رداً على هاشم صالح (من هيغل ونابليون إلى هابرماس وبوش) 1/2 هيغل بين عظمة الإمبراطور وتواضع الفيلسوف وجورج بوش ليس نابليون الألفية الثالثة؟!

لا أشك لحظة بأهمية هاشم صالح على صعيد الثقافة العربية المعاصرة، باحثاً وكاتباً ومفكراً.. خصوصاً أنه استشرف مبكراً الخطورة التي تشكلها الأصولية الإسلامية على مستقبل العالم العربي الذي كانت تتشكل فيه براعم العلمانية والمجتمع المدني ـ ربما منذ أيام مجلة الوحدة في ثمانينات القرن الماضي وبدايات ترجمة أركون للعربية ـ ولم يعتبر أنّ معركته الأساسية على صعيد الفكر والفلسفة مع الأنظمة المستبدة بمقدار ما هي معركة مع الفكر الظلامي والقوى الأصولية الآخذة بالتمدّد عبر شرايين المجتمع العربيّ ومؤسساته، في جدلية مرعبة متناغمة بتركيبة النظام الحاكم.

وليس سراً أن نقول إننا كنّا نتتبع ما يكتبه لنستشرف معه أكثر، ونرى مؤشّر بوصلة المتغيرات المحلية والكونية إلى أين يتّجه.. وما زلنا.

ولكني أعتقد أنّ هذا المؤشر لم يكن واضحاً في مقالاته الأخيرة، وكأنّه أصيب بشيء من التشويش وليسمح لي هاشم صالح فأقول إنّ مؤشّره ذاك لم يعد منسجماً مع البوصلة ـ اتّجاهات التغيير الحقيقية!! أو كحدّ أدنى فقد جزءاً من رصانته الفكرية ودقته الفلسفية، وكي لا أقع في مطبّ التقييم أقول هناك ما يشبه الفوضى الفكرية التي قد تكون نتيجة طبيعية لأدوات فلسفية تقرأ الواقع العيانيّ، السياسيّ اللحظيّ الذي قد يخدع المفكّر والفيلسوف معاً.

هيغل بين عظمة الإمبراطور وتواضع الفيلسوف

بداية لا بدّ من توضيح لبس يتعلّق بموقف هيغل من نابليون أورده الكاتب برؤيتين تبدوان مختلفتين للقارئ، وإن كنت أظنّ أنّ الرؤية واضحة عند صالح، ولكن من المفيد استعراض ذلك في سياق العودة لفكرة في غاية الأهمية وهي مدى قبول الاحتلال، الانتداب، الاستعمار ضمن مكان وزمان مُعيّنين.

ففي مقاله “شكرا لـ 11 سبتمبر!” يستعيد موقف هيغل من نابليون، وبلا لبس أو غموض يوضّح صالح أنّ هيغل الفيلسوف كان يرى في نابليون روح العصر، والتغيير الثوريّ الذي ينتظر القارّة البيضاء، ولم يتوقّف هيغل عند أية نعرة وطنية أو قومية تتعلق بألمانيته ضدّ نابليون الذي يقود غزواً ضدّ بلاده (صفّق للإمبراطور وقال عبارته الشهيرة: رأيت الإمبراطور، روح العالم، على حصان) ..ليؤكّد معقباً:

(إنه يحمل معه رياح الثورة الفرنسية في الحرية والمساواة والإخاء. وقد جاء لدكّ عروش الإقطاع والأصولية المسيحية في ألمانيا).. ويسأل صالح لماذا لا يصفّق له هيغل؟ ألا يتوافق ذلك مع جوهر فلسفته؟ (من يصدق لحظة واحدة أنّ هيغل كان عميلاً للفرنسيين إذ صفّق لهم وهم يغزون بلاده بل وينهبون غرفته الفقيرة؟)

لكنّ الكاتب يعود ليذكر تلك الحادثة في مقاله “من هيغل ونابليون إلى هابرماس وبوش” بصورة مواربة، تحمل الكثير من الشطح واللبس وتفقد هيغل جوهر موقفه التاريخيّ من الحضارة والتقدّم لتحشره في شخصنة أقرب إلى الفصامية (أو يمكن فهمها كما أوردها صالح من بعض وجوهها بهذه الصورة القزمة لعظمة هيغل).. ففي معرض إجابته على سؤال (لماذا صفّق هيغل لنابليون بدلا من أن يرى فيه غازيا أجنبيا معتديا ينتهك حرمة وطنه؟) يقول:

( في ليلة 13 أكتوبر عام 1806 كان هيغل قد وضع اللمسات الأخيرة على مخطوطته الشهيرة: فينومينولوجيا الروح، أي التجليات المتصاعدة والناضجة أكثر فأكثر للعقل البشريّ عبر التاريخ منذ أقدم العصور حتى لحظة هيغل نفسه. في هذا الكتاب ذي النفس الشاعريّ الوثّاب والعمق الفلسفيّ الذي لا يضاهى يحلّق هيغل عاليا ويحقّق أولى فتوحاته الفلسفية التي لا تقلّ أهمية عن فتوحات نابليون العسكرية. لهذا السبب أعجب بالقائد الفرنسيّ أيما إعجاب. فكلاهما فاتح: الأوّل في المجال الفلسفيّ والثاني في المجال العسكريّ والسياسيّ. ولذلك فعندما رآه يمتطي صهوة حصانه ويصول ويجول في شوارع “يينا” لم يخطئ في فهم الحدث: فهناك تعانقت اللحظة الفلسفية مع اللحظة العسكرية إلى درجة أنّ التاريخ أصبح يكتب مرتين: الأولى من قبل الفيلسوف الذي أرهص بحركة التاريخ ورآها قبل أن تحصل، والثانية من قبل نابليون الذي أخذ يحقّق هذا التاريخ بالذات على ارض الواقع المحسوس)

إذاً لهذا السبب أعجب هيغل بالقائد الفرنسيّ أيما إعجاب. لأن كلاهما فاتح: الأوّل في المجال الفلسفيّ والثاني في المجال العسكريّ والسياسيّ!!

ليعود فيؤكد أن هيغل عندما قال هذه الكلمات كان يعرف أنّه هو أيضا (يهيمن على العالم بفلسفته، هو أيضا إمبراطور الفكر والفلسفة، أو في طوره لأن يصبح كذلك)!!

وكأن جوهر الفكرة أن لدينا إمبراطور يقدّر إمبراطور!!

المسألة هنا لا تحتمل تأويلات أو أي شطح فلسفي أو تدبيج لغوي لأنها بغاية الدقة والحساسية.. الفارق واضح بين أسباب هيغل كما أوردها صالح في “شكرا لـ 11 سبتمبر!” وبينها في مقاله “من هيغل ونابليون إلى هابرماس وبوش”..

في الأولى موقف تاريخي، موقف يلتزم التاريخ وحركيته الصاعدة، في الثانية شخصنة للتاريخ نفسه وفصامية للفيلسوف في آن.

وأنا لا أعتقد أنه كان لدى هيغل _ الفقير والبسيط ورائد فلسفة التاريخ في آن ـ أوهام (إمبراطورية) على الصعيد الشخصي، بالهيمنة على العالم فلسفياً أو غير فلسفياً، تدفعه للتماهي بإمبراطور عسكري أدخل القارة البيضاء في حروب كلفتها مئات الآلاف من القتلى.

كذلك لم يكن لدى هيغل أوهام في الأسباب الحقيقية عند نابليون لغزو ألمانية، نابليون ليس فاتحاً على الطريقة الإسلامية وليس مبشّراً بحقوق الإنسان ورياح الحرية، حتى لو فعل ذلك تاريخياً ـ وربما دون أن يدرك ذلك ـ لأن الفتح عن طريق غزو الأمم واستباحة حرية الشعوب ومعتقداتهم وحقوقهم لا يفرق كثيراً إن كان بحجة إعلاء كلمة الله أو بحجّة إعلاء ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان.. فكلاهما غزو وقتل يخفي مصالح وأهدافا تتعلق بحركية اقتصادية ـ اجتماعية صاعدة أو سائدة.. وقد يتعلق بطموحات شخصية مرتبطة بحس الزعامة والحكم الفرديّ، المتفرّد والأعمى.

الجبرتي المعجب بنابليون ودولة الحقّ والقانون

المفارقة تبدو أوضح حين يتحدّث صالح عن موقف المثقّفين العرب من حملة نابليون ذاته على مصر، (هؤلاء الذين حدّدوا تاريخ النهضة العربية بوصوله إلى مصر وقضائه على حكم المماليك وإيقاظه للشرق من سباته الدوغمائي الطويل)؟

وبالتأكيد لم يكن المثقفون العرب آنذاك أباطرة فلسفة، أو كحدّ أدنى لم يكن لديهم هذا الوهم.

وهنا يحضرني المؤرّخ عبد الرحمن الجبرتي الذي عاصر حملة نابليون على مصر، وكان آنذاك شابّاً في الرابعة والثلاثين من عمره (هيغل في السادسة والثلاثين) وصفّق لنابليون كما فعل هيغل.

ومعروف أنّ الجبرتي كان يعقد حلقات التدريس لعلماء الأزهر في تلك الحقبة وقد “خَبرَ الشيخ الجبرتي أخبار العلماء وأخلاقهم، وكان في داخله لا يشعر بالرضا عن أعمال وأخلاق زملائه في الأزهر ولعلّ عدم الرضى هذا هو المسؤول عن ملكة النقد والتحليل الذي عرف به الجبرتي عند كتاباته لتراجم الرجال” كما أتى في سيرة الجبرتي.

الجبرتي دوّن الكثير من الإعجاب بنابليون وبالفرنسيين ولا سيما ما يتعلّق “بالمعرفة وحبّ العلم وإجراء التجارب واستخدام الأجهزة والأدوات” وكان عضواً في الديوان الوطني الذي أنشأه الجنرال مينو.

وقد تعرّض جراء ذلك إلى انتقادات شديدة واتهامات بالتعاون مع الفرنسيين والولاء لهم في سياق كتابته للتاريخ.. وليست مصادفة أنّ كلا الرجلين، هيغل والجبرتي، كان مولعاً بالتاريخ وحركته واستشراف المستقبل.. وكلا الرجلين كان معجباً بنابليون ولم تحركه هذه النعرة أو تلك ليقف في وجه (روح العالم).

لقد كانت أوروبا مع حملة نابليون هذه المرة قد خلقت خلقاً جديداً، فلم تعد (عصابات صليبية مفلسة، يقودها ملوك أمّيون، يشترون تذاكر لدخول الجنة، ويعالجون السعال الديكي بلبن الحمير) على حدّ تعبير الصادق النيهوم، كما أورده خالص جلبي في مقاله (صفعة نابليون) حين يؤكّد أنه “عندما فاجأ نابليون فرسان المماليك عند سفح الهرم كان المجتمع المصريّ متجمّداً في مربع الزمن، في عصر كافور الإخشيدي، يجترّ أحلام ألف ليلة وليلة والسندباد البحري، يلقى القبض على الإنسان على رائحة الظنّ، ويوضع على الخازوق بدون محاكمة!”

لقد راهن نابليون على هذه الحاسّة فخاطب الشعب المصريّ بظلم المماليك، وانتبه (الجبرتي) إلى انقلاب محاور التاريخ؛ فكتب في تاريخه (عجائب الآثار) مأخوذاً بالإجراءات القانونية لمحاكمة (سليمان الحلبي) الذي اغتال كليبر قائد الحملة الفرنسية على مصر ـ كما أتى في وصف المؤرخ البريطاني (توينبي) الجبرتي كان يتمتع بحس حضاري ـ فلم يخلب لب الجبرتي فرقعات النيران والألعاب بل المرافعات القانونية.

إذاً الذي (خلب لبّ) المؤرّخ العربيّ عبد الرحمن الجبرتي هو دولة الحقّ والقانون التي حاول نابليون تعميمها، والتي تستند على المعرفة والعلم والتمدن وليس نيران مدافع نابليون وبسالة جنوده.

وبالتالي أتفق مع الكاتب أنّ هيغل (وكذلك الجبرتي وغيرهما ممن يقرؤون التاريخ بروح جدلية) في فلسفته للتاريخ كان يعتقد أنّ الرجال العظام من أمثال نابليون أو سواه هم الذين “يحقّقون العقل في التاريخ وينجزون التقدم البشري ويقفزون بالمجتمع خطوات إلى الأمام. إنهم عملاء للتاريخ أو وكلاء له. بمعنى أنهم مكلّفون بأداء مهمة تتجاوزهم وتتخطّى أشخاصهم. إنهم مجرّد أداة للتاريخ يحقّق من خلالهم مآربه”.

لكنها الفكرة التي تقزّمت حين تحول هيغل من مفكر تاريخانيّ وفيلسوف بناء الدولة الوطنية الحديثة بحقّ إلى مثقّف ـ إمبراطور يعيش جنون عظمة من نوع ما!!

كان لا بدّ من تأكيد هذا الفارق لنقول إنّه يمكن القبول تاريخياً بالاحتلال (بوعي تاريخي وكونيّ) مادام يهزّ أركان التأخر التاريخي، ويرمي حجراً في مياه راكدة وآسنة.

ومن المفيد التذكير هنا بمفارقة كان قد أوردها المفكر السوريّ ياسين الحافظ في كتابه “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة” حول روحية التعامل مع الاحتلال الفرنسي في فيتنام وسورية، الفيتناميون تعلّموا الكثير من الفرنسيين، لغتهم وعلومهم وثقافتهم الحقوقية والإنسانية واستطاعوا إخراج الفرنسيين من بلادهم بروح وطنية غير متشنّجة، في حين أنّ السوريين، في مدينة دير الزور مثلاً، جمعوا الكتب المكتوبة باللغة الفرنسية، إبان الاستقلال، في ساحة المدينة وأحرقوها، كتعبير عن رفضهم للاحتلال!!

الفيتناميون، فيما بعد، ألحقوا بالأميركيين هزيمتهم الأولى التي تحوّلت إلى أمثولة عالمية، والسوريون (العرب عموماً) عانوا ويعانوا الأمرين على جميع الصعد.. وأعتقد أنّ جزءاً من التعبير عن تأخّرنا التاريخيّ وهزيمتنا العميقة أمام إسرائيل وغيرها قد تعود في بعض أسبابه إلى المفارقة التي أوردها ياسين الحافظ.

لكن هل كان جورج بوش هو نابليون الألفية الثالثة؟!

وهل أفغان الملا عمر أو عراقيو الزرقاوي والصدر هم ألمان هيغل أو مصريو الجبرتي ومحمد علي؟!

والأهم هل حقاً إنّ الحضارات لا تصنع دون أشلاء ودموع وقتلى وجرحى بالألوف المؤلفة؟! على حدّ رأي هاشم صالح.

هل أصبح جورج بوش نابليون الألفية الثالثة؟!

ربما لا يختلف اثنان اليوم على عظمة نابليون، ومعروف أنه ينسب له “الفضل في صدور القانون المدنيّ الفرنسيّ والذي اقتبسته باقي الدول الأوروبية، وهو قائد عظيم لإنشائه حكومة منظمة شديدة البأس ومحاكم عدلية ومدارس وإدارة قوية ونشيطة ومتنورة لا يزال الفرنسيون إلى الآن سائرين عليها، وهو عظيم لأنه بعث إيطاليا من موت الخمول وأنارها بمشكاة الرقيّ والعمران، إلى جانب قهره لجميع الملوك المعاكسين له وكسر جميع الجيوش على اختلاف تدريبها وبسالتها” كما أتى في اليكبيديا العربية حوله.

أما عن حملته على مصر التي كان لها الفضل الأكبر في إرساء قواعد تأسيس محمد علي باشا (1769 ـ 1849) للدولة المصرية الحديثة ونموها كأكبر قوة اقتصادية سياسية ثقافية وحضارية، لم تشهد المنطقة مثلها منذ عهد الملكة كليوباترا (69 ـ 30 قبل الميلاد).. كما يؤكّد عادل درويش في مقاله “احتفالية الحملة الفرنسية في مصر” مضيفاً أنّ نابليون لم ينشئ «مستوطنات»، أو يفرض الجباية أو الفدية أو الجزية أو ضريبة الرؤوس على المصريين.. ولم يجبرهم على تغيير لغتهم أو دياناتهم أو عاداتهم ؟ نابليون زرع بذرة الديموقراطية في المثقف المصري (وقتها الشيخ الأزهري).. ولقد قلّد محمد علي أسلوب نابليون بفتح السودان والحبشة واوغندا ليؤمّن تدفّق النيل وكوّن مجلس الأعيان الذي أصبح منتخبا فيما بعد بالاقتراع السرّيّ وتدرّج ليصبح البرلمان المصريّ كله منتخبا في عهد سعيد باشا في منتصف القرن 19 .

ولعلّ أهم اثر لعلاقة علماء الحملة الفرنسية بمشايخ الأزهر هو إرسال محمد علي أولى البعثات التعليمية لفرنسا، برئاسة الشيخ الأزهري المستنير رفاعة الطهطاوي.

وقد يدهش المرء بحكمة نابليون ودبلوماسيته واحترامه للقيم الروحية والمعنوية للشعب المصري والذي تجلّى في خطابه الأول حيث يقول:

” بسم الله الرحمن الرحيم لا اله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه …

أيها المشايخ والأئمة ..

قولوا لأمّتكم أنّ الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في روما الكبرى وخرّبوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحّث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطا وطردوا منها الكوالليرية الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين”

إذاً كانت فاتحة عهد نابليون مع المصريين “بسم الله الرحمن الرحيم لا اله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه” وهو الأمر الذي حدا بالمؤرخين المسلمين لأن يسمّوا نابليون بـ (الجنرال علي).. ولا أعتقد أننا بحاجة للمقارنة بين خطاب نابليون وخطاب بوش إبان غزوه للعراق حول (يد الله التي تسيّرنا، الحرب الصليبية.. والوحي الإلهي، إضافة إلى مجموعة من الأكاذيب: أسلحة الدمار الشامل، علاقة نظام صدام بالقاعدة)!!

ومعلوم أنّه قد رافقت الحملة الفرنسية إلى مصر مجموعة كبيرة من العلماء في شتّى مجالات العلوم في وقتها، أكثر من 150 عالما وأكثر من 2000 متخصّص من خيرة الفنانين والرسامين والتقنيين من كيميائيين وأطباء وفلكيين إلى آخره، وكانت نتيجة لمجهودهم هو كتاب وصف مصر وهو عبارة عن المجموعة الموثقة التي تضمّ 11 مجلداً من الصور واللوحات مملوكة لمكتبة الإسكندرية و9 مجلدات من النصوص.

وربما من أغرب وثائق نابليون هي وصيته لكليبر التي يقول فيها‏:‏ إذا أردت أن تحكم مصر طويلا فعليك باحترام مشاعر الناس الدينية واحترام حرمات منازلهم‏.‏ وقد سمح بناء على اعتقاده هذا للجنرال مينو بأمر عسكري بالتحول إلى الإسلام والزواج من سيّدة من (رشيد)‏.‏

ولو أردنا الاختصار فقد كانت أهمّ أقوال نابليون حول مصر هي التالية:

‏1‏ ـ في مصر لو حكمت لن أضيّع قطرة واحدة من النيل في البحر‏،‏ وسأقيم أكبر مزارع ومصانع أطلق بها إمبراطورية هائلة‏،‏ ولقمت بتوحيد الإسلام والمسلمين تحت راية الإمبراطورية ويسود العالم السلام الفرنسي‏.‏

‏2 ـ الإسلام كالمسيحية تفسدهما السياسة ويلعب القائمون عليهما بالنار إذا تخطّوا حدود أماكن العبادة لأنهم يتركون مملكة الله ويدخلون مملكة الشيطان‏.

‏3‏ ـ لو لم أكن حاكما على مصر لما أصبحت إمبراطورا على فرنسا‏.‏

‏4‏ ـ الرسول محمد،‏ بنى إمبراطورية من لا شيء‏..‏ من شعب جاهل بنى أمة واسعة..‏ من الصحاري القفر بنى أعظم إمبراطورية في التاريخ‏.‏

‏ 5‏ ‏ ـ في مصر قضّيت أجمل السنوات‏،‏ ففي أوروبا الغيوم لا تجعلك تفكر في المشاريع التي تغيّر التاريخ‏,‏ أما في مصر فإن الذي يحكم بإمكانه أن يغير التاريخ‏.

‏‏6‏ ـ حلمي تجسّد في الشرق بينما كاد يتحوّل إلى كابوس في الغرب‏.‏

أعتقد أن هذه الأقوال كافية لرؤية الفارق العميق بين قائد من طراز نابليون (دعاه المؤرخون المسلمون بالجنرال علي) وبين قائد مثل جورج بوش الذي يصفه معظم الساسة والمفكرين الأمريكيين بأفشل رئيس للولايات المتحدة الأميركية.. فضلاً عن آلاف المقالات التي تتحدث عن حماقاته ومزاجيته وتهوره في اتخاذ القرارات.

نابليون الذي احترم القيم الروحية للمصريين، كان يعي تماماً خطورة تدخل الدين بالسياسة (الإسلام كالمسيحية تفسدهما السياسة) وأن رجال الدين حين يتخطّون دور العبادة فإنهم (يتركون مملكة الله ويدخلون مملكة الشيطان)..

وبالمقابل ما الذي فعلته إدارة بوش في العراق على هذا الصعيد؟

لقد تحالفت هذه الإدارة مع جميع الرموز الدينية من سنة وشيعة، وأعطتهم الأولوية في القرار السياسيّ، وشكّلت حكومة وبرلمانا من مشايخ وأسياد، وأقرت دستوراً للبلاد بوحي إسلاميّ ـ ديمقراطي!!!! (والجميع يذكر موقف محمود المشهداني رئيس مجلس النواب العراقي من الدستور: “شنو ديمقراطية” القانون الذي يتعارض مع الإسلام ما يسوى قندرة!!) وفي الوقت نفسه استهترت الإدارة الأميركية بقيم الإسلام الحقيقية، المتعلقة بالقرآن مثلاً، من خلال مجموعة من الفضائح (تدنيس القرآن، وطرق التحقيق مع المعتقلين الأصوليين) في العراق وغوانتانامو.. وبالتالي فقد فعلت عكس ما فعله نابليون، قوّت رجال الدين واستخفّت بالدين نفسه، وعملية إيقاظ الكهنوت الإسلاميّ اليوم هي نتاج أميركيّ بامتياز، الكهنوت الذي شرعنته الولايات المتحدة الأميركية الذي يأمر وينهي ويقيم الحدّ ويهجّر ويقتل على الهوية المذهبية ويذبح الطالبة الجامعية إذا ظهرت خصلة من شعرها. فضلاً عن الكهنوت (المقاوم) الذي شرعنته أميركا أيضاً بإعطائه مبررات وجوده ـ المقاومة.

يتساءل هاشم صالح عما حصل في أفغانستان والعراق مؤخّرا؟

ويجيب “سقوط الأصولية بأبشع صورها، أي الطالبان، وسقوط الطغيان العربي في أبشع تجلياته، أي صدام. صحيح أنه ليس الطاغية الوحيد وان كان أكبرهم ولكن الحبل على الجرار.. صحيح أنّ جورج بوش ليس نابليون ولا يمتلك عبقريته العسكرية أو السياسية. وصحيح انه استغل 11 سبتمبر لتحقيق مآرب شخصية لأميركا في الهيمنة الاستراتيجية على المنطقة ومصادرها البترولية وسوى ذلك. ولكنه بشكل واع أو غير واع أدّى إلى زعزعة الأصولية الإسلامية وأجبر العرب والمسلمين جميعا على إعادة النظر في تراثهم الديني وبرامج التعليم. ومنذ الآن فصاعدا لن يكفّ الغرب الأميركي الأوروبي وكذلك بقية العالم عن ملاحقتنا حتى نغيّر مفهومنا القديم والظلاميّ للدّين”

لا أدري عن أيّ سقوط يتحدث صالح هنا؟!!

ولا أدري إن كان يرى ما يسمّى بـ (الصحوة الإسلامية) اليوم التي تضرب بالمجتمع العربي والإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ومن جذوره إلى رأسه؟!

هل يرى عودة كتلة الناس إلى الجوامع والحسينيات، إلى (الملجأ الآمن) .. بعد أن كفروا بجميع القيم الليبرالية، من ديمقراطية وحقوق إنسان؟!!

هل يرى صالح (سقوط) القوى العلمانية في العالم العربيّ، على الصعيدين الشعبي والسياسيّ.. وأننا اليوم نعيش في زمن حزب الله وحركة حماس ومحمود أحمدي نجاد؟! وقد تحوّلت العلمانية إلى (جعجعة) لا دور لها، في حين أنّ الدور الحقيقي هو للأصوليات عند جميع الطوائف في عالمنا العربيّ.

هل يرى أنّ سقوط طاغية يسمّى صدام حسين قد فرّخ في العراق وحده ستّة وعشرين مليون طاغية؟!!

وأنّ الأميركيين قد حوّلوا صدام من طاغية إلى شهيد، ومن ديكتاتور قبيح إلى رمز وطنيّ وقوميّ.

لا أدري كيف لا يرى صالح عملية الإحياء الديني وزيادة تمترس الأصولية وتقوية مواقعها، من خلال محاربة (الشيطان الأميركي) هذه الأصولية التي كانت في طور سقوط (أو تلاشي) متاريسها في أواسط القرن الماضي، أتت الديكتاتوريات العسكرية لتشكّل موضوعاً لها لكي تنتعش من جديد في محاربتها، ثم أتى جورج بوش بحماقاته ليعطيها دفعة حياة لا يعلم إلا الله إلى أي مدى زمنيّ ستعيشها، ولسنا (منجّمين) لكي نقول إنّ الواقع العياني ينبىء بعكسه.. يعني لا يحقّ لأحد (لا صالح ولا غيره) أن يقول لنا أنّ ما نراه أمامنا من (أصنام) دينية وإعادة تمذهب ما هي إلا أشباح سرعان ما تزول!!

معظم استطلاعات الرأي الشعبية في العراق خلال سنوات الاحتلال كانت تؤكّد على أمنية العراقيين في عودة الديكتاتورية وأنّ صدام حسين تحوّل إلى حلم وطنيّ إزاء حسينية تحولت إلى خشخاشة للتعذيب والقتل، ومسجد تحوّل إلى مركز لتجنيد الانتحاريين.

معظم الفضائيات العربية اليوم هي فضائيات دينية، ومعظم المواقع الإلكترونية هي مواقع إسلامية غير متنوّرة، والذي كنا نستطيع انتقاده أو نقاشه على الصعيد الدينيّ قبل عدّة عقود، أصبحنا اليوم نخاف حتى من التلميح إليه!! …….. وللحديث بقية…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق