الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة (8) “منعت الرقابة..” الخبر الثقافي العربيّ الأبرز (شهادات من الأردن)

{{-1-}}

لا يكاد يمرُ أسبوع أو أسبوعان حتى نقرأ خبراً عربياً ثقافياً يقول بمنع الرقابة في بلد عربي ما، لكتاب في الدين، أو السياسة، أو الجنس، سواء كان رواية، أم ديوان شعر، أم بحث علميّ. فالثالوث المُحرَّم العربيّ هو الدّين، والسياسة، والجنس. وما عدا ذلك من الكتب التي تبحث في الاقتصاد، والفنون، والمجتمع، فهو مسموح بها شرط أن لا تتعرّض لواحد من أضلاع الثالوث المقدَّس.

{{-2-}}

قصص الرقابة العربية على المطبوعات كثيرة ومتشّعبة في العصر الحديث، خاصّة بعد أن نالت الدّول العربية الاستقلال، ورحل النفوذ الأوروبيّ، وتولّت حكومات عربية ديكتاتورية وعسكرية وعشائرية الحكم.

ففي عهد الاستقلال، قامت في الدول العربية ما يُعرف بمديريات المطبوعات والنشر التي تراقب المطبوعات، وتقرأ كلّ كلمة في الكتب، والصحف. وهناك رقيب سياسيّ ورقيب دينيّ. وللرقيب الدينيّ الكلمة الأخيرة في إجازة المطبوعة أو منعها في معظم الدول العربية. فهو المرشد الأعلى للقراءة، والوصيّ الكبير على أفكار الكتّاب والقراء. وفي مصر وسوريا ولبنان، هناك رقابة على أفلام السّينما وإنتاجها. وفي معظم البلاد العربية تُمارس السلطة الحاكمة – من خلال أجهزتها البوليسية المختلفة – الرقابة المتشدّدة والدائمة على أفكار المواطنين، وأقوالهم، وأفعالهم. وهذا دليل على أنّ العربيّ لم يستقلَّ بعد رحيل الاستعمار الغربي. وأنّ الاستعمار الغربيّ قد استُبدل بالاستعمار العربيّ، المسيطر على أفكار وأقوال وأفعال المواطنين الذين أصبحوا رعايا لا مواطنين، كما قال لنا المصلح الدينيّ والسياسيّ الشيخ خالد محمد خالد في الخمسينات من القرن الماضي، في كتابه “مواطنون لا رعايا”.

{{-3-}}

ورغم انتشار الانترنت في العالم العربيّ، بحيث أصبحت الكلمة في كافّة أشكالها طائراً محلّقاً، يعبر السدود والحدود دون استئذان أو جوازات سفر، إلا أنّ الرقابة العربية على الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية ما زالت قائمة وبشدّة. وكنتُ أنا – ككاتب – من ضحايا هذه الرقابة، التي منعت لي ستّة كتب أو أكثر في بلدان عربية مختلفة. ففي السعودية وبعض دول الخليج، منعت الرقابة على المطبوعات والرقيب الدينيّ خاصّة، كتابي “الضوء واللعبة، دراسة نقدية لشعر نزار قباني، 1986″، ومنعت كتابي “ثورة التراث، دراسة في فكر خالد محمد خالد،1991″، ومنعت كتابي “نبْتُ الصمت، دراسة لشعراء الحداثة السعوديين، 1992”. وفي الأردن، مُنعت الرقابة كتابي “الشارع العربيّ، دراسة تاريخية، 2003” ، وكتابي “صعود المجتمع العسكري العربي، 2003″، وأخيراً كتابي “بالعربيّ الفصيح، محاولة لفهم ما لا يُفهم، 2008”.

{{-4-}}

كان منع الرقابة الأردنية لثلاثة كتب من كتبي مناسبة وجدتها ثمينة، لمخاطبة الملك عبد الله الثاني، والطلب منه إغلاق دائرة المطبوعات والنشر هذه الدائرة السوداء في تاريخ الأردن (هناك غرفة يطلق عليها “الغرفة السوداء” في الجامعة الأردنية بعمّان، تُحفظ فيها الكتب التاريخية عن الهاشميين الممنوعة). وأرسلت له رسالة مفتوحة نشرتها معظم المواقع على الانترنت في 4/8/2008 بعنوان “يا جلالة الملك: أغلق هذه الدائرة السوداء” أقول فيها:

“لقد شاعت في العالم العربي طبائع الاستبداد، والظلم، وتضييق الخناق على الثقافة والمثقفين، نتيجة لغياب الديمقراطية، وتأصُّل البُنيّة الاجتماعية الأبوية المتعصّبة، التي لا تقبل الاختلاف والمغايرة في الرأي، أو في الموقف، في كافة وجوه الحياة. وبذا، فقد المجتمع الحيوية، وفقد دفق الإبداع. ومما ساعد على الإحباط وفقدان الحيوية، ودفق الإبداع، ما تقوم به دائرة المطبوعات والنشر، من مصادرة للكتب، وحرقها، والاستبداد برأيها، تجاه الآراء والمواقف المختلفة. ودائرة المطبوعات والنشر هذه يا جلالة الملك، من مخلّفات الوصاية البريطانية، التي كانت مُهيمنة على الأردن، وانتهت بخروج الجنرال جلوب باشا من الأردن عام 1956، وإلغاء المعاهدة الأردنية – البريطانية، واستقلال الأردن.

إن ما تفعله دائرة المطبوعات والنشر من مصادرة، وحرق للكتب، يصلُّ إلى أسماع كل العالم ومنظماته، ويتناقض كليةً مع دعوانا، بأنّ الأردن بلد ديمقراطيّ، وحرية التعبير مكفولة فيه.

لقد قامت دائرة المطبوعات والنشر، بمصادرة أكثر من 1250 كتاباً في الفترة ما بين 1955- 1987 فقط، بحسب ما ذكر الكاتب عبد الله حمودة، في دراسة له، نشرتها جريدة “الرأي” الأردنية. كما صادرت ومنعت منذ 1990 إلى الآن أكثر من 500 كتاب، ومعظم هذه الكتب لكتّاب أردنيين. وأنا هنا، لا أريد أن أذكر قوائم طويلة بأسماء الكتب، التي تمّت مصادرتها، من قبل دائرة المطبوعات والنشر السوداء. وهذه الأعداد هي أكثر بكثير مما صادرته ومنعته دولة عربية كبرى كمصر مثلاً.

إن أمم الحرية والديمقراطية، هي الأمم التي احترمت مثقفيها وكتابها، ومكّنتهم من الإبداع والعطاء المتواصل، واعتزت بهم، وكرّمتهم.

فبماذا تعتزّ كلّ الشعوب الأوروبية بغير كتابها، وشعرائها، وفلاسفتها؟

{{-5-}}

ولكن الملك عبد الله الثاني لم يستجب لندائي، وفاتته فرصة ذهبية لتأكيد الديمقراطية الأردنية وتثبيتها، تلك الديمقراطية التي قال عنها السياسي الأردني العريق عدنان أبو عودة، أحد مستشاري الديوان الملكي بأنها “نكتة”، وظلت الرقابة الأردنية سيفاً مسلطاً على أعناق الكتاب والشعراء والمفكرين العرب والأردنيين.

بل إن الرقابة الأردنية على المطبوعات تضاعفت، في ظل اكتساح الأصولية الدينية الأردنية متمثلة بجماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي وغيرها من التنظيمات الدينية السياسية، التي أصبحت تمارس ما يُعرف بـ “رقابة الشارع” على المثقف الأردني.

و”رقابة الشارع” تعني هنا – على حدّ قول الشاعر والصحافي الأردني أمجد ناصر – التحريض الذي تمارسه قوى في الشارع السياسي والاجتماعي الأردني، ضدّ حرية التعبير، خصوصاً، ما يتعلق بفهمها للدين. فقد صار المؤذّن والقاضي الشرعيّ وشيخ الجامع والمحامي الأصوليّ أقوى نبرة ضدّ التعبير الإبداعيّ من الحكومة. فقد تمَّ تكفير الشاعر الأردني موسى حوامدة شرعياً من قبل الجماعات الإسلامية على قصيدته ثم محاكمته قانونياً. وبالأمس تمَّ تكفير شاعر أردنيّ آخر هو إسلام سمحان على “إيماءات”، و”دلالات” تنطوي عليها بعض قصائد ديوانه “برشاقة ظلّ” اعتبرها رجل دين رسميّ، مسيئة للدين الإسلاميّ. ويقول أمجد ناصر، إنّ “المشكلة مع الفقهاء والمدعين حرصاً على الدين، هي في التركيز على اللفظ، أو الاسم، أو الحادثة، وتجاهل المقاصد المجازية التي يسعى إليها النص الأدبيّ، ولا يستقيم من دونها”.

{{-6-}}

إذن، فقد أصبحت الرقابة على المطبوعات في الأردن وفي بلدان عربية كثيرة مزدوجة ومضاعفة. فالدولة بأجهزتها البوليسية من جانب، والشارع العربيّ بأحزابه وتشكيلاته السياسية الدينية من جانب آخر. وهو ما عانى منه مثقّفون عرب كثيرون في مصر وغير مصر. وعلينا أن نتذكّر أنّ ما فعلته الرقابة الحكومية والشارع الدينيّ في مطلع القرن العشرين بالشيخ علي عبد الرازق وطه حسين، ثم بعد ذلك بخالد محمد خالد. ولكنّ الفرق بين هذه الفترة وبين فترة نهاية القرن العشرين والفترة التي نعيشها الآن أنّ القضاء كان حرّاً ومنصفاً للثقافة الرفيعة فبرَّأ طه حسين وخالد محمد خالد. أما الغوغاء الدينية في الشارع المصريّ، فقد أحرقت كتاب علي عبد الرازق ” الإسلام وأصول الحكم”، وهي الغوغاء الدينية نفسها التي حكمت على الشعراء الأردنيين بالسجن في مطلع الألفية الثالثة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق