أقصى التجريد: إحكام قبضة الفلسفة على الواقع – رد على مقال الأستاذ سلامة كيلة

يطرح الأستاذ سلامة كيلة في مقاله “عن وضع الفلسفة الآن” المنشور في 18/10/2008 مشكلة طبيعة الفلسفة وموقعها في فضاء الوجود الإنساني في العصر الحاضر. وهذه واحدة من المشكلات الحديثة في الفلسفة بالنسبة إلى تاريخها الذي صار قريبا من ثلاثة آلاف عام. ومع أن جوهر هذه المشكلة هو طبيعة الفلسفة ذاتها، وما يترتب على هذه الطبيعة من علاقتها بالإنسان والواقع، إلا أن التعبير عنها يختلف دوما باختلاف المرجعيات والأنساق الفكرية والمعرفية التي تولي هذا الموضوع اهتمامها، ويبدو حتى الآن أن الاختلاف على طبيعة الفلسفة وموقعها في الكينونة البشرية وعلاقتها مع شروط ومحددات هذه الكينونة ما زال عصيا على عملية التصنيف المرنة والقادرة على تمييز الاتجاهات والآراء عن بعضها بعضا، ولكن الاعتراف بممانعة هذه المشكلة ضد إمكانية التصنيف، لا يعني وصف حقل “فلسفة الفلسفة” بالقصور أو العجز عن القيام بمهمة تصنيف وتمييز الاتجاهات التي تتناول مشكلتنا هذه، بقدر ما يعني أن قضية موقع الفلسفة وعلاقتها بالإنسان والواقع ما زالت في طورها الإشكالي غير الناجز، أي ما زالت موضوعا فلسفيا، ولكنه نازع دوما إلى التبلور والتعين في شكل مشكلة محددة وواضحة، وهذا يستدعي من جهة ما الانتباه إلى التفريق الدقيق الذي تقيمه الفلسفة بين المشكلة والإشكالية، خاصة وأن ما تعنيه مفردة “مشكلة” في الحقل الفلسفي مختلف جدا عن المعنى العام والشائع الاستخدام لهذه المفردة.

بالعودة إلى مقال الأستاذ سلامة كيلة، والذي ركز على علاقة الفلسفة بالواقع، وحاول، من النتائج التي وصل إليها، مقاربة علاقتها بالإنسان الذي لا يمكن بأية حال نفي ارتباطه الشديد بالواقع، نجده يطرح سؤال هذه العلاقة كما ورد على الشكل التالي: “لكن هل إنّ الفلسفة كانت بعيدة عن الواقع؟ هل غفت لحظة عنه؟ وهل أنها ولدت في الخيال وظلّت سارحة فيه؟ هل هي نتاج عقول مفصولة عن “الجسد”؟”. وربما كان السؤال الذي يطرحه الأستاذ سلامة قد صيغ على عجل، ذلك أن الفلسفة، كغيرها من مجالات المعرفية البشرية، إنما تنشأ عن التساؤل الذي يثيره العقل نتيجة حيرته ودهشته إما أمام مشكلة يصادفها في الواقع المتعين، أو نتيجة ارتيابه وتشككه إزاء معرفة ناقصة أو مضطربة أو متناقضة داخل العقل ذاته، لذلك فلا شيء ينشأ بعيدا عن الواقع، وقد نبه أحد الفلاسفة إلى أن “العقل البشري لا يطرح أسئلة هو غير قادر على الإجابة عليها”، طالما أن مجرد الانتباه للمشكلة يبرهن منذ البداية على إمكانية حلها، بغض النظر عن الوسائل والطرائق التي تحقق هذه الإمكانية.

بعد سؤال صيغ على عجل، لا بد أن الإجابة ستكون مضطربة وغير منسجمة، وهي كما يوردها الأستاذ سلامة مباشرة بعد السؤال: “هذه المسألة التي يجب أن تتوضّح أوّلاً، لأنّها مفتاح الراهن كما هي مفتاح التاريخ. لقد كانت الفلسفة نتاج الواقع وكانت تنضح منه. كانت تتفعّل من خلال اليوميّ والمباشر لكنها كانت تصعّده إلى أقصى التجريد، الأمر الذي كان يضعه خارج “الفهم”، ويُظهرها كطلاسم ليس من قيمة واقعية لها. لهذا غادرت التاريخ، أو هكذا كان يبدو لوهلةٍ. ولا شكّ أنّ في ذلك جزءا من الحقيقة، وهو جزءٌ مهمٌّ على كلّ حال. وبدا العالم خالياً من الفلاسفة بالمعنى التقليديّ للكلمة. لكن إلى أين غادرت؟”

إذن، ليس خطأ أن نفهم من إجابة الأستاذ سلامة أن الفلسفة هي شديدة الالتصاق بالواقع، فهي نتاجه وهو مخزونها الذي تعتمد عليه وترتوي منه، هي أيضاً شديدة الصلة به لتماسها مع اليومي والمباشر منه. كذلك ليس خطأ أن نفهم من الإجابة السابقة أن الفلسفة بعيدة عن الواقع منفصلة عنه، إذ سرعان ما تنتقل بهذا الواقع إلى خارج دائرة الفهم لتتحول إلى طلاسم منفصلة عنه لا قيمة لها. وتوضح الإجابة أن المسئول عن انفصالهما هو التجريد الذي يبلغ أقصاه، فيجعل الفلسفة تغادر التاريخ إلى مكان ما ما يزال مجهولا!!

أن تكون الفلسفة ملتصقة بالواقع ومنفصلة عنه في الوقت ذاته فهذا تناقض، أما تعليل هذا التنازع الذي تعانيه الفلسفة بين الانفصال والالتصاق بتصعيد التجريد إلى أقصاه، فليس كفيلا بحل هذا التناقض، فالتجريد كان وما زال سمة المعرفة وشرطها وغايتها، وهو في الوقت ذاته الفيصل الذي يفصل بين المعرفة والممارسة دون أن يخرج أي منهما خارج دائرة الواقع. بالإضافة إلى أن التجريد في الفلسفة يختلف عنه في المجالات المعرفية الأخرى، وأن تصعيده إلى أقصاه هو ما تتطلبه الفلسفة وبه تكون، وإلا تحولت إلى أنماط أخرى من المعارف والعلوم ذات الصبغة الإمبيريقية أو التطبيقية والتي يورد الأستاذ سلامة بعضا منها في مقاله، “كعلم” التاريخ و”علم” الاقتصاد و”علم” الاجتماع و”علم” السياسة، موضحا أن موضوعات هذه العلوم هي في جملتها معرفة الواقع والكشف عنه، وأن هذه الموضوعات كانت متضمنة في الفلسفة “القديمة!”، لكنها على ما يبدو كانت غير قادرة على الوصول إلى نتائج واقعية تقدم حلولا للمشكلات التي تطرحها هذه الموضوعات بسبب تصعيد التجريد الذي يبلغ أقصاه حسب تعبير الكاتب.

نحن لا نختلف مع الأستاذ سلامة في أن هذه العلوم ، قبل أن تستقل وتتمايز عن بعضها بعضا، كانت جزءا من موضوعات الفلسفة وأقسامها، لكن هذا لا يعني أننا نتفق معه في الرأي الذي يراه من أن هذه الموضوعات قد غادرت الفلسفة واستقلت عنها فقط لأن موضوع الاشتغال بات مختلفا وأن حصة الواقع في منتوج الفلسفة أصبحت مختلفة عما هي عليه في منتوج الفكر، والذي يباعد الأستاذ سلامة بينه وبين الفلسفة لصالح تقريبه أكثر إلى العلم، ويرى أن عملية التقريب هذه قد أفضت إلى تطور الفكر الذي أدى بدوره إلى التركيز على كل “العلوم” التي تسهم في وعي الواقع، مما أدى –حسب رأيه– إلى هيمنة هذه العلوم في القرن العشرين مقابل انحسار دور الفلسفة مقارنة بما كان عليه في القرون السابقة.

ثم ومن ناحية أخرى، يربط الأستاذ سلامة بين الفكر والفلسفة من علامة أن المفكرين المعاصرين في القرن الحالي والذي يسبقه، من أمثال سارتر وفوكو ودريدا وهابرماس وبورديو إنما يسمون فلاسفة فقط لأن ” إنتاجهم النظريّ كان يلامس الفلسفة وإلا لما وُضعوا هنا”، وأن ” ذلك يوجد اختلاطاً بين الفلسفيّ والفكر النظريّ، ويقود إلى تداخلات لم توجد لدى الفلاسفة القدماء وفلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر ومعظم القرن التاسع عشر.”

قبل أن نتابع الكاتب في هذه النتائج إلى أقصاها يجب التوقف قليلا عند مسألة هامة تحيلنا إلى إشكالية العلاقة بين الفكر والعلم والفلسفة، وهذا يتطلب أولا التفريق بين مستويين من العلم، ينضوي تحت الأول ما يعرف بالعلوم الطبيعية (فيزياء، كيمياء، بيولوجيا ….إلخ)، أما الثاني فيشتمل على ما تم التعارف عليه اصطلاحا باسم العلوم الإنسانية (علم النفس وعلم الاجتماع وعلم السياسة وعلم التاريخ والاقتصاد …) وأغلب هذه الأخيرة ما زالت تحتاج إلى كلمة علم لأنها ما زالت موضع تشكيك في أنها علوم بالمعنى الذي تعنيه كلمة علم، بعد أن اختصت بالعلوم الطبيعية القائمة على الاستقراء والتجريب.

أيضا، لا يمكن توضيح العلاقة بين الفلسفة والعلم قبل التمييز بين المستويين السابقين، دون أن يعني هذا أنها على علاقة بمستوى دون آخر، بل بالاثنين معاً، فهي على صلة بالعلوم الطبيعية، ومجالها فلسفة العلم، وهو مجال ضيق بالمقارنة مع غيره، يتصف بالاختصاص الدقيق الذي تميزت به العلوم الطبيعية، أما مشكلاته فهي ذات طبيعة خاصة لا تثار الأسئلة حولها إلا على مستوى نخبة من العلماء العاليي التخصص، وتطرح هذه الأسئلة بعض المشكلات النظرية المتعلقة بتعريفات هذه العلوم وتصنيفاتها، بالإضافة إلى ما ينشأ عنها من علوم تخمية أو أخرى أكثر دقة في الاختصاص، أما حلقة الوصل بين العلم والفلسفة في هذا السياق فهي المنطق العلمي والمنطق الرياضي والإبيستيمولوجيا الدقيقة والميكروميتودولوجيا وغيرها من المجالات الاختصاصية التي يستوعبها علم المناهج وقواعد البحث بشكل عام، ومن فلاسفة هذا المجال على صعيد الذكر لا الحصر: هوسرل وبرونشفيك وباشلار وكون وهاينزبيرغ ….إلخ. وهم جميعا علماء ورياضيين قبل أن يكونوا فلاسفة.

ثمة مجال آخر أقل شأنا من فلسفة العلم، يتأسس أيضا على علاقة الفلسفة بالعلم الطبيعي، هو الفلسفة العلمية، وهو باختصار محاولة استبدال العلم بالفلسفة، ليجيب الأول على الأسئلة التي تطرحها الثانية، أما مصير ما لا يمكن الإجابة عنه علميا من هذه الأسئلة فإما أن يعلَّق و إما أن يُهمل، ومن أشهر فلاسفة هذا الحقل بعض فلاسفة التحليل وورثتهم أنصار الفلسفة الوضعية، والطريف في هذا السياق أن عنف ثورتهم على الفلسفة لم يسقط عنهم صفة الفلاسفة حتى أنهم يُعرفوا أحيانا باسم “فلاسفة اللافلسفة!!”. ويبقى الفرق بين المجالين، فلسفة العلم والفلسفة العلمية، أن الأول سحب الفلسفة إلى حقل العلم، أما الثاني فحاول سحب العلم إلى حقل الفلسفة.

على الضفة الأخرى من العلم، أقامت الفلسفة علاقة وثيقة مع العلوم الإنسانية التي حاولت من جهتها التنكر لجذرها الفلسفي بواسطة تقليد مناهج العلم الطبيعي وتَمَثّل غاياته وتشكيل موضوعاتها على صورة موضوعاته، وهذا ما دعى له أنصار الفلسفة العلمية، لكن هذه المحاولات أوشكت أن تنتهي دون تحقيق أي إنجاز يستحق الذكر. وعادت هذه العلوم إلى تقوية صلتها بالفلسفة، شريطة أن تحترم هذه الأخيرة استقلال الأولى وتحتمل انفصالها عنها وترضى بوصفها أم العلوم وقد كبر أولادها وصار بإمكانهم العيش بعيدا عنها. وفي هذا المجال برز أيضا فلاسفة جاؤوا من حقل العلوم الإنسانية أمثال: فيبر وغرامشي وجان بياجيه وديوي وتشومسكي وبورديو وألتوسير وبارت وديريدا وهابرماس.

ثم يقرر الأستاذ سلامة قبل نهاية مقاله بقليل، أن منطقين اثنين حكما القرن العشرين، المنطق الوضعي والماركسية (أي المنطق الماركسي كما يفهم من السياق)، وفي الحقيقة فإن مناقشة هذا الافتراض والدخول في حوار مع الكاتب حوله، يحتاج مقالا منفصلا بحد ذاته، يختلف موضوعه عن الموضوع الذي نحن بصدده الآن، ولكن كيف تمكن الكاتب تجاوز بقية الاتجاهات التي عرفها هذا القرن، كالوجودية والتحليلية والبراغماتية والشخصانية والبنيوية والتفكيكية والتأويلية …إلخ؟ لينتهي إلى أن الوضعية، رغم إعلانها رفض الفلسفة مقابل تأكيدها على العلم، قد انحكمت إلى الشكلية والسكون والانعزال، وبالتالي إلى التخصص العلمي الدقيق الذي يعيدها حسب رأي الكاتب إلى أسر المنطق الصوري القديم، مبرهنا على هذا الأسر بأن التخصصات العلمية الدقيقة قد قامت على قانون الهوية الذي يتأسس عليه منطق أرسطو، وهذا ما جعل علم الاقتصاد هو علم الاقتصاد ولا شيء آخر، وعلم الاجتماع هو علم الاجتماع فقط بمشكلاته الاجتماعية التي هي ليست سياسية ولا اقتصادية (!) فبقيت هذه العلوم معزولة عن بعضها، مما جعل كل علم يستقل بمشكلاته، وكأن هذه هي سمة التجريد التي يرى فيها الأستاذ سلامة سببا لانفصال الفلسفة عن الواقع.

أخيرا، وبعد هذه الفقرة مباشرة، يقفز بنا الكاتب إلى النتيجة التي أرادها خاتمة مقاله، وهي أن الوضعية المنطقية هي التي أدت إلى أن يكون هنتغتون وفوكوياما فيلسوفي نهاية القرن الماضي، واثنين من أنبياء القرن الحالي، وأن كل هذا جرى تحت غطاء المنطق العلمي الذي يعتبر أن العقلانية الحديثة هي العلم وليس الفلسفة.

لكن، هل هما حقاً كذلك؟ إن انتشار اسميهما وتذرر بعض أفكار فلسفتيهما هنا وهناك لا يعني بأي حال أي قيمة فلسفية تميزهما هذا التميز المرموق إذا ما أردنا اعتماد معيار التميز من داخل الفلسفة ذاتها، أما أن يكون حضورهما في الشأن الثقافي العالمي مرهونا بهذا الطغيان السياسي الفارض صبغته الوحيدة على العالم كله، فهذه نقطة تستدعي نقدها فلسفيا، وليست بأية حال مبررا كي تنضوي الفلسفة تحت جناح هذا الطغيان الأحادي. أو حجة للقول بانفصالها عن الواقع حتى لو كان هنتغتون وفوكوياما هما نبيا العصر.

عودا على بدء، كنا نتمنى على الأستاذ سلامة لو أن مقاله لم يخلو من مشكلة الميتافيزيقا، إذ ربما كانت هي زاوية أساسية في معالجة العلاقة بين الفلسفة والواقع وتحديد موقعها فيه، خاصة وأنها لم تستطع التخلي عن الميتافيزيقا عبر تاريخها وحتى اليوم، ولا يعني هذا أن الميتافيزيقا هي التي تجعل الفلسفة تتعالى على الواقع، أو أن الواقع بسببها ينبذ الفلسفة خارج دائرته. بل لقد قدمت الفلسفة أزهى مباهجها يوم كانت لصيقة بالواقع وكان هو موضوعها، بينما كانت الميتافيزيقا هي أقصى التجريد الذي تطمح إليه، والذي مكنها من التحصن بالشمولية والكلية، وبالتالي القدرة على حل المشكلات التي أفرزها الواقع، أي على العكس تماما مما ذهب إليه الأستاذ سلامة. أما كيف تنفصل الفلسفة عن الواقع، فهذا يحدث عندما تتحول عنه باتجاه الميتافيزيقا فتصبح هذه الأخيرة موضوع الأولى بعد أن كانت النسق الذي من خلاله تقبض على الواقع موضوعا لتعيد صياغته وعيا ومعرفة. وهذا اختزال ربما يكون مفيدا كمدخل لمقال آخر عنوانه “الميتافيزيقا وعلاقتها بالواقع”.

أخيرا، إن العمر المديد للفلسفة، والذي يتجاوز عمر كل العلوم والأديان السماوية والكثير من مجالات الفن والإبداع، ربما مثّل بحد ذاته غواية لكثيرين صاروا ينظِّرون لموت الفلسفة أو شرعوا في صياغة بيان نعيها، وهم يعلنون أسفهم الشديد وحزنهم العميق على ما آلت إليه وقد هرمت، وصار مجذوبة إلى التحليق في الخيال ومجاوزة الواقع، مثلها مثل الإنسان إذ يتقدم به السن ويصيبه الخرف. وسواء صدرت هذه الأصوات من داخل الحقل الفلسفي نفسه، أو من خارجه وخصوصا حقل العلوم الطبيعية، فإنها تنم في الحالين عن فهم إما مغلوط لمعنى الفلسفة، أو مجتزئ وقاصر لطبيعة علاقتها بالإنسان والواقع. ناهيك عن منظرين آخرين مدفوعين بالرغبة في موتها، والمستعدين لقتلها إن استطاعوا ذلك، سوادهم الأعظم من الأصوليين ورجال الدين، أما الآخرون فقلة ممن كانت عقولهم عاجزة عن هضم الطريقة الفلسفية، فبقيت الفلسفة عصية على نمط تفكيرهم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق