السرد الديني وإنتاج الهوية

يعمد النص الديني إلى انتقاء مجموعة من الأحداث ويشكل بناءها الحكائي بصيغة تؤدي إلى تنظيم رد فعل القارئ وإنتاج تأويلات شعبية محددة وسريعة الانتشار وعميقة الأثر لتهيمن على الخبرة الشعبية العامة من خلال مقولات تمثل ( عبر) لا يمكن ضمان استمرار حياة الجماعة واستقرارها دون الاستعانة بها وبما تفرضه من تشريعات، ويمثل سفر القضاة إحدى الدوائر الحكائية الكبرى في التوراة التي تنظم التي تنظم التجارب والخبرات التي مرت بها جماعة (بنو إسرائيل) وتقود السرد إلى إنتاج مجموعة من المنظومات الأخلاقية والعقائدية المترابطة مما يشكل حدودا ثقافية يمكن اعتبارها(هوية) تلك الجماعة، حيث هذا السفر بتدوين مرحلة مفصلية في تأريخ الجماعة الإسرائيلية المتنقلة بين أطراف منطقة الشرق الأوسط وهي تحاول الاستقرار في قلب المنطقة، حيث الأرض الموعودة التي تحلم بها وتتردد في دخولها.

والمرحلة التي يسجلها سفر القضاة مليئة بالأشكاليات والمواجهات والصراعات التي تخوضها الجماعة اليهودية وهي تتحول من جماعة بدوية قضت زمنا طويلا في التنقل (التيه) داخل الصحراء وهي منظمة قبليا تحت زعامة دينية (نبوية) إلى مجتمع مستقر ومدني يبحث عن نظام مستقر للسلطة، ولذلك فإن العبارة الأساسية التي تحرك السرد التاريخيّ في سفر القضاة تقول ( وفي تلك الأيام لم يكن ملك في إسرائيل. كلّ واحد ما حسن في عينيه) (قضاة/21 /25 ) ورغم أنّ هذه العبارة ترد أكثر من مرة في السفر إلا أنّها ترد كآخر عبارة فيه وكأنها عندما تختم السفر فإنها أيضا تفتتح تأويله انطلاقا من غياب السلطة المركزية القوية وليكون هذا الغياب مركزا لتحليل حكايات السفر، وبذلك يكون النص قد وفر سياقا محددا للقراءة يحاول من خلاله توجيه القارئ إلى استنتاج المعنى الثقافي الذي يمثل الهدف التدويني للنص.

مجموع التجارب التي يسردها سفر القضاة تمثل خيارات أخلاقية وسياسية ومعرفية يتنقل فيها الإسرائيليون بين نماذج ثقافية متعددة في محاولة لإنتاج مجتمع قادر على العيش في المكان الجديد الذي يفرض شروطا حياتية مختلفة عما في الأماكن السابقة التي عاشوا فيها.

وهذه التجارب تمثل محاولات في البحث عن هوية ويصل البحث إلى أقصى حدوده عندما يتخلّى الإسرائيليون عن تقاليدهم الدينية والاجتماعية في بعض المراحل لينغمسوا في تقاليد الشعوب المجاورة وعباداتها، تلك التقاليد والعبادات التي ترفضها الشريعة الموسوية بوضوح وشدة، وربما جاء هذا الانغماس نتيجة انبهار الإسرائيليين بقدرة الثقافات المجاورة، رغم وثنيتها، على تلبية الاحتياجات الروحية والاجتماعية والجسدية، وكذلك قدرتها على بناء مجتمعات متماسكة والوصول إلى مستوى تمدّن راق، والأهمّ تأسيس كيانات سياسية قوية إداريا وعسكريا، ولاشك أنهم كانوا يعقدون مقارنات بين وضعهم وأوضاع الشعوب المجاورة لهم.

وقادهم البحث عن الهوية أحيانا إلى النكوص إلى مراحل بدائية من الحياة الاجتماعية والسياسية والتي مرت بها الجماعة في أطوار سابقة حدّ اختراع ديانة وثنية أو إعادة تركيب البناء الاجتماعي وإعادة النظر في نظام تقسيم العمل. والبحث عن الهوية، كما يسجله سفر القضاة، بحث مرير ودموي، تسيطر عليه عمليات القتل والحروب الأهلية والإبادة، ولكن سرد كل ذلك يتوجه نحو تأشير عملية تجاوز تلك المرحلة عبر إنتاج مؤسسة سياسية ذات سلطة قوية (ملك) تحدد هي النظام الاجتماعي والأخلاقي والروحي، وتقود الجماعة إلى تحقيق هوية تختارها تلك المؤسسة السلطوية.

إن الخيار الأساسيّ للهوية، كما يقترحها النص التوراتي، ينطلق من تحديد طبيعة العلاقة مع الربّ، وكل ما يعانيه المجتمع من سوء أو تخبط أو آلام هو نتيجة لسخط الربّ على الجماعة الدينية/القومية، ولذلك يكرر النص عبارة نموذجية (وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الربّ) ولكن هذه العبارة تأتي مع موت كل حاكم إسرائيلي(قاضي) وكأن العلاقة مع الربّ تمر عبر السلطة السياسية، فهذه السلطة هي التي تقود الجماعة بما يحقق رضا الربّ رغم ان النص (سفر القضاة) يسرد سلوكيات عدد من هؤلاء القضاة بما يشير بوضوح إلى تخبطهم الاخلاقي وسلوكياتهم الفاسدة، وإذا كانت تصرفات هؤلاء غير منسجمة مع الشريعة الموسوية والتقاليد اليهودية في اغلب الاحيان، كما يسجل النص التوراتي، فيبدو ان تركيز النص على موضوع السلطة المقصود به هو مؤسسة السلطة بحد ذاتها وكذلك طاعة الناس (الإسرائيليين) لهذه المؤسسة بغض النظر عن مضمونها الاخلاقي او منهجها السلوكي.

والصفة الأساسية لنظام السلطة في المرحلة التي يسجلها سفر القضاة هي غياب الأنبياء عن بني إسرائيل او على الأقلّ غياب سلطة الأنبياء على المجتمع وفي نفس الوقت لم يظهر نظام سلطوي تقليدي يقوم على الملكية الوراثية حيث تتمركز السلطات في يد شخص واحد، وبقيت الجماعة الإسرائيلية حرة في اختيار حكامها وفقا للظروف والحاجة، كما لم تكن سلطة اولئك الحكام سلطة مطلقة ولا قوية، بل كانوا يطلقون آراء او يقودون الحملات العسكرية بصورة مؤقتة ويبدو ان حكمهم اتسم بطابع مدني صرف يقوم على الاجتهاد الشخصي والسلوك الحر ولذلك حملوا اسما غير مستقر ولا واضح الدلالة هو (القضاة) وكانت وظائف هذا الدور السلطوي متغيرة وتخضع للظروف العامة.

ان انطلاق الجماعة الإسرائيلية في محاولة البحث هوية جديدة ابتدأت مع موت (يوشع) لتكون محاولة للتحرر من التقاليد والأنظمة الدينية، وأحيانا كانت محاولة لتحقيق الفرادة الشخصية، حيث يتخلى الإنسان عن مفاهيم الجماعة ويحاول العيش في العالم وفقا لاختياراته الخاصة، لذلك بدأت المحاولة الإسرائيلية بالتخلي عن الديانة الموسوية (وتركوا الربّ اله آبائهم الذي أخرجهم من ارض مصر وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم وسجدوا لها وأغاظوا الربّ وعبدوا البعل وعشتاروت) (قضاة/2/3-11 ) ويصف النص النتائج المترتبة على هذا التمرد (فحمي غضب الربّ على إسرائيل فدفعهم بأيدي ناهبين نهبوهم وباعهم بيد أعدائهم ..ولم يقدروا بعد على الوقوف أمام أعدائهم) (قضاة/2/14 ) ولكن ما يبدو هنا لعنة انزلها الربّ بالشعب المتمرد ليس إلا صياغة سردية يعتمدها النص لتوصيف النتيجة المقصودة أو المؤكدة من رغبة الجماعة في التخلص من هويتها التقليدية والاندماج في إحدى الهويات الثقافية للجماعات المجاورة من خلال التحول الديني (عبادة البعليم وعشتاروت) لاعتقادها أن هذه الهوية الجديدة أكثر قدرة على تحقيق الطموحات الفردية والجماعية ولذلك فإن المنحة أو الهبة الإلهية المتمثلة في النظام السياسي الجديد(القضاة) لا تنجح في إقناع الجماعة الإسرائيلية بالحفاظ على الهوية التقليدية أو التمسك بدين الآباء (وأقام الربّ قضاة فخلصوهم من يد ناهبيهم . ولقضاتهم أيضا لم يسمعوا بل زنوا وراء آلهة أخرى وسجدوا لها..حادوا سريعا عن الطريق التي سار بها أباؤهم لسمع وصايا الربّ) (قضاة/2/17) يحاول النص توجيه القراءة نحو قيم محددة يعتبرها أساسية ولاغنى عنها، وانها هي ما يمثل احتياجات الجماعة، وهذه القيم هي التماسك والوحدة والاستقلالية ويبدو ان هذه القيم تتجسد عبر النظام السياسي لذلك يعقد النص معادلة (وحينما اقام لهم الربّ قضاة كان الربّ مع القاضي وخلصهم من يد أعدائهم كل ايام القاضي لان الربّ ندم من اجل انينهم بسبب مضايقيهم ومزاحميهم . وعند موت القاضي كانوا يرجعون ويفسدون أكثر من ابائهم بالذهاب وراء آلهة أخرى ليعبدوها وليسجدوا لها..لم يكفوا عن أفعالهم وطريقهم القاسية) (قضاة/2/18-20)، اي ان المؤسسة السياسية ذات المصدر الديني هي أساس فصل الجماعة (الإسرائيلية) عما يجاورها من جماعات، والنص ينتج صورة علاقة التقارب او الاندماج على أساس أنها علاقة سيئة وسلبية وإنها علاقة خضوع للآخر وتعرض للإذلال، وإذا كانت هذه الصورة نتاج للسياق الديني الذي ينطلق منه النص فأن القارئ لا يمكنه الاطلاع على الصورة الأخرى (الشعبية والعامة) لعلاقة التقارب والاندماج في الهويات الأخرى المجاورة ولا يمكن للقارئ الاطلاع على مبررات الجماعة للاندماج في الهويات الأخرى والتخلي عن هويتها التقليدية ولكن الإصرار على ترك الهوية التقليدية الموروثة يؤشر إلى ان الجماعة تعتبر تلك الهوية حملا ثقيلا، ربما لانها تفصلها عن المحيط الثقافي العام للمنطقة وتحولها إلى جماعة معادية وفي حالة حرب مع جيرانها، تلك الحرب التي تعتبر السمة الأساسية لتأريخ الجماعة الإسرائيلية في المرحلة التي يسجلها سفر القضاة، لكن ما يلمح اليه النص من اختيار وإسناد الهي للقضاة لا يمنع هؤلاء من التخلي أحيانا عن هويتهم التقليدية ومحاولة الأنغماس في سلوكيات وعبادات الجماعات الأخرى (المجاورة) كما سنرى لاحقا.

وكانت الجماعات المحيطة بالإسرائيليين تبدو أكثر انسجاما مع ذاتها ومع ظروف معيشتها كما أنها أكثر ثباتا وقدرة على الاستقرار السياسي، على الأقلّ كما شعر الإسرائيليون، وفي محاولة النص تبرير هذا الاستقرار والبقاء، ينتج اسطورة للذات تربط الآخرين وجودا وثقافة بما يعزز الذات الجمعية حيث ان وجود الآخر المختلف هو فقط لتحقيق الذات وبما يجعلها أكثر قناعة بهويتها (فهؤلاء هم الأمم الذين تركهم الربّ ليمتحن بهم إسرائيل كل الذين لم يعرفوا جميع حروب كنعان. انما لمعرفة أجيال بني إسرائيل لتعليمهم الحرب. الذين لم يعرفوها قبل فقط. أقطاب الفلسطينيين الخمسة وجميع الكنعانيين والصيدونيين والحوبيين سكان جبل لبنان من جبل بعل حرمون إلى مدخل حماة. كانوا لامتحان إسرائيل بهم لكي يعلم هل يسمعون وصايا الربّ التي أوصى بها اباءهم عن يد موسى) (قضاة/3/1-5)، هذه اسطورة الذات التي تحول الآخر إلى مجرد اداة اختبار، فكل الشعوب التي يذكرها النص لم تكن لها حياة لولا حاجة بني إسرائيل إلى اداة للتمرن على الحرب وتذكرها ولولا رغبة الربّ في تجربة إيمان بني إسرائيل من خلال وجود هذه الشعوب وطريقة حياتها التي تخالف الشريعة الموسوية. لكن النص يسجل فشلا متكررا في محاولات الاختبار تلك ( فسكن بنو إسرائيل في وسط الكنعانيين والحيثيين والأموريين والفرزيين والحوبيين واليبوسيين واتخذوا بناتهم لأنفسهم نساء وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلهتهم فعمل بنو إسرائيل الشر في عيني الربّ ونسوا الربّ ألههم وعبدوا البعليم والسواري) (قضاة/3/5-8) ويوضح النص فيما بعد أن رغبة إسرائيل في الاندماج في الجماعات الأخرى كانت تواجه بصعوبة تصور تلك الجماعات المجاورة لأيّة علاقة مع هذه الجماعة(بني إسرائيل) غير علاقة العبودية، لذلك تكون محاولة التخلي عن الهوية التقليدية فاشلة عندما تصطدم بتعالي الآخر ورغبته في السيطرة والتسلط (فحمي غضب الربّ على إسرائيل فباعهم بيد كوشان رشعتايم ملك آرام النهرين. فعبد بنو إسرائيل كوشان رشعتايم ثماني سنين. وصرخ بنو إسرائيل إلى الربّ فقام الربّ مخلصا لبني إسرائيل فخلصهم عثنيئيل بن قناز أخا كالب الأصغر) (قضاة/3/9-10).

{{النبية}}

في عملية البحث عن هوية مستقرة قادرة على مواجهة التحديات، تجرب الجماعة مختلف الحلول، وتكون مرحلة البحث فضاء للتجريب الاجتماعي وإعادة تشغيل الموروثات وكل ما خزنته الذاكرة، إن ضغط الواقع يفتت الجدران الصلبة التي وضعتها الجماعة لمنع تدفق التأريخ إلى الراهن، الأمر الذي يهيّئ لتشتت السياقات الاجتماعية وتحول الحياة إلى نمط كرنفالي تتداخل فيه الأزمنة والأشكال والأساليب وبالتالي السماح بظهور صور نادرة في التأريخ، منها المرأة النبية القاضية ( ودبورة امرأة نبية زوجة لفيدوت هي قاضية إسرائيل في ذلك الوقت ) (قضاة/4/4) وهو امر غير مألوف في التأريخ الإسرائيلي الذي يسجله النص الديني، ولكن دور المرأة السياسي – الديني كان موجودا في المجتمعات المجاورة لبني إسرائيل وربما كان موجودا في مراحل غابرة من حياة الشعب العبري لم يدونها النص التوراتي.

وقد يمثل دور دبورة محاولة للتغيير الاجتماعي السياسي الثقافي من خلال استعارة نموذج منسي لتجاوز الفشل الراهن، علما أنّ هذه المرأة (دبورة) مؤمنة بالتفاوت الوجودي بين الرجل والمرأة، والذي يجعل المرأة دون الرجل في السياق الأخلاقي والاجتماعي حتى عندما تتسلم زمام الأمور ويكون لها حق إصدار الأوامر فهي تأمر (باراق) بالتحرك لقتال جماعة مجاورة ويطلب منها هذا الأخير مصاحبته في المعركة تقول (أني اذهب معك غير انه لا يكون لك فخر في الطريق التي أنت سائر فيها . لأن الربّ يبيع سيسرا بيد امرأة ) (قضاة/4/9) وما يبدو هنا تحذيرا من ذهاب الفخر إلى دبورة نفسها لأوّل وهلة يتحول إلى نبوءة عندما يقتل سيسرا قائد العدو على يد امرأة ولكنها امرأة أخرى غير دبورة انها (ياعيل) ليكون دور هذه المرأة تعضيديا لدور المرأة الأولى مما يزيح التصور الأولي عن الدور الفريد والمقدس للمرأة آنذاك وليشير إلى مرحلة تاريخية اتسع فيها الدور النسويّ إلى درجة لم تعد فيها المرأة ملزمة بالدور الذي يحدده لها الرجل، فالمرأتان متزوجتان ومع ذلك تتصرفان بقرار شخصي يصل إلى حد التناقض مع مصالح والتزامات الرجل ف(ياعيل) تقتل سيسرا الذي التجأ إلى منزلها لأن زوجها (حابر القيني) مرتبط معه بصلح، بل انها تستخدم هذا الصلح لتخدعه ( فخرجت ياعيل لاستقبال سيسرا وقالت له مل يا سيدي مل إليّ. لا تخف. فمال إليها إلى الخيمة وغطته باللحاف. فقال لها اسقيني قليل ماء لأني قد عطشت. ففتحت وطب اللبن وسقته ثم غطته … فأخذت ياعيل امرأة حابر وتد الخيمة وجعلت الميتدة في يدها .. وضربت الوتد في صدغه فنفذ إلى الأرض وهو متثقل في النوم ومتعب فمات) (قضاة/4/18-23)وعمدت دبورة النبية القاضية إلى استخدام وظيفتها الدينية لإنتاج ترنيمة ستتحول إلى نص يدون دور المرأة في تلك المرحلة وسيطرة ذلك الدور على الأحداث، حتى ان الزمن الذي ينسب عادة إلى الرجال من أنبياء وملوك، وصفته الترنيمة بأسم امرأة إلى جوار اسم الرجل (في ايام شجر بن عناة في ايام ياعيل) (قضاة/5/6) ويتضخم الدور النسوي عندما تظهر شخصية دبورة في النص (خذل الحكام في إسرائيل . خذلوا حتى قمت انا دبورة . قمت اما في إسرائيل .اختار آلهة حديثة) (قضاة/5/7-8) ان صياغة الدور النسوي يأتي في هذا المقطع ليؤكد فشل النظام التقليدي والهوية الثقافية الموروثة لبني إسرائيل في إقامة سلطة قوية تحقق وحدة الجماعة وحريتها، ذلك الفشل هو ما فسح المجال امام ظهور المرأة ودورها الجديد – القديم معتمدة على موروث ثقافي تم إهماله ( قمت أما في إسرائيل) لتغير الصياغة التاريخية التي سيطر عليها الرجل – الأب، ربا ونبيا وملكا، وإذا كانت الترنيمة تحفز الأصل القومي بإعادة الاعتبار للأمومة فأنها تمنح هذا المفهوم دورا دينيا أيضا ( اختار آلهة حديثة) وتحفز أيضا الدور السياسي من خلال الإشارة إلى واقع بني إسرائيل والدور العسكري الذي قامت به دبورة وياعيل، ويركز النص على قدرة المرأة (ياعيل) على اقتراف فعل القتل الذي كان بأستمرار فعلا رجوليا وخاصة القتل في الحرب ومن خلال الخدعة، وحتى صياغة فعل الخدعة يشير إلى بصمة المرأة (طلب ماء فأعطته لبنا) حيث اللبن رمز أنثوي – أمومي بامتياز، فهو وسيلة حياة ورابطة محبة، إلا ان تغيير الدور النسوي يؤدي إلى تغيير وظيفة الرموز الأنثوية ليغدو اللبن وسيلة خداع وقتل، بل إن الرموز الأنثوية التقليدية تنسب إلى الرجل المهزوم ( غنيمة ثياب مصبوغة سيسرا. غنيمة ثياب مصبوغة مطرزة) (قضاة/5/30) والترنيمة التي تنتجها دبورة تسخر من الأدوار التقليدية (الأم التي تنتظر ابنها عائدا من الحرب) و(الخادمة التي تحاول التخفيف عن سيدتها ) و( الفتاة التي تكون غنيمة تقتسم في الحرب). وما ينتجه الدور النسوي من تأثير سياسي وثقافي واجتماعي لا ينقطع بسهولة فيشير النص إلى نتائج دور دبورة وياعيل (واستراحت الأرض أربعين سنة ) وهذه المدة كافية للإيحاء بأهمية الدور في مرحلة البحث عن الهوية.

{{المنقذ الطاغية}}

من بين الحكايات التي يسردها سفر القضاة، تأتي حكاية جدعون لتسجل نمطا آخر من الحلول التي تتبناها الجماعة في رحلة البحث عن هوية توفر للخروج من المآزق التي تعيشها، حيث يلعب شخص واحد دورا أساسيا في صياغة وتشكيل حياة الجماعة، مستغلا التدهور الذي وصلت اليه حيث عاد أفرادها للعيش في الكهوف ومغارات الجبال لينقذوا أنفسهم من تعسف الجماعات المجاورة (المديانيون والعماليق وبنو المشرق) الذين يستولون على المحاصيل الزراعية والحيوانات ويتركون بني إسرائيل يعيشون حياة بائسة، وحتى النبي الذي يسجل النص ظهوره، اكتفى بتأنيب بني إسرائيل لأنهم فارقوا شريعتهم وتقاليدهم، وفي تلك المرحلة الصعبة يظهر شخص يدعي تمتعه بعناية إلهية خاصة ويسرد النص التجربة الروحية التي يمر بها جدعون ويمتلك من خلالها العناية الإلهية التي تؤهله لاقتراح نفسه قائدا جديدا للشعب الإسرائيلي وأول ما يقدم عليه هو إعادة الديانة اليهودية القديمة وهدم معبد (بعل)، ليكون جدعون حاميا للهوية القديمة وباعثا للدين المنسي أو المندثر وهذا التوجه نحو إحياء التراث يبرر له امتلاك السلطة والتحكم بالجماعة معيدا إلى الأذهان ما قام به إبراهيم من تحطيم للأصنام، لكن جدعون هذه المرة يجد مساندة من أبيه وقبولا من الجماعة بعد أن أسّس مذبحا للرب في المكان الذي حصلت له فيه الرؤية المقدسة وأسماه ( يهوة شلوم) وبتأسيسه للمكان المقدس بعد حصوله على التجربة الروحية المباشرة يكون جدعون قد تجاوز المستوى العادي للبشر وبالتالي أصبح مؤهلا لامتلاك السلطة المطلقة ولكن ليحقق ذلك عليه إثبات قدرته على إنقاذ بني إسرائيل من الجماعات التي تضايقهم أو تعتدي عليهم، وبالفعل ينجح في توحيد الجماعة الإسرائيلية وينتصر على أعدائها، ويتجه النص إلى المبالغة في توصيف قوة أولئك الأعداء للتأثير في المتلقي بما يحيل النصر عليهم إلى معجزة فيقول ( وكان المديانيون والعمالقة وكل بني المشرق حالين في الوادي كالجراد في الكثرة. وجمالهم لا عدد لها كالرمل الذي على شاطئ البحر في الكثرة) (قضاة/7/13) ومع ذلك ينتصر عليهم جدعون بثلاثمئة مقاتل وذلك بعد أن تخلص من ثلاثين ألف مقاتل هم العدد الأصلي لجيش بني إسرائيل الذي كان يقوده جدعون ثم تخلص منهم بحجج غريبة ليكون انتصاره إعجازيا ولتكون الحرب التي يخوضها مقدسة والجيش الذي يقوده يتكون من قلة مؤمنة، في حين يرشح من النص وخاصة في الأصحاح الثامن ان زعامة جدعون ليست موضع إجماع من بني إسرائيل ولذلك يعمد جدعون إلى تصفية وإبادة الكثيرين بأساليب قاسية ودموية لأنهم لم يتعاونوا معه ولم يعترفوا بسلطته (وأخذ شيوخ المدينة وأشواك البرية والنوارج وعلم بها أهل سكوت وهدم برج فنوئيل وقتل رجل المدينة ) (قضاة/8/16) .

ان الصياغة السردية تمثل شكلا من تعامل النص الديني مع الوقائع بطريقة تحيلها إلى مجموعة من الوقائع الأعجازية والمقدسة بما فيها تغيير اسم جدعون إلى يربعل بعد هدمه لمعبد بعل وانتصاره في المعركة، حيث يتحول الفعل السياسي والعسكري إلى انجاز خارق ولكن عملية التصعيد التي يمارسها السرد سرعان ما تتراجع عندما يضطر السرد إلى العودة للوقائع اليومية والاعتيادية والطرق الطبيعية التي تنجز بها الأفعال، ان هذه العودة اضطرارية لان السرد ملزم بالانتقال إلى مشهد تاريخي مقدس آخر، وهذا الانتقال لا يتحقق إلا عبر النكوص إلى الوقائع الطبيعية، حيث حركة التاريخ تعمل بآلية التقدم والتراجع ..الصعود والنزول، وطبعا الفعل السلبي يكون في معزل عن حضور القوة المقدسة، أو نتيجة تناسي الشعب لتلك القوة، ولذلك ما ان تصل شخصية جدعون إلى ذروة قوتها (وقال رجال إسرائيل لجدعون تسلط علينا أنت وابنك وابن ابنك لأنك قد خلصتنا من يد مديان. فقال لا أتسلط أنا عليكم ولا يتسلط ابني عليكم الربّ يتسلط عليكم) (قضاة/8/22-24) إنّ رفض جدعون للتسلط على بني إسرائيل غير حقيقي لأن النص يشير صراحة إلى تحول جدعون إلى ملك، لكن جدعون يريد من خلال الرفض الإيحاء لبني إسرائيل بأن مصدر سلطته ليس رضاهم وقبولهم بل إنّ سلطته مصدرها الهيّ مقدّس وبالتالي هو أيضا يقع في دائرة المقدس. انه ملك مطلق وهذه ذروة السلطة وكذلك ذروة شخصية جدعون التي يضطر النص عندها للنكوص في رسم هذه الشخصية حيث يتحول جدعون إلى ديانة وثنية ويعبد آلهة أخرى غير الإله الذي يؤمن به بنو إسرائيل والذي صدرت عنه الشريعة أي انه ليس الإله الذي انطلقت منه شخصية جدعون وهي تتجه إلى بناء سلطتها حيث جمع ذهب الغنائم وصنع منه تماثيل وأصنام (فصنع جدعون منها انوادا وجعله في مدينته في عفرة وزنى كل إسرائيل وراءه هناك فكان ذلك لجدعون وبيته فخا ) (قضاة/8/27)، ان هذا النكوص الديني لجدعون ولبني إسرائيل عموما يثير الشكوك في التجربة الدينية التي انطلق منها وما يتعلق بالرؤيا المقدسة خصوصا ليتحول كل ذلك إلى خطاب إعلامي يعتمد على المشاعر الدينية لدعم نشاط سياسي يجد في العودة إلى الأصول مصدرا لتحقيق الوحدة السياسية وإثارة مشاعر المواجهة عند الجماعة ومع ذلك يعود النص ويؤكد ترابط العلاقة بين وجود سلطة سياسية قوية والإيمان الديني ( وكان بعد موت جدعون ان بني إسرائيل رجعوا وزنوا وراء البعليم وجعلوا لهم بعل بعل بريث إلها) (قضاة/8/33)، لنلاحظ أن النص لا يهتم كثيرا بالوثنية التي أنتجها جدعون ولكنه يضخم من الوثنية بعد موته ويراها خطيئة لا تغتفر، هنا يبرز مفهوم الطاغية الذي يتم التعامل معه باعتباره منقذا للجماعة يتمتع بسلطة مقدسة وله الحق في اقتراف كل الأفعال من قتل وإبادة وحتى كفر أو إساءة للمعتقدات دون عقوبة، بل ان النص يلوم بني إسرائيل على عدم الوفاء لذكرى جدعون وعدم الولاء الكامل لأبنائه كما سنرى، لكن الإشارة المركزية في هذه الحكاية، أن العودة إلى الأصول قد تنجح في توحيد الجماعة وتحقيق انتصارات مرحلية ولكنها لا تكفي لإنتاج حياة طبيعية متحضرة، لذلك يعود جدعون نفسه إلى الاقتباس من حياة الجماعات المجاورة لأنها أكثر تحضرا ورقيا.

{{الهوية والنسب}}

لا يترك البحث المحموم عن هوية نظاما اجتماعيا او سياسيا، قديما او حديثا إلا ويتجه أليه في محاولة لمواجهة التحديات المختلفة، فبعد أن مات يربعل بن اواش(جدعون) ترك عددا كبيرا من الأبناء، الأمر الذي فتح باب الصراع بينهم، إلا أن ابنا واحدا (ابيمالك) يفلح في كسب تأييد عدد كبير من الجماعة أو على الأقلّ العدد الكافي من الأنصار ليصل إلى السلطة وكان طريقه إلى ذلك يعتمد على تخيير أقاربه بين نظامين للسلطة، الأول يسمح لجميع أبناء يربعل بالتحول إلى ملوك والثاني يمنح السلطة لرجل واحد، في مجتمع محدود الموارد ويعاني من الضعف ويواجه تهديدات مختلفة سيبدو الاختيار محسوما، حيث تتجه المجموعة إلى اختيار حكم الشخص الواحد باعتباره الأقلّ كلفة والأكثر قدرة على إدارة النظام الاجتماعي والسياسي بقرارات فردية وحازمة، ولما كان التمييز بين العدد الكبير من أبناء يربعل صعبا فقد استفاد ابيمالك من علاقة الخؤولة التي تربطه بإحدى الجماعات الفرعية، فأعتبرهم أهله أو أقنعهم بأنه ولدهم ( وذهب ابيمالك بن يربعل إلى شكيم إلى أخوة أمّه وكلمهم وجميع عشيرة بيت أمّه قائلا، تكلموا الآن في آذان جميع أهل شكيم. ايما هو خير لكم .أأن يتسلط عليكم سبعون رجلا جميع بني يربعل أم أن يتسلط عليكم رجل واحد . وأذكروا أني انا عظمكم ولحمكم . فتكلم إخوة أمّه عنه في اذان كل أهل شكيم بجميع هذا الكلام . فمال قلبهم وراء ابيمالك لأنهم قالوا أخونا هو ) (قضاة/9/1-4) . ويسجل علماء الأنثربولوجيا الانتساب إلى الخال على انه احد الأشكال البدائية في نظام النسب وهذه العودة إلى نظام قديم للنسب تتعاضد مع الاعتماد على ديانة وثنية تشكل هي الأخرى عودة لنظام عقائدي قديم (وأعطوه سبعين شاقل فضة من بيت بعل بريث) (قضاة/9/3) ليتكون سياق موحد من هذين النظامين (اجتماعي- ديني) واعتمادا على ما يوفره النظام الديني من ثروة تم إنتاج قوة ( فأستأجر بها ابيمالك رجالا بطالين طائشين فسعوا ورائهم ) ( قضاة/9/4) وتستخدم هذه القوة للحصول على مكاسب سياسية وإنتاج نظام حكم يقوم أساسا على التصفية الجسدية، حيث يقتل ابيمالك إخوته ( ثم جاء إلى بيت أبيه في عفرة وقتل إخوته بني يربعل سبعين رجلا على حجر واحد ) (قضاة/9/5)، ولا ينجو من هذه المذبحة إلا شخص واحد هو (يوثام بن يربعل) الذي يؤنب أهل شكيم الذين أعانوا على إبادة إخوته.

إن النظام الحاكم الذي يقوم على هذه الأسس انتهى إلى نظام طغيان استعبد فيه رجل واحد شعبا كاملا وانتهى بتمرد وحرب أهلية قادت إلى مقتل (ابيمالك ) لتكون هذه مرحلة أخرى يطغى فيها القتال والعنف على عملية إنتاج الهوية التي تراجعت فيها الجماعة إلى أنظمة غائرة في الذاكرة الثقافية في محاولة للحفاظ على الذات .

{{الآخر والهوية}}

رغم أن السرد في سفر القضاة يعقد علاقة بين الولاء الديني التقليدي واستقلال الجماعة الإسرائيلية وحريتها لكن من الواضح ان الأشخاص الذين يصلون إلى مركز السلطة ليسوا بالضرورة ممن يتمسكون بالتعاليم الدينية التقليدية، فضلا عن أنهم كثيرا ما يخرجون على النظام الأخلاقي المعتاد فيتحول مفهوم الولاء الديني إلى ولاء للجماعة وتقاليدها بما يؤدي إلى استغلالها من خلال مؤسسة سلطة مستقلة، فيكون الخطاب الديني مجرد أداة إعلامية لتحقيق سيادة وسيطرة مؤسسة السلطة، تلك المؤسسة التي تشكل حاجزا يفصل بين الذات (الجمعية) والآخر، وهكذا تتراجع الأسس العقائدية للخطاب الديني لتطفو العلاقات السلطوية ودعايتها وخطابها على سطح الأحداث والوقائع الاجتماعية، وليكون الملوك والحكام (القضاة) رموزا اجتماعية لانفصال الذات عن الآخر، وبغيابهم تسيح المجموعة في الفضاء الثقافي المجاور بما يهدد النظام الثقافي للجماعة الإسرائيلية، فالخطاب الديني يمكن ان يتسأهل مع ضعف الالتزام الاخلاقي والعبادي للأفراد عامة وللحكام خاصة، لكنه يحرص بأستمرار على المحافظة على هيكلية الجماعة ونظامها الثقافي وبالتالي انفصالها عما يجاورها ويحيط بها .

{{النظام والضرورة}}

إلا أن الجماعة لن تقبل في كل الأحوال بتحويل الهوية إلى مجموعة قوانين وشروط جامدة تحد من الحركة لتحقيق الأهداف العامة، لذلك فإن الجماعة تبقى قادرة على إعادة صياغة الهوية بما يوسع من آلياتها في العمل، ومن بين تلك الآليات تعريف الفرد ضمن الجماعة، فالفرد الذي يطرد أو يهمل في الأوقات العادية قد يعاد إلى حظيرة الجماعة في أوقات أخرى عندما تحتاج اليه وبالمثل فأن العادات والسلوكيات والأفكار والرموز يتم إعادة تشغيلها في أوقات الضرورة ولكن داخل النظام الاجتماعي التقليدي ولتحقيق أهداف ذلك النظام فقط، وهذا ما يحدث في الأصحاح الحادي عشر من سفر القضاة حيث يطرد يفتاح الجلعادي ويحرم من حصته في تركة أبيه بحجة أن أمّه زانية ثم تعود الجماعة للاعتراف به من جديد والقبول به زعيما لها عندما تضطر لذلك تحت ضغط الصراع العسكري الذي تخوضه ضد جماعة أخرى.

إن سلوكيات شخصية( يفتاح) تؤشر إلى انه لم يكن يهوديا بالمعنى الديني وان توصيف أمّه بأنها زانية غير مقصود به المعنى الحرفي أو القانوني لكلمة (زنا) وإنما القصد منه أنها من جماعة دينية أو عرقية مختلفة، أو إن علاقة الزواج بين والدي (يفتاح) لا تنطبق عليها المعايير الدينية اليهودية، حيث يتوسع النص التوراتي غالبا في توصيف الانحراف الديني لليهود بأنه ( زنا وراء آلهة أخرى ) كما يتردد في سفر القضاة كثيرا، كما ان زواج الإسرائيليين (أبناء الله) من النساء غير الإسرائيليات (بنات الناس) كثيرا ما يوصف في التوراة بأنه(زنا).

ان ما يرجح فرضية المعنى المجازي لكلمة (زنا) هي الطقوس التي يمارسها يفتاح الذي ينذر للرب ان يذبح أول شخص يلقاه من أهل بيته عن عودته منتصرا من الحرب ويصادف ان يكون هذا الشخص ابنته العذراء الوحيدة، ويركز النص بمبالغة على عذرية الإبنة (ونذر يفتاح للربّ قائلا إن دفعت بني عمون ليدي فالخارج الذي يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة من عند بني عمون يكون للرب وأصعده محرقة)، (ثم أتى يفتاح إلى المصفاة إلى بيته. وإذا بابنته خارجة للقائه بدفوف ورقص. وهي وحيدة . لم يكن له ابن ولا ابنة غيرها. وكان لما رآها انه مزق ثيابه وقال آه يا بنتي قد أحزنتني…) ويمتد السلوك الوثني إلى ابنته (وأرسلها إلى شهرين فذهبت هي وصاحباتها وبكت عذريتها على الجبال …ففعل بها نذره وهي لم تعرف رجلا) (قضاة/11/31-39)، ان طقس التضحية بالعذراء من تقاليد الديانات الوثنية التي كانت موجودة أيام يفتاح بل إن يفتاح نفسه كان من أتباعها، وقبول الجماعة الإسرائيلية بزعامة يفتاح يعني ان الجماعة رجحت النسب الأبوي في نظامها الاجتماعي على النسب الأمومي، كما انها بتأثير الضرورات السياسية، اعتمدت الانتماء العرقي وفضلته على الانتماء الديني، وتلك الضرورات نفسها دفعت بالجماعة إلى قبول مجموعة من الخارجين على القانون ( البطالين ) التي كان يفتاح يقودها، وعلى الأرجح فأن هذه المجموعة كانت سبب قوة يفتاح، المهم في هذه الحكاية ان الانتماء الثقافي – العرقي الواسع تحول إلى أساس في تعريف الهوية بدلا من الانتماء الديني، ورغم عدم الالتزام الديني التقليدي الواضح في شخصية يفتاح، الا انه وكما يعرض النص يمتلك معرفة جيدة بتأريخ إسرائيل كجماعة عرقية وثقافية.

نلاحظ في هذه الحكاية ان النص يستخدم تقنيات بلاغية في تمرير الحدث التاريخي بالطريقة التي يريدها، فهو يستخدم كلمة (زانية) بطريقة غير دقيقة وبالمثل يستخدم لقب (الجلعادي) للتعريف ب(يفتاح)، هذا اللقب الذي قد يشير إلى الاسم الحقيقي لوالد يفتاح الا انه وبسبب صفة الزنا التي يوسم بها مولده فأنه يشير أيضا إلى المكان (جلعاد) او السبط الإسرائيلي (جلعاد)، لنشهد في النهاية مرونة يمنحها النظام الثقافي للجماعة لاستخدام اللغة والفعل السردي لتمرير مرونتها الاجتماعية والأخلاقية في إعادة تعريف الشخص الإسرائيلي بطريقة تمكنها من الاستفادة من جميع الأفراد وإعادة ضم اولئك الخارجين عن الجماعة عندما تكون هناك حاجة اليهم .

لكن عملية الضم او إعادة الاعتراف هذه مؤقتة حيث ينفرد يفتاح الجلعادي بكونه فردا لا عائلة تسانده، انه كائن هامشي تستفيد منه الجماعة لفترة قصيرة ثم تتخلى عنه لأنّه أيضا لم ينجح في تكوين عائلة قوية وكبيرة واللافت ان التركيز على عذرية ابنة يفتاح يأتي ليوازي توصيف الزنا الذي لاحق جدتها(ام يفتاح) وإذا كان هذا التوصيف ذا طبيعة دينية، كما أوضحنا، فأن عذرية الحفيدة يتحول إلى طبيعة دينية أيضا وكأنما تكون التضحية بالحفيدة للتكفير عن اثم الجدة، وبين الجدة والحفيدة يتم استئصال يفتاح من السلطة بالمعنى الاجتماعي ويتحول إلى حالة نادرة تستحق التدوين ولكن لا تستحق الاستمرار.

انها نوع من البطولة الكريهة والاستثنائية التي تضطر الجماعة للاحتفاء بها باعتبارها هفوة نافعة وليس نظاما قابلا للتكريس، لتكون هذه الحالة على هامش الهوية و يمكن الاستفادة منها عند الضرورة.

{{الآخر… إلى الأبد}}

تبدو قصة شمشون في البداية وكأنها استعداد لسرد حياة شخصية دينية مقدسة، حيث الولادة الصعبة بعد العقم، والطفل المنذور، والقوة الأسطورية والعهد الإلهي والميزة الجسدية (ولا يعل موسى رأسه) (قضاة/13/5 ) لكن الشخصية التي يستمر النص في تدوين سيرتها لا تختلف عن البشر العاديين، بل ان شمشون كائن مسرف في اللهو والمجون والمتعة، ان حكاية شمشون والتي تمتد في الأصحاحات من الثالث عشر إلى السادس عشر، تؤرخ لحكاية العلاقة بين بني إسرائيل وغيرهم من الأقوام وخاصة الفلسطينيين، تلك العلاقة التي تتسم بالتناقض، حب شمشون (الإسرائيلي) وغدر وخيانة النساء(الفلسطينيات) بما ينتج صورة محددة وسلبية للآخر ويعتبر المرأة أساسا للفخ الذي ينصبه الآخر للذات الإسرائيلية، ان الصياغة الشعبية التي تنتجها التوراة لحكاية شمشون بما تسرده من حكايات وعلاقات ومغامرات غرامية وجنسية واحتفالات وعراك ومفاجئات تعتبر وسيلة ثقافية متميزة لتمرير الصورة المنمذجة عن والآخر الذي يتصف بالخيانة والدنس والدناءة والغدر حتى لو كان هذا الآخر محبوبة أو زوجة، فأن ولائها سيكون لهويتها وقومها وانها في اللحظة الحاسمة ستعبر عن انتمائها الأصلي، وتكاد تكون دليلة (الفلسطينية) هي النسخة السالبة لـ(ياعيل) الإسرائيلية، وفي حين تخص الأولى بالكراهية والتشويه، تحظى الثانية بالتكريم والاحتفاء، في حين ان جوهر فعل الاثنتين هو نفسه، حيث تفضل كل منهما جماعتها القومية على زوجها، وهنا تتحكم الذات الثقافية في صياغة اللغة السردية بما يحرك اتجاهات ومواقف محددة من كل شخصية وكل فعل وفقا للانتماء القومي والثقافي والديني وليس اعتمادا على تقييم الأدوار والسلوكيات بحد ذاتها.

ان السرد الديني يجعل من هفوات الشخص ونزواته أساسا ينهض عليه المخطط المقدس للكون ولذلك فأن شمشون يعشق امرأة فلسطينية (ولم يعلم أمه أو أبوه أن ذلك من الربّ لأنه كان يطلب علة على الفلسطينيين) (قضاة/14/3).

وكلما تعرض شمشون لخيانة زوجية يجد مبررا لقتل العشرات انتقاما لرجولته وشرفه ( فقال لهم لو لم تحرثوا على عجلتي لما وجدتم احجيتي. وحل عليه روح الربّ فنزل إلى أشقلون وقتل منهم ثلاثين رجلا واخذ سلبهم) (قضاة/14/18).

اما رمزية فعل الحلاقة الذي يؤدي إلى ذهاب قوة شمشون مع شعر رأسه، فتأكيد على المفهوم الديني للفطرة او الطبيعة الأصلية التي تتعرض للتشويه والضعف والتلوث نتيجة للتسامح والعيش مع الجماعات الدينية الأخرى وعندما تضيع تلك العقيدة الأولى النقية تضيع معها قوة الجماعة ويحدث الافتراق بين الإنسان والربّ (ولم يعلم أن الربّ قد فارقه ) (قضاة/14/20)، إن فقدان العقيدة/الروح/العلاقة المقدسة والتجربة الروحية المباشرة هي نتائج للاندماج والاختلاط بالأغيار بما يسمح بتعديل العقائد والسلوكيات والأخلاق. والانفصال عن هؤلاء الاغيار هو الوحيدة لحماية الذات (النحن) وإذا كان ذلك مستحيلا فالأفضل إبادتهم أو على الأقلّ تحويلهم إلى عبيد، فالصراع يتم تصعيده ليكون صراعا بين الكيانات المقدسة (الآلهة) وهذا ما يتمّ التعبير عنه في المشهد الأخير من حكاية شمشون، حيث يكون المعبد مكانا للصراع والآلهة هم أقطاب الصراع، أما البشر فمجرد أدوات للصراع ( وأما أقطاب الفلسطينيين فاجتمعوا ليذبحوا ذبيحة عظيمة لداجون ألههم ويفرحوا وقالوا قد دفع إلهنا ليدنا شمشون عدونا..ولما رآه الشعب مجدوا ألههم لأنهم قالوا قد دفع ألهنا ليدنا عدونا الذي خرب أرضنا وأكثر قتلانا) (قضاة/16/23-24) ، (فدعا شمشون الربّ وقال يا سيدي الربّ أذكرني وشددني يا الله هذه المرة فقط فأنتقم نقمة واحدة عن عيني من الفلسطينيين) (قضاة/16/28) ويكون فعل الانتقام فعلا انتحاريا حيث يهدم شمشون المعبد على جميع المتواجدين هناك وليموت هو مع أعدائه (الفلسطينيين) ليكون فعل الانتقام فعلا تطهيريا يثأر فيه شمشون لقوته ومعتقده ورجولته وحريته التي خسرها نتيجة علاقته بالآخرين (الفلسطينيين) ليكون الموت مصيرا للاثنين، والمبالغة السردية في عدد القتلى تشي بالرغبة الكامنة في قصدية السرد ليس فقط بتضخيم فعل شمشون وإنما في تأكيد رغبة الانتقام من الآخر وإزالته من الوجود، في حين يشكل مكان الصراع بعدا استعاريا يشير إلى القوى المتعالية المقدسة ليكون الصراع بين الآلهة ولكن عبر البشر ليحطم (يهوه) اله الإسرائيليين معبد (داجون) اله الفلسطينيين.

ان هذه الصياغة للصراع تطلقه من إطاره الزمني وتحوله إلى قضية أخلاقية ثم تكون طريقة التعامل معها ثابتا ثقافيا (سنة) يتم تمريره إلى العامة المعاصرين وكذلك إلى الأجيال القادمة لتكون إشكالية التعامل مع الآخر محكومة بإرث واضح ومحدد لا يتطلب سوى الاستجابة الآلية له.

{{ديانة جديدة}}

من الواضح ان الشريعة الموسوية قد نهت أتباعها عن صناعة التماثيل وعن عبادتها (إذا ولدتم أولادا وأولاد أولاد وأطلتم الزمان في الأرض وفسدتم وصنعتم تمثالا منحوتا صورة شيء ما وفعلتم الشر في عيني الربّ ألهكم لإغاظته اشهد عليكم اليوم السماء والأرض انكم تبيدون سريعا عن الأرض التي انتم عابرون الأردن أليها لتمتلكوها) (تثنية/4/25)، ( لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالا منحوتا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من أسفل وما في الماء من تحت الأرض..لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الربّ إلهك اله غيور ) (تثنية/5/7-9) ومع كل هذه التحذيرات الشديدة فقد اتجه الإسرائيليون أكثر من مرة لصناعة التماثيل وعبادتها، ربما تقليدا للجماعات المجاورة او رغبة في إيجاد مصادر دينية أكثر فعالية في الحياة اليومية، ومن ذلك ما يسجله سفر القضاة في الأصحاح السابع عشر والثامن عشر، حيث يعمد احد الأشخاص (ميخا) لإقامة بيت تعبد فيه التماثيل، والأهم انه يستعير من الطقوس اليهودية ما يساعده على الترويج لهذه العبادة وذلك باعتماده على (لاوي ) ليكون كاهنا لتلك التماثيل وتتطور هذه العبادة عندما يستعين احد أسباط بني إسرائيل (سبط الدانيين) بكاهن هذه التماثيل ومن ثم بالتماثيل نفسها في تحقيق الانتصارات العسكرية والاجتياحات ومن ثم تأسيس مدينة جديدة، وبالفعل ينجح أبناء هذا السبط في تحقيق مساعيهم ليكون الدين الوثني الجديد دينا رسميا للمدينة الجديدة (أهو خير لك ان تكون كاهنا لبيت رجل واحد ام ان تكون كاهنا لسبط ولعشيرة في إسرائيل) (قضاة/18/19)، وهكذا يتم إقناع اللاوي بالانضمام إلى السبط وتولي شؤونه الدينية، أما صاحب البيت الذي فيه التماثيل فقد حاول الاعتراض على ما قام به السبط الإسرائيلي (وقالوا لميخا مالك صرخت. فقال. آلهتي التي عملت أخذتموها مع الكاهن وذهبتم فماذا لي بعد. وما هذا تقولون لي مالك . فقال له بنو دان لا تسمع صوتك بيننا لئلا يقع بكم رجال أنفسهم مرة فتنزع نفسك وأنفس بيتك. وسار بنو دان في طريقهم. ولما رأى ميخا أنهم اشد منه انصرف ورجع إلى بيته) (قضاة/18/23/26)، ( وأقام بنو دان لأنفسهم التمثال المنحوت … إلى يوم سبي الأرض ووضعوا لأنفسهم تمثال ميخا المنحوت الذي عمله كل الأيام التي كان فيها بيت الله في شيلوة) (نفسه/27-31) .

القارئ أمام سرد هادئ لعملية انحراف ديني مهمة استمرت لفترة طويلة من الزمن، لقد تحول احد الأسباط إلى عبادة وثنية وأسس مدينة تدين بها، لكن الأمر بدا عاديا بسبب التمزق السياسي حيث (وفي تلك الأيام لم يكن ملك في إسرائيل) وبهذا يكون البحث عن هوية قد وصل إلى منطقة حرجة عندما يتعرض العنصر الأساسي للوحدة الاجتماعية والثقافية (الدين) للخطر.

{{حرب أهلية}}

يبدأ السرد في الأصحاح التاسع عشر بعبارة ( وفي تلك الأيام حين لم يكن ملك في إسرائيل ) لتكون عبارة تأويلية لما سيأتي من أحداث، أي إن كل ما سيتم سرده من أحداث هي ناتجة عن هذا الغياب السلطوي، حيث تتم عقد مقاربة جديدة بين وجود السلطة السياسية القوية وسلطة الأخلاق، وان غياب الأولى يؤدي إلى غياب الثانية، لتنتهي إلى اعتبار السلطة السياسية هي الكيان الحافظ للأخلاق العامة وبزوالها تتعرض هذه الأخلاق للانتهاك والتدمير، حيث يسرد النص حكاية رجل لاوي وهو متغرب، وتمارس سريته(جاريته) الزنا مستغفلة إياه، ثم تتركه وتلتحق بأبيها عندما يعلم بما تفعله، ومع ذلك يحاول هو استرضاءها وإعادتها إلى منزله، وفي رحلة العودة، يكشف النص عن انهيارات أخلاقية أخرى، منها عدم الثقة بالغرباء، ضعف أخلاقيات الضيافة، الشذوذ الجنسي، الاعتداء على الضعفاء والغرباء، تكوين العصابات الإجرامية، الاغتصاب، سيطرة قانون القوة، وهذه الأوضاع الأخلاقية يتم التعرض لها من خلال الاحداث التي يمر بها الرجل اللاوي وهو في إحدى القرى الإسرائيلية( جبعة التي لبنيامين) حيث يسكن احد اسباط بني إسرائيل والتي لم يجد فيها من يقبل استضافته إلا رجل مسن لم يستطع حمايته من رجال المدينة (رجال بني بليعال) الذين( أحاطوا بالبيت قارعين الباب وكلموا الرجل صاحب البيت الشيخ قائلين اخرج الرجل الذي عندك فنعرفه) (قضاة/19/22) لتأتي هذه الصورة استنساخا لصورة غائرة في التراث الإسرائيلي هي صورة سدوم وحكاية لوط مع ضيوفه من الملائكة، لكنه استنساخ في الإطار الديني المتحول، أي بعد ان تم انجاز التغيير الديني والثقافي والقومي، لتبدو كل هذه التغيرات بلا قيمة إذا افتقدت إلى الإطار السياسي القوي. ويكاد العرض نفسه يتكرر حين يطلب منهم الشيخ عدم اغتصاب ضيفه الرجل ويعرض عليهم بدل ذلك اغتصاب ابنته العذراء وسرية ضيفه، وليبدو العرض استنساخا واستمرارا للرؤية التي كانت قائمة في حكاية لوط/سدوم التي تقبل بالازدواجية الأخلاقية في النظر إلى كل من الرجل والمرأة والتي لا تجد حرجا في تعرض المرأة إلى الاغتصاب وانها يمكن ان تكون بديلا – ضحية تحل محل الرجل وتتعرض للصعوبات والمخاطر والإذلال بدلا عنه، والأهم ان الموجه الديني يستمر في تأثيره على الفعل السردي والتكوين الحكائي، حيث يتناسى النص ويتغاضى عن ابنة الشيخ العذراء، في حين تبقى السرية(الجارية)/الزانية التي تتعرض للاغتصاب الجماعي حتى الموت (فأمسك الرجل سريته وأخرجها اليهم خارجا فعرفوها وتعللوا بها حتى الصباح وعند طلوع الفجر أطلقوها) (قضاة/19/25)، ان تأويل استمرار وجود السرية لوحدها وتعرضها للأذى والإذلال والموت، هو اما لأنها من مستوى اجتماعي أدنى (جارية) في حين ان ابنة الشيخ حرة، او محاولة حكائية لإنتاج عقوبة منسجمة سرديا مع ارتكابها للزنا في بداية الحكاية لتكون العقوبة من نفس جنس الذنب، بينما مازالت ابنة الشيخ عذراء، فالفراغ الشرعي(الاجتماعي والسياسي) لا يعني بالضرورة غياب العقوبات التي تتخذ لها آلية جديدة في الفعل، حيث شيوع الانحلال الأخلاقي يعني تعرض الأفراد لنفس ما يقومون به من أعمال متهتكة وظالمة ضد الآخرين . ويتم تمرير هذه العقوبة تحت أغطية متعددة يستخدمها النص ليسرب إلى القارئ قواعد أخلاقية/دينية تحكم السلوك وتتحكم بحياة الإنسان حتى بعد موته، ليجد القارئ عقوبة أخرى تطال الجسد الأنثوي الآثم تتمثل في فعل الرجل بجسد سريته الميتة (ودخل بيته وأخذ السكين وامسك سريته وقطعها مع عظامها إلى اثنتي عشر قطعة وارسلها إلى جميع تخوم إسرائيل) (قضاة/19/29) ان هذا التصرف بالجثة يأخذ مستوى تأويلي غائر هو العقوبة بعد الموت، ومستوى تأويلي سطحي هو استخدام الجسد او أشلائه لغرض إعلامي يراد به استنفار الجماعة لغرض الانتقام (وكل من رأى قال لم يكن ولم يرَ مثل هذا من يوم صعود بني إسرائيل من ارض مصر إلى هذا اليوم تبصروا فيه وتشاوروا وتكلموا) (قضاة/19/30) . لقد استلزم تحويل الجسد إلى رسالة فعل تشويهي يؤدي أولا إلى إثارة التساؤل بفعل دموية المشهد، وثانيا إلى تسهيل توزيع الرسالة حيث يقطع الجسد بعدد أسباط بني إسرائيل وتوزع القطع على أماكن سكنهم لاستثارتهم ودعوتهم إلى الانتقام وبالفعل تنجح الرسالة في تحقيق أهدافها حيث يقرر الشعب إعلان الحرب تؤدي إلى إبادة احد الأسباط، ثم جاء وقت الندم ليقرر الشعب إعادة إحياء هذا السبط فيواجه مشكلة القسم الذي التزم به جميع الأسباط بعدم مصاهرة السبط الذي اغتصب رجاله الجارية لذلك يقررون شن الحرب على جماعة صغيرة وقتل جميع رجالها ونسائها وأطفالها والإبقاء على الفتيات العذارى لتزويجهن لمن نجا من رجال السبط المباد ومع ذلك لم يكن العدد كافيا فاستخدموا حيلة للإفلات من قسمهم حيث اصطنعوا عملية اختطاف رمزية يحصل بها من تبقى من سبط بنيامين على زوجة دون الحاجة إلى رضا أبيها الذي اقسم على عدم مصاهرة البنيامينيين . وهذه نماذج أخرى من السلوك العشوائي الذي اكتنف مرحلة البحث عن هوية، هذا البحث الذي يعني التنقل السلوكي بين مرجعيات ثقافية مختلفة ومتنوعة ومتناقضة لمواجهة الإشكاليات الاجتماعية، وهذه الفوضى السلوكية تنعكس مظهريا في اختفاء المؤسسة السياسية الموحدة والقوية والتي يحرص النص على التذكير بها (في تلك الأيام لم يكن ملك في إسرائيل، وكل واحد عمل ما حسن في عينيه) (قضاة/21/25).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق