مسيحيو الموصل، من أين وإلى أين؟

 

قبل سنوات عديدة وبالتحديد في نهاية التسعينات كنت قد شاهدت فلما مرعبا ومؤلما عن المذابح في كوسوفو. ولم يكن ما كنّا نسمعه عبر الاخبار يمثل شيئا أمام هذا الفيلم الذي عرّى الوضع كما هو، وربما لطّفه بشيء من أمل حاول أن يرفرف هنا وهناك. وقتها، لم أكن أتخيّل إطلاقا أنّ ذلك أمر واقع، بل إنّني تخيّلت، رغم وجعي إزاء الأوضاع آنذاك، أنّ الأمر ربّما كان ضربا من المبالغة في تصوير مشاهد. ولكنني كنت أعي أنّ أمرا عظيما يحدث وأنّ الأطراف الدولية واقفة تتفرّج وتبحث عن مصالح سياسية قبل التحرك إلى إنهاء تلك المذابح والأزمات الرهيبة. ما جعلني أتذكر هذا الفيلم هو زيارتي الأخيرة إلى مدينة الموصل العراقية التي غدت مدينة أشباح بدت فيها الحياة شبه مشلولة، خاصة بعد الاحداث الاخيرة التي واجهتها بتهجير الإخوة المسيحيين، حينها فقط أدركت كم كانت كوسوفو حقيقية ووعيت أنّ أقلّ واجب يمكن أن نقوم به هو أن نعتذر للتاريخ ونرفع قبّعاتنا خجلا لذلك الوجع المسمّى (كوسوفو).
معروف تاريخ الموصل بعراقته ولست هنا بصدد تقديم ببليوغرافيا عن المدينة أوتقديم شرح لمن لم يفهم عظمة وجودها، فالموصل تختلف كثيرا عن باقي مدن العراق في كلّ المستويات، فهي الوحيدة التي تتفرد بلهجة خاصّة لا تشبه لهجات العراق الأخرى التي تكاد تتشابه، وتختلف أيضا بتكوينها السكّانيّ الذي يتنوّع بين مسيحيين آشوريين ومسلمين عرب وغير عرب على تنوّع انتمائهم من كرد وتركمان وأقلّيتي الصابئة واليزيدية، يتجمّعون في أطرافها، ما يجعل لهذه المدينة سمات تميزها حاضرة ثقافية وحاضنة إنسانية، وحتى العمران والبنيان فيها متفرد بشكل كبير، وما يلاحظ في تاريخ هذه المدينة القديم كثرة تواجد اليهود في مناطق بعينها حتى وقت متأخّر من القرن الماضي، وهي ما تزال حتى يومنا هذا تحتفظ بأسمائها القديمة مثل “محلّة اليهود” ومدرسة اليهود وحمّام اليهود، من هنا لا نستغرب أن نلاحظ على اللّهجة الموصلية شيئا من هجنة تنهل من العبريّة في كثير من مفرداتها أو لكنتها أو حتى تعبيراتها. وهذا كلّه يعني هذه المدينة قد توالت عليها الأديان وهذا مذكور في التاريخ فهي أرض أنبياء. ولعلّ توالي الأديان عليها هو الذي جعلها بشكل تلقائيّ على استعداد تامّ للتعامل مع كلّ فكر جديد يظهر بين حين وآخر سواء أكان متمثّلا بالدين أو الفلسفة. ولم تظهر طوال الفترات الماضية مشكلة جديّة في هذه المدينة، فالمسلمون والمسيحيون كانوا متعايشين تحت مظلّة الإخاء وكان التناغم بينهما ينهل من عمق الوعي بانتمائهما معا الى عراق مدنيّ واحد، لا مجال فيه لتمييز دينيّ، والولاء للانتماء الأوسع ممثلا بالمدينة ثم البلد وليس فيه للدين أو الجنسية أو العرق فرق، وهي ميزة أخرى تميّز أهل الموصل، أو كانت! وحتى الأكراد الذين عاشوا في هذه المدينة والذين ما يزالون فيها حتى هذه اللحظة رغم نزوح الكثير منهم بسبب الأوضاع الحالية، نجد ولاءهم للمدينة أكبر بكثير من ولائهم للقومية والعرق، حتى ليخيّل إليّ أنّ كلّ من شرب من ماء دجلة التي تشطر المدينة من أقصى شمالها لأقصى جنوبها تقسّمها الى جهتين: ساحل أيمن وساحل أيسر، كما لو أنّ هذا النهر العذب قد حمل معه لعنة الانتماء المكانيّ وهو ما تجلّى في هجرة العراقيين في السابق، إذ بلغت النسبة الأقل من حيث من هجروا هذه المدينة، وما يزال المهجرين الذين غادروا العراق لأسباب مختلفة سببها العنف يمثل في الموصل النسبة الأقلّ أيضا. والسؤال هنا: ما الذي حدث مؤخّرا لتتحوّل الموصل إلى كوسوفو ثانية؟
في بداية احداث 2003 وبعد انهيار مؤسّسات الدولة لم تكن هناك مشكلة حقيقية تعانيها المدينة بل على العكس كان تعاضد السكّان على إدارة أمورهم بانفسهم أوّل إشارة لتعافي العلاقة بين المكوّنات ومضى كل شيء في نوع من الأمن المستتبّ في حينه. ولم يكن في حساب الكثير أنّ اليوم سيأتي لتواجه المدينة كارثة حقيقية تبدأ بتصفية فردية وتتوسّع لتصفيات جماعية. كانت أوّل الكارثة قتل فرديّ لأشخاص أو شخصيات من فئات تحت لافتة “العملاء والمتعاونين مع الاحتلال” بحسب افتاءات جاءت من خلف الحدود المجاورة للمدينة ومن غرباء دخلوها بكلّ يُسر وعُهر محمّلين بأساليب الموت الحديثة والمقنّنة بتلك الإفتاءات التي كنا نقرأ عنها في الانتريت وتلك التوقيعات والتأييدات من علماء دين وشيوخ في دول مجاورة. ونظرا لطبيعة هذه المدينة المعروفة بالتديّن المعتدل، كانت البيئة مناسبة لتجنيد شباب متحمّسين، انجرفوا نحو إغراءات وعود بالآخرة. فيما كان دافع البعض الآخر “وطنيا” لكنه وجد في الدين ما يمكن أن يقوّي موقفه اكثر. إلى تلك اللحظات التي قامت بها تفجيرات عديدة استهدفت مراكز الشرطة وبعض الآليات الأمريكية المارّة في الطريق، لم تكن هناك مشكلة بالنسبة للإخوة المسيحيين الذي كانوا يمارسون حقهم الطبيعي في الانتماء والعبادة دون تدخل من أحد.
الموصل اليوم تتعرّض الى هجمة شرسة، هجمة داخلية لم تعد الدولة نفسها قادرة على التصدّي لها، قبل أيّام تحدّثت مع إحدى زميلاتي السابقات في العمل وهي مسيحية وابنة الموصل أبا عن جد، تتحدّث اللغة العربية ولا تعرف غيرها وبلهجتها ـ الموصلية المسيحيةـ التي تميزها بنطقها بعض الأحرف بشكل مختلف. كان اتّصالي بها اطمئنانا على حالتها وحالة عائلتها فأجابتني أنها لا تستطيع الخروج من البيت لا هي ولا بناتها الأربع اللواتي حرمن من المدارس بسبب التهديدات والخطر الذي يمكن أن يواجهنه في الشارع، وكذلك انقطع زوجها عن عمله في جامعة الموصل، وأنهم في حماية جيرانهم المسلمين! طيّب، اذا كانت صديقتي هذه هي الوحيدة الباقية في الموصل بعد تهجير الجميع من المدينة تحت ضغط السلاح والقتل، وإذا كانت باقية في ذمّة عوائل مسلمة، لنا أن نسأل ما الذي يحدث لتقوم هذه القيامة الكوسوفية في الموصل؟

وجواب هذا السؤال سهل، فقد أصبح الفرد العراقيّ مع مرور الوقت ضالعا في التحليل السياسيّ بالفطرة، يجد لكل ظاهرة تفسيرا مناسبا ويعلم جيدا أنّ من يقتل المسيحيين في المدينة ويهجرهم ليس من جهات تنتمي لقناعات دينية من التي غدت شماعة تعلّق عليها كل ممارسات سياسية خاطئة، وبالرغم من قوة حضور تلك القناعات الدينية المتطرفة، فإنّ المسألة تغدو أكبر بكثير من أن تنسب لها. فتنوّع الموصل يؤكّد هذا المنحى، إذ برغم طغيان السمة الدينية على المدينة متمثّلة بالإسلام والمسيحية وأديان أخرى وأقليات كالصابئة واليزيديين، فإنّ الفكر المغاير كان أيضا سمة واضحة في المدينة من حيث سريان أفكار شيوعية ووجودية وعلمانية في وقت مبكّر وعثورها على حاضنات ثقافية في المجتمع دون أن تشهد المدينة اي صدٍّ عنيف لها، بل كان التعامل معها تعامل المحلّي الواعي للآخر يحترمه ويقدره. ولكن يبدو اننا، اذا ما بحثنا في صلب الازمة، فإننا سنكتشف جوانب غائبة كانت سببا حقيقيا وراء بشاعة القتل والتهجير وسلب حريات الآخر على الطريقة الكوسوفية

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق