. دخلنا جميعاً، لم نكن نعرفُ المسرحيةَ التي ستعرض، ولا نعرفُ اسمَ مؤلفها أو مخرجها. جلسنا في الطابق العلويّ، في (البلكون).

أما الصالة فجلسَ فيها نحو عشرين أو ثلاثين متفرجاً. وضعوا في أيدينا مجلداً ضخماً، هو (بروشور) المسرحية. وفي البروشور قرأنا أسماءَ نحو سبعمئة إنسان شاركوا في صنع العرض المسرحيّ الذي سنُشاهد، فمنهم من ألهمَ المؤلّف فكرةَ المسرحية، ومنهم صاحبُ مكتبةٍ، باعَ المؤلّف القلمَ الذي كتبَ فيه المؤلفُ رائعتَه الخالدة، وأمّ المؤلف، وحبيبة المؤلف، وصديقته، وقائمة بأحبّ المأكولات والأطعمة المفضّلة لقاطع التذاكر. ثمّ ينتقلُ المجلّدُ إلى ذكرِ اسمِ الدراماتورغ، ومساعد الدراماتورغ، ومنسّق الدراما، والسينوغراف، ومساعد السينوغراف.

ودوَّن البروشور بشكلٍ لافتٍ اسم بائع ربطة عنق السينوغراف، ومصمّم الديكور، واسمَ مدير كلية الفنّ التي تخرَّج منها مصمّم الديكور، واسمَ بائعَ الدهان والألوان، وبائع القماش والأصباغ والنجار، ونوعية اللاصق الخشبيّ، واسم بائع المسامير، واسم خالته، واسم جارة كنَّة بيت عمته. وذكر أيضاً في البروشور المجلّد، أنّ ثمّةَ شخصاً لديه دكتوراه، في نوعية فراشي الدهان. ولم ننهِ القراءةَ فقد بدأ العرضُ المسرحيّ، فأضيئت الصالة والبلكون طبعاً، وعُتّمت الخشبة، وانطلقت الموسيقا. كان الوفدُ السوريّ يضمُّ: فواز الساجر، وسعد الله ونّوس، ونبيل حفار، ومانويل جيجي، وممدوح عدوان، وكاتبُ هذه السطور لا يعرفُ حقّاً لماذا هو هناك؟

فجأةً انتهى العرض المسرحيّ، نظرَ فواز الساجر وهو يمسحُ شاربيه كعادته في أحوالٍ كهذه، وقلَّب سعد الله ونوس شفتيه.

وأُُسرِيَ بنا جميعاً إلى باريس. في بهو المسرح الشعبيّ في باريس، استقبلنا جان فيلار هاشاً باشاً، ووقفَ بيكيت بقامته الفارعة يحدِّق في لاشيء، وبدأَ جان جينيه وجان أنوي، وأرتور أداموف، وجورج شحادة، بإطلاق ضحكاتٍ هيستيرية، بينما تنحَّى جانباً كلّ من موليير وراسين، وجان بول سارتر، وفيكتور هيجو. وهذا الأخير كانَ يردّدُ باستمرار – وربما دون أن يتنفّس – هرناني.. هرناني.. هرناني.

وصدحتِ الدقاتُ الإعلانية الثلاث لبدء المسرحية. وأُلقي في أيدينا سفرٌ ضخمٌ للعاملين في المسرحية، وفيه اسمُ بائعِ القبعات، الذي اشترى منهُ الممثل قبعته، واسم زوجة المخرج، التي أهدتهُ فكرة أن يكونَ المسرح على شكلِ مقلاةٍ، وفيها بيضٌ مبعثر، قُلي بزيت الزيتون على شكل عيون عيون. وكما حصلَ في مسرح موسكو، من حيث جلوسنا وعدد الحضور، صدحت الموسيقا، وهي عبارة عن خليطٍ مدروسٍ بعناية، من أصواتِ غربانٍ تنعق، وضفادعَ تنقّ. أُُسْرِيَ بنا إلى لندن. هناك استقبلَنا عندَ بوابةِ المسرحِ الملكيّ بيتر بروك الذي تعمَّمَ بعمامةٍ سودانية، ولفَّ جسَدَهُ بالكومينو الياباني، وإلى جانبه وقفَ هارولد بينترشبه عارٍيا إلا من منشفةٍ، يعني كما يلبسُ المرحوم غاندي، وهو يردِّدُ مرحِّباً: شكرَ اللهُ سعيكم، شكرَ اللهُ سعيكم. وفي زاويةٍ أخرى كانَ برنارد شو، وشكسبير يحتسيان الشاي مردِّدِين: إنَّها الساعةُ الخامسة.. إنها الساعة الخامسة. وأُلقي في أيدينا البروشور الضخم، وتابعنا قراءةَ أسماء المشتغلين في العرض المسرحيّ، ومنهم واحد حاصل على دكتوراه بمرتبة الشرف في الصمت المسرحيّ، وثلاثة لديهم دكتوراه في تراجيديا ما بعد الحداثة، وآخرون اختصُّوا بما يسمى البصريّ في المسرح، وخمسة يحملون أعلى الشهادات في الإلقاء في عروض البانتوميم، وخمسة غيرهم لديهم دكتوراه في تنحيف الممثل أو الممثلة طبعاً، وشدِّ الوجه والبطن والأرداف، وآخر مبدع جداً، وهو على استعدادٍ لأن يجعلَكَ تُحسُّ وأنتَ في مقعدكَ أنّ ساعةَ بيج بن، تصدحُ من مكانٍ ما من جسدك. والجمهورُ كما في موسكو وباريس، يزيدُ قليلاً عن أصابعِ اليدين والقدمين.. ونحنُ كلُّنا الذين كانوا في موسكو وباريس، وهؤلاء الذين انضمّوا إلينا في لندن، ندخنُ السيجارِ الكوبيّ الفاخر.. ويبتسمُ بعضنا لبعض ابتسامات مجاملة.

–قُم يا رجل، كفاكَ نوماً، سيارةُ المؤسسة الاستهلاكية توزِّعُ الغازَ، وما عندنا ريحته.

–ياألله ياامرأة.

أُسري بي إلى مكانٍ ما بدمشق، أستطيعُ تحديدَهُ، هو مابين شارع 29 أيار وشارع الصالحية. هناك وقفت سيَّارةُ المؤسسة الاستهلاكية. كنَّا جمعاً غفيراً جداً من المواطنين. أُفسحَ لنا، مجموعةُ موسكو وباريس ولندن، أبعدوا.. أبعدوا من فضلكم للمسرحيين العالميين.

كانت سيارةُ المؤسسةِ الاستهلاكية كبيرةً جداً وتشبهُ المسرحَ ذا العلبة الإيطالية، ولها ستائر حمر مخملية، ورجال الشرطة ورجال خفر الحدود والسواحل، والمرور والجمارك والطلائع والكشافة، ينظِّمون الدورَ بطريقة حضارية مدهشة، ويقدِّمون للحضورِ طاقات الورد، والألعاب النارية تضيفُ للجو العام بهجةً وألفةً ومسرة.

الدقاتُ الإعلانيةُ الثلاث لبدأ العرض المسرحي دوَّت، حتى سمِعَهَا سكان الدويلعة والطبالة وعش الورور. تُفتحُ الستارة. في صدرِ المسرحِ عددٌ كبيرٌ جداً من اسطوانات الغاز الفارغة، وفي مقدمة المسرح، أسطوانتان لا غير، تَقِف إحداهما قبالة الأخرى، موسيقا هادئة لعلي الديك، والإضاءة هي ضوء الشمس لا أكثر، مما أعطانا الإحساس بالطبيعية والواقعية إلى حدّ ما. شخص ما، من التراجيديات الإغريقية يقف بين أسطوانتي الغاز، ربما كان سيثبيس، يبكي بحرقة، ويسأل الجمهور، يسألنا: إيه أيتها الآلهة، إيه أيها القدر الظالم، لَم يبقَ إلا هاتان الأسطوانتان، فما الذي أستطيعُ أن أفعله بهاتين الأسطوانتين العظيمتين الجليلتين؟ لحظة صمت طويلة، والحاضرون كأنَّ على رؤوسهم الطير، ورجالُ الأمن والمنظمون لحفلِ توزيعِ أسطوانات الغاز، يرسمونَ على وجوههم ابتسامات شمعية. تَطولُ لحظة الصمت، فيضعُ سيثبيس يدَه على إحدى الأسطوانتين ويجأرُ بطريقة يوسف وهبي في التمثيل: ماذا أفعلُ بهذه الأسطوانة؟ أين بريخت ليجيبني على هذا السؤال الصعب والقاسي والمؤلم؟ فيقولونَ له: بريخت مازالَ أسير دائرة الطباشير القوقازية.

ويحدِّقُ بنا سيثبيس: إذن أجيبوني أنتم. ماذا أفعل بهذه الأسطوانة؟ وينبري له فواز الساجر فيقول له: إنها مبعوجة. وبحركةٍ سريعةٍ يضعُ سيثبيس يدَهُ على الأسطوانة الأخرى ويجأر: وماذا أفعل بهذه الأسطوانة؟ وينبري له سعد الله ونوس، ويصرخُ في وجهه: إنها مطعوجة. وينهارُ سيثبيس، ثم يمسحُ الأرضَ بيديه وهو يعصرُ ألمه، ويتدحرجُ، ويتقلَّبُ، على طريقة الممثلين في عروض المنودراما، ثم يستجمعُ قواه ويقفُ متحاملاً على نفسه، فيصرخ: ماذا أفعل بهما؟ ماذا أفعل بهما؟ ويأتي صوتٌ من الحاضرين، لم نحدد مصدره، لكنَّهُ قويٌ، قويٌ جداً، وبثقة يقول الصوت: خذ المبعوجة إلى مسرح الحمراء، والمطعوجة إلى مسرح القباني.

وبحركةٍ مسرحيةٍ جميلةٍ جداً ودراماتيكية، يشيرُ سيثبيس إلى الأسطوانات الفارغةِ في صدرِ المسرح، وعلى وجههِ بعض الارتياح، ويصرخ: وهذه الأسطوانات الفارغة؟ فيعودُ الصوتُ الذي لم يُعرف مصدره بقوة: أرسلها إلى المعهد العالي للفنون المسرحية.

وهنا اندَلَقَ إبريقُ ماءٍ كاملٍ على وجهي، وصحوتُ على صوتِ زوجتي: قم يا رجل، سيارةُ المؤسسة ذهبت، فكيفَ سنشربُ فنجانَ القهوةِ الصباحي؟!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This