محمّد الناصر النفزاوي : عمر القوميّة العربيّة قصير جدّا..

                                                    

“أن تراقب أعمال الناس في الماضي،
فهذا يعني أنّك تضيف أعمارا من الماضي
إلى عمرك، وأنّك تحيى أكثر من حياة  واحدة”

                          (جوزف هورسJoseph hours )
 

  محمد الناصر النفزاوي أستاذ جامعيّ تونسيّ، من مواليد سنة 1948 بمنزل بورقيبة من ولاية بنزرت. زاول العمل الصحفي بمجلات وجرائد متعدّدة. يشغل اليوم منصب أستاذ محاضر يدرّس الحضارة العربية الحديثة والمعاصرة بالجامعة التونسية. وهو من المهتمّين بالبحوث والدراسات حول المغرب العربيّ.

صدرت له عديد الكتب منها :
 
المتشابهون (رواية)، سوريا 1987
محمد كرد علي: المثقّف وقضيّة الولاء السياسيّ، تونس 1993
فارس وبيزنطة والجزيرة العربية من القرن الثالث إلى القرن السابع، تونس 1996
الدولة والمجتمع، من محنة ابن رشد إلى خصومة محمد عبده وفرح انطوان، تونس 2000
التيّارات الفكريّة السياسية في السلطنة العثمانية (1839 – 1918 )، تونس 2001

كان حوارنا معه متفرّعا إلى أحاديث جانبية عديدة تكشف لنا رؤية خاصّة لهذا الباحث.

 دكتور  محمد الناصر، 

 العفو. أعفني من هذه الصفة، فأنا لا أحبّها. أحبّذ صفة الأستاذ….أو حتى المعلّم.

 بدأت بكتابة الرواية  ولكنك لم تواصل فلماذا؟

 تقصد  رواية” المتشابهون” التي صدرت  بدار الحوار  باللاذقية السورية سنة 1987؟ إنها بيضة الديك. لم أواصل كتابة الرواية لسبب بسيط هو أن بئري الروائية سرعان ما غاض ماؤها.

 أنت تدرّس الحضارة الحديثة  والمعاصرة  بقسم اللغة والآداب  والحضارة  العربية. ما هو مفهوم الحضارة؟ وهل هناك فرق بين “الثقافة” و”الحضارة”؟ وهل يمكن اعتبار الثقافة مكوّنا من مكوّنات ” الحضارة” ؟

  بعبارة واحدة، أنا أودّ إشراك الطلبة والطالبات في محاولة الإجابة عن السؤال الحديث والمعاصر: لماذا توقّف النموّ الحضاريّ الإسلاميّ في القرن الثالث عشر الميلادي أي في هذه الفترة التي بدأت فيها الحضارة الغربية نموّها؟

  عفوا…أراك تستعمل عبارة ” النموّ الحضاريّ الإسلاميّ “..

 لأنّ هذه الحضارة إذا كانت إسلامية العقيدة، عربيّة اللغة، فالأقوام  التي آل إليها الحكم حتى قبل هذه الفترة لم تكن عربية : في بلاد المغرب كان الحكم  في أيدي البربر المصامدة  الموحّدين ثمّ تواصل في خلفائهم البربر مثل الحفصيين  في تونس  وطرابلس والزيانيين في الجزائر والمرينيين في مراكش  وذلك ( وباستثناء المغرب الأقصى) حتى  اضطرارهم إلى طلب العون من الأتراك  العثمانيين  لصدّ الهجمات الإيبرية عليهم. أما مصر والشام  فكانتا في  أيدي المماليك ولا تسل عن  العراق  الذي اجتاحه المغول. العرب هم الوحيدون الذين  لم تبق  بأيديهم أي سلطة سياسية وذلك منذ القرن التاسع الميلادي. 

 لنفترض صحّة ما ذكرت: كيف تفسّر توقّف النموّ الحضاريّ الإسلاميّ؟

 أنا لا أبتّ في مثل هذا الأمر ولكنني أكتفي بأن أعرض على الطلبة والطالبات مختلف الإجابات المتعلّقة بهذه المسألة إضافة إلى بيان المنهج الذي تستند إليه كل إجابة. دوري ليس دورا تلقينيا. أنا أنفر من ” التلقين” الإيديولوجيّ مهما كان مصدره.

 هل يمكن أن تذكر لنا هذه الإجابات وما تستند إليه كلّ واحدة منها منهجيا؟

 كأنك تطلب منّي إلقاء” درس” على القراء؟

    لا بأس…تفضل.

 للإجابة على هذا السؤال الصعب لا بدّ من التعرّض لإجابات ثلاث مختلفة تقع بينها إجابات ثانوية متنوّعة” تلجأ إلى الأخذ من هذه الإجابة الكبيرة أو تلك بنسب مختلفة:

  الإجابة الكبرى الأولى هي “اللاتاريخية أو الميتاتاريخية التي تقوم على الإرادوية ”  volontarisme ” فهي ترى أنّ المسلمين تخلّفوا لأنّهم ابتعدوا عن تعاليم دينهم ولو أرادوا العودة إلى العمل طبق تعاليم هذا الدين لتقدّموا.

الإجابة الكبرى الثانية هي الإجابة التاريخية العقلانية التي لا تكاد تولي العوامل الاقتصادية والتقنية والاجتماعية أهمية تذكر.  فالمسلمون تخلّفوا لأنّهم نبذوا العقل. وأشهر من ذهب هذا المذهب  نهاية القرن  19  إرنست رينان ( 1823- 1892)  الذي كتب:” في حدود  منتصف القرن الثالث عشر ما زالت كفة الميزان ( بين الحضارتين)  بعد غير مستقرة وبداية من 1275 تقريبا( توافق بداية هذه الفترة على المستوى  السياسي، سقوط الدولة الموحدية  في المغرب(1269) واستيلاء المماليك على الحكم في  مصر والشام (1250)  والمغول على الحكم في العراق(1258)  فهي فترة انهيار سياسي شامل)، ظهرت حركتان بشكل جليّ: فمن ناحية  غرق المسلمون  في انحطاط  فكريّ بالغ ومن ناحية أخرى دخلت أوروبا  الغربية من جهتها  بثبات  في هذه الطريق الواسعة  من البحث العلميّ عن الحقيقة (…)  فعندما  بثّ  العلم المسمّى بالعربيّ  بذرة الحياة في  الغرب اللاتينيّ اختفى”حسب ما ذكر Ernest Renan في كتابه L’islamisme et la science (الإسلام والعلم).  

أما الإجابة الثالثة فهي الإجابة التاريخانية  (historiciste) التي  تكاد لا تولي  العامل العقليّ أهمية تفوق ما تنسبه إلى العوامل الأخرى ( اجتماعية، اقتصادية، تقنية،علمية …) من تأثير فهذا مهدي عامل يكتب في أزمة  الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية : “إن العامل الاجتماعيّ الذي افتقدته  البلدان العربية والذي توفّر وجوده في أوروبا الغربية هو تكوّن  طبقة  اجتماعية  هي البورجوازية  التي استخدمت المعارف العلمية والتقنية في حقل الإنتاج الاقتصاديّ بشكل كان حافزا  قويا لتطوّر العلم والتقنية أمّا المجتمعـات العربيـة الإسلامية  في القرون الوسطى فلم تتكوّن فيها مثل هذه الطبقات التي تكوّنت في إطار علاقات الإنتاج  الإقطاعية”.

وهذا صادق جلال العظم  يضيف إلى ما سبق في كتاب (ثلاث محاورات فلسفية ) : أعتقد أن ما يميّز العصر الأوروبيّ الحديث هو هذا الاتحاد العضوي الفريد  الذي تمّ على مراحل طبعا  ولكن للمرة الأولى في تاريخ الإنسانية، بين المصالح الحيوية للطبقات التجارية الصاعدة وبين  الاكتشافات العلمية  والاختراعات التقنية، أريد أن أشير إلى صيرورة تاريخية معيّنة في تكون أوروبا الحديثة  أدّت إلى ربط المعرفة، قديمها وجديدها، نهائيا بطرائق البرجوازية الأوروبية الصاعدة  في إنتاج الثروة ومراكمتها.”

 هل يمكن أن أستنتج؟

 تفضّل.

لا يمكن أن تكون، من خلال كلّ ما كتبت، إلا من هؤلاء الباحثين الذين  يمزجون بين المذهبين التاريخي والتاريخاني …

 لن أخالفك الرأي وإن كانت القضية تحتاج إلى مزيد من التفصيل.

 إذا كان ذلك كذلك فأنا أستنتج كذلك أنك تعتبر” الثقافة” مكوّنا من مكونات    الحضارة.

نعم. 

 وانك ما زلت تقول الآن إن المنهجية الماركسية التي تسند دورا هاما إلى العاملين الاقتصادي والتقني في صنع الأحداث التاريخية بالاعتماد على أنماط الإنتاج ما زالت صالحة وإجرائية لقراءة الحضارة الإسلامية ؟

 أنا مجبر على ذلك. إنّ لشيوع استخدام الجوّال( الموبايل)تأثيرا يفوق ألف مرة ومرة تأثير خطب الدعاة إلى المحافظة على أسس العائلة التقليدية.

وإذا كان ذلك كذلك، فأنت  على المستوى السياسيّ لا تعتبر  الفترة  العثمانية في التاريخ الإسلامي فترة استعمار.

الفترة التي تتحدّث عنها (من القرن  السادس عشر  حتى سقوط الدولة  العثمانية  الاتحادية) لم  تظهر فيها قطّ فكرة الدولة  القومية (Etat-nation) في المجال العثماني الإسلاميّ، إذ  كانت الفكرة الإسلامية هي الغالبة. المغاربة مثلا  هم الذين استنجدوا بالعثمانيين وإذا كان المراكشيون  قد حافظوا  على استقلالهم فسبب ذلك هو أنّ السعديين تكفّلوا بمقاومة  الإيبريين النصارى  فخففوا بذلك من حمل العثمانيين.. لا ننسى  أنه في مثل  هذه الفترة الحاسمة  ضعف العامل القبلي(الصراع بين المصامدة والصنهاجيين من ناحية وبين كلّ هؤلاء  العرب المتمغربين)، فهذا العامل  لم يعد بإمكانه أن يقاوم دولة صاعدة  مثل إسبانيا والبرتغال وحلّت محلّه شرعية  جديدة فوق- قبلية هي الشرعية الجهادية ممثلة في السعديين  وبعد ذلك في العلويين إذ ليس من الصدفة أن يدّعي هؤلاء  أنّهم ينتسبون إلى القرشيين  بل إلى سلالة النبيّ محمد.

أما في بلاد المشرق فقد خلّص العثمانيون المصريين والشوام  من حكم المماليك وخلّصوا سكان بلاد الرافدين من حكم الأتراك الأوزبكستانيين . فهل افتك العثمانيون الحكم من العرب حتى نتحدث عن استعمار؟

إني أذهب إلى اكثر من ذلك فأقول إنّ من فضائل العثمانيين على مسلمي المغرب  والمشرق أنهم ساهموا في التقريب بينهم  بواسطة النظم الإدارية الواحدة  الخ….ولقد قاموا بهذا الدور للمرة الأولى بعد  الفتوحات الإسلامية  في القرن السابع الميلادي..

  ولكن هناك من يقول إن الأتراك العثمانيين هم المسؤولون عن التخلف الحضاري المريع الذي سقط فيه العرب، وحسب هذا الطرح هل إنّ  المغرب  الأقصى وقلب الجزيرة العربية بقيا خارج دائرة التخلف لأنهما لم يكونا تحت  لواء الإمبراطورية العثمانية؟

 أسئلتك هذه تشي بأنّ تفكيرك خاضع لقراءة إيديولوجية للتاريخ العثماني. وهي قراءة مكّنت لها مئات الكتب التي تدرّس في الجامعات العربية التي كنت دائما وما زلت أقاومها وسأحاول الإجابة عن أسئلتك هذه بتفكيكها ومناقشتها:

      أنت تتحدث عن الأتراك بتعميم غير مقبول وتتحدّث عن نهضة عربية مبكرة مزعومة: إنّ الطولونيين الذين استقلّوا بحكم مصر منذ القرن التاسع الميلادي هم أتراك والسلاجقة الذين حكموا العراق في القرنين الحادي والثاني( والثالث) عشر هم أتراك وتيمورلنك  هو تركيّ  أوزبكستاني. 

     ولكن من تتحدث عنهم هم الأتراك العثمانيون أي أحفاد عثمان وحتى لغتهم ليست تركية  بل تركية -عثمانية  وحضارتهم كوسموبوليتية لا تعرف التمييز العنصري أو الديني. أنهم  يشبهون  في نظري المغاربة  الذين هم مزيج من  البربر والعرب والإيبيريين. ولهذا كان الحكم في الأندلس كوسموبوليتيا ونحن بداية من الحكم التركيّ العثماني امتزجت دماء القوم بدمائنا وفي ألقابنا نجد  البورصلي ودرغوث وخوجة والقصدغلي والزيركلي..و.و…فتخلفهم من تخلفنا ..نعم، هم صدّوا إلى حين  غزو أوروبا المسيحية. ولكن هذا الصدّ  كان في القرن السادس عشر وبقوى عسكرية وعلمية وتقنية تكاد تكون  تقليدية، أي غير رأسمالية حديثة، أي بعبارة أخرى إنّ هذه القوى ليس بإمكانها أن تصمد طويلا إزاء حضارة غربية رأسمالية بلغت من العمر ثلاثة قرون وقويت أنيابها إلى حدّ لا يستهان به.

     مأساة العثمانيين أي مأساتنا هي أنّهم بدؤوا ينشئون دولتهم  في بعض بلاد الأناضول على أسس تقليدية في فترة بدأت فيها كفّة الغلبة الحضارية الغربية  تميل إلى صالح البلاد الأوروبية الغربية.  دور العثمانيين هو تعطيل الغزو الغربي.. ولنتصور افتراضا، ماذا كان يمكن أن يحدث لو فقدت الحلقة العثمانية في تحقيب التاريخ الإسلاميّ؟

      أما ما تقول عن”وضع داخل الجزيرة العربية” و”المغرب الأقصى” الناتج عن بقائهما خارج المجال العثماني، فهو يفيد أن هذا الأمر كان أمرا إيجابيا. وأنا أرى العكس تماما إلا إذا كانت الوهابية السعودية في نظرك تيارا “مخلّصا”  في حين أنّ واحدا مثل فرح أنطون كان يرى فيها منذ  بداية القرن العشرين “صرخة في واد” إذ ظهرت  بالضبط  في فترة  ظهر فيها بالذات  كتاب أدام سميث” ” ثروة الأمم ” في  بريطانيا وكتاب كوندورسيه (Esquisse d’une histoire du progrès humain )  في فرنسا!  وما كان لها أن تنجح  لولا “عطف  جلالة ملكة بريطانيا” آذاك  والولايات المتحدة الأمريكية في القرن العشرين.

     أما المغرب الأقصى الذي رحّب منذ  مطلع القرن التاسع عشر بالوهّابية  قبل أن يقضي على دولتها الأولى محمد على الألباني المصريّ فهو إن كنت اعتبره احتياطيّ القيم البربرية (على عكس قرطاج والجزائر) في بلاد المغرب، لم يتمكن من استغلال هذا الاحتياطيّ ( أي تكريره بلغة النفط) أفضل استغلال  وللاقتناع بما أقول  يمكنك ملاحظة هذا التقارب “الغريب”  بين النظام المغربيّ والأنظمة الخليجية. فما هو  في رأيك، سبب هذا التقارب؟ 

دوري هو السؤال لا….

 العفو … أنا أواصل إذن  فأقول: أمّا حديثك عن  نهضة عربية مزعومة ترقى إلى حملة نابوليون على مصر سنة 1798 فهذا محض قراءة مصرية  لتاريخ مصر الحديث  عمّمت على كلّ البلاد العربية  زمن المدّ الناصريّ فأصبح بذلك تاريخ مصر هو تاريخ  بقية البلدان العربية  سواء أتعلّق الأمر بمراكش أم باليمن. أما الواقع فهو أنّ مثل هذه الحملة لم يكن لها تأثير يذكر حتى في كثير من بلاد المشرق حتى لا نتحدّث عن بلدان المغرب لفقدان التواصل السياسي بين مختلف البلدان التي ستسمّى فيما بعد بالعربية.

        ضعف مثل هذا التأثير لفقدان التواصل  السياسي  نجد له مثالا صريحا عند حملة لويس  بورمون  (Louis  de Bourmont) على الجزائر سنة 1830 التي لم يرد عليها سلاطين  مراكش ولا بايات تونس  ردودا تدلّ  على وعي عميق بما سيكون لهذه الحملة من نتائج في بلاد المغرب. لذلك، أنا لا أفهم مثلا أسئلة مثل السؤال الذي طرحت  حول” عدم قدرة العرب على النهضة والحداثة” وذلك  لسبب بسيط هو فقدان الشعور عند العرب في تلك الفترة  بالانتماء القومي.

إن العرب موجودون، ما من شك في ذلك. ولكن القضية ليست قضية وجود من عدمه وإنما هي قضية الوعي بوجود ما وعلى هيئة ما:لا يكفي الوجود وحده دلالة على الحياة عند البشر.

 أنت هنا تبتعد إلى حد ما عن التاريخانية؟

 لا توجد تاريخانية واحدة. وإذا كان ماركس هو أوّل تاريخانيّ مشهور فمنذ موته ظهرت تاريخانيات عديدة. أنا لا أقلّل من شأن الجانب النفسيّ  لكنني أولي  الجانب المادي أهمية أكبر وإن لم أفعل ذلك فعليّ أن أقول بالمنهج  الميتا-تاريخيّ أو المنهج التاريخيّ العقلانيّ الذي يريد نفسه وسطا بين المنهجين.

 هل يعني ما ذكرت من تهافت التاريخ المتداول للعلاقات العربية العثمانية أن هذا هو سبب اختيارك ” التيارات الفكرية السياسية في السلطنة العثمانية بين 1839 و 1918″ موضوعا لأطروحة دكتورا الدولة؟

 نعم .. فأنا لم اقتنع في يوم من الأيام  بما ساد من رأي حول  “خصومة مزعومة بين” العرب” و”الترك”  في القرن التاسع عشر وإذا كان لا بد من الحديث عن خصومة فهذه كانت بين المستفيدين من التنظيمات وهي مجموعة إصلاحات فرضتها بريطانيا أساسا على السلطة فرضا  والمتضررون منها وهم عثمانيون من أعراق مختلفة استماتوا في الدفاع عن أسس المجتمع التقليدي  بمعنى أن هذا الصراع يجب أن يرد إلى الجانب الاقتصادي  الثقافي  ومثل هذا التناول يناقض ما هو سائد في اغلب الدراسات المتعلقة بهذه الفترة لأنها  ترد الصراع  إما إلى ثنائية الإسلام والنصرانية عندما يتعلق الأمر بعلاقة  السلطنة بأوروبا  وإما إلى ثنائية  العرب والترك عندما يتعلق الأمر بعلاقة العرب  بالأتراك وذلك بالرغم من أن الشعور القومي  في اغلب الفترة موضوع الدراسة لم يتبلور عند هذين الجنسين بل كان العثمانيون عربا  وتركا وأكرادا وشركسا وشيشانا وألبانا ويهودا وأرمنيين .. في وضع الإنسان التقليدي الذي غلبه على أمره إنسان أوروبي جديد يزداد كل يوم حيرة وقوة وقسوة..

 لكن كيف ترد على من يذكر لك أسماء معروفة  اشتهرت بالدعوة  إلى “قومية عربية”  مبكرة  أمثال  ابراهيم اليازجي  وفارس نمر و.و..؟

 كل هؤلاء  شوامّ مسيحيون ….وأنا  يمكنني أن أمدّك  بقائمة أطول  من هذه القائمة تضمّ شواما وبغداديين ومصريين وليبيين كانوا حربا عليهم: أمثال  شكيب أرسلان  ومعروف الرصافي  وعزيز على المصري  وسليمان الباروني ..

 ما تقوله يخالف ما يكاد يكون مجمعا عليه.

أنت على حقّ. 

 أين الخلل إذن؟

 يكمن الخلل في الربط بين من اعترضت عليّ بذكر أسمائهم ودعاة القومية العربية  بالمعنى الدقيق  للعبارة: الأوائل محصورون في المسيحيين ونفورهم من دولة إسلامية ضارب في القدم، أما الآخرون فلم يتّجهوا هم ومن سيخلفهم وجهة قومية عربية إلا بعد الحرب الكبرى عندما ستظهر دعوة قومية إيرانية شرق البلاد العربية ودعوة قومية  تركية (لا عثمانية) شمال الشام. إزاء هذين الحدثين الحاسمين كان لا بدّ أن تظهر القومية العربية باعتبارها ردة فعل  على ما ترى انه خطر إيرانيّ وتركيّ  ولهذا  السبب نفسه لم تستند إلى الدين  خشية تنفير المسيحيين منها  وليس من باب الصدفة  أن ساطع الحصري  الذي  يعد أب القومية العربية  التقليدية كان حتى نهاية الحرب الكبــرى  عثمانيا (بل اتحاديا) حتى النخاع.

كلامك يعني أنّ عمر القومية العربية قصير جدا. 

 بل اقصر مما تتصوّر. فمصر التي دعا الحصري إلى أن تصبح  قلب الأمة العربية  كانت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية شديدة النفور من الفكرة العربية وإذا اعتبرنا أنّ موت جمال عبد الناصر مثّل انتكاسة للقومية العربية، فإنّ عمر هذه القومية الحقيقيّ لم  يتجاوز العشرين سنة. وعشرون سنة لا تعني شيئا عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل التي نتحدث عنها. 

  كلام خطير. 

  لا .. إذا تمعنّا فيما كتب الحصري مثلا. لم يتح للقومية العربية  متسع من الوقت حتى تتغلغل في كل مسام البلاد العربية خاصة أنها ظهرت في فترة معادية للقوميات.. ولذلك أنت ترى اليوم ان البلدان التي كانت أكثر تعلقا بهذه الفكرة أصبحت الأكثر تعرضا لظهور ظواهر ضاربة في القدم.

  هل ما ينطبق على الفكرة العربية ينطبق كذلك على الفكرة المغربية؟

 تماما ..مما يؤكد ما أذهب إليه. فهذا الجزائري على الحمامي يكتب في العراق منذ 1941 في روايته الشهيرة (ادريس، رواية شمال افريقية ) : ” عرف ادريس هذه المرة  نهائيا  أمرا هو أنّ روح الشرق قد تغيّر وأنه من الآن فصاعدا على كل بلد، وهو يعود إلى القوانين الخالدة  التي أملتها على الدوام  الأرض والدم  وإلى دروس تاريخه، أن يحرص على خلاصه الخاص”.  فلقد كانت الفكرة القومية تشق خطاها تحت الفكرة الدينية.

 هل نفهم مما سبق أننا اليوم وبعد انحسار الفكرة العربية إزاء عالم إسلامي واحد؟ 

 لا. . نحن بازاء عوالم إسلامية أربعة تستند إلى أقوام أربعة: الإيرانيون والأتراك و”العرب” والمغاربة، والخشية  يجب أن تكون من اعتبارها عالما واحدا  نظرا إلى تنوعها على المستويات العرقية واللغوية والذهنية والمذهبية والطائفية. مما يقود إلى  طمس هذه الخصوصيات التي بإمكانها أن تصبح عوامل إثراء مثل أن يثري التراث الشيعيّ التراث السنيّ. إنّ السمة الوحيدة الجامعة بين هذه الأمم هي التخلّف الاقتصاديّ ومتى توفّر العيش الكريم لعامة الناس ارتخى تحفّزهم الإيديولوجيّ فلا بدّ لهذه العوالم من أن تتقارب على أساس من التنافس لتنمية دخلها القوميّ والاستثمار في العوالم الأكثر فقرا ولسوف يستفيد  الجميع من هذه النظرة الإستراتيجية: إن تراث هذه الأمم واحد إذ أنّ معنى التراث الإسلاميّ هو التراث العربيّ  والإيرانيّ والتركيّ والمغربيّ بل إنّ الحضارة الإسلامية واحدة وهي حضارة هذه الأمم. وإذا كانت قد حدثت فترة غياب حضاريّ دامت قرونا فلتكن النهضة جماعية تبدأ من المادّيّ المفقود أو شبه المفقود وتنتهي بالروحيّ المتوفّر وأحيانا أكثر مما هو ضروري.

 أنت تلحّ حتى في هذا المستوى على ضرورة كبح جماح البعد الإيديولوجي الذي لا يستند  إلى نظرة  تاريخية إلى الأشياء.

 نعم .. أنا اعتقد أن التفكير في توفير الغذاء لملايين المسلمين يجب أن يسبق التفكير في صنع قنبلة نووية. وما هي قيمة دولة تملك سلاحا متقدّما في حين أن شعبها يعيش حياة تذكر بما قبل القرن الثالث عشر.. السلاح سهل المنال وولادة شعب حديث تتطلب أجيالا وأجيالا… عمر التقنية لا يمكن أن يقارن بعمر الذهنية.

 كأني قرأت مثل هذا الكلام  في مناسبة أخرى..أي فيما كتبت عن محمد كرد علي؟

 وفي كتابات أخرى.

 تطرح في كتابك (محمد  كرد علي المثقف وقضية الولاء السياسي) قضية  المثقف والسلطة. فهل ما زالت هذه  القضية مطروحة؟

 مازالت وستبقى إذا عرّفنا المثقف بأنه هذا الرجل الذي لا يقبل على حدّ تعبير محمد كرد علي أن يكون في وضع “فوطة الحمام تنتقل من جسم إلى جسم” .  دور مثل هذا الدور يفوق في نظري دور الأنبياء القدامى لأنّ العصور التي عاشوا فيها تعتبر عصور رحمة إذا ما قورنت بعصرنا. خاصة أن مثل هذا المثقف يجب أن يكون على يقين أن مآل سعيه الهزيمة في 99 % من الحالات والواحد في المائة( الـ1  % ) المتبقّي يتمثّل في إيمان عجيب بأنّ دعوته يمكن أن تتبناها مجموعات قريبة منه ممثلة في المجتمع المدنيّ فتحدّ من فتك حضارة كمية تشيّء  كل شيء،  أي حضارة أثبتت أن إنجازاتها العلمية  والتقنية لا تتحقق إلا بطعنات في قلب الإنسان تتجدد كل يوم. 

هل أن موقف محمد كرد علي الداعي إلى الفصل بين الدين والدولة منذ بداية القرن العشرين ناتج عن تأثره بالنزعة اللائيكية في الثقافة الفرنسية أم انه إيمان بالعلمانية؟

ثقافة محمد كرد علي الفرنسية واسعة جدا ولكنه متعلّق بالوجه المحافظ في هذه الثقافة أي الوجه غير الشيوعي والاشتراكي والعمالي بل الديموقراطي المشط. من هنا يمكننا القول ( واللائكية كانت محلّ نزاع في فرنسا حسم فيه  قانون 1905)  إن موقف محمد كرد علي الداعي إلى فصل الدين عن الدولة يتجاوز التأثر بالإطار الفرنسي ويطمح إلى الاندراج في إطار أوروبي أوسع شامل للاتيننين  والأنقلوساكسونيين  إذ أن النهضة في أغلب هذه البلدان  تميزت منذ القرن السادس عشر بسعيها إلى عتق الفرد من وصاية الدين ممثلا في الكنيسة ووصاية السياسة والاقتصاد ممثلة في الأعيان بل هو يرى مبالغة منه أن فترة ازدهار الحضارة الإسلامية زامنت فترة إبعاد رجال الدين عن ميدان السياسة:” يوم فصلت الأمم النصرانية الدين عن الدنيا سارت أمورها على سداد. وما وسع الدول الإسلامية في القرون الأولى إلا سلوك طريق الدنيا كما سلكت إلى الدين طريقه. وكانت تبتعد عن الخلط بين الطريقتين ما ساعدتها  الحال ”

 يقول محمد كرد علي” إذا ضعفت الدعوة الشيوعية وتضاءلت الدعوة الديموقراطية استراح البشر من الحروب مائة سنة”.هل تستشف من هذا القول أن  محمد كرد علي ضدّ كل الأفكار والنظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية   التي تحول دون تقرير الجماهير الشعبية مصيرها؟ أم انه  كان صاحب رؤية استشرافية ونحن اليوم نرى أمريكا تصول وتجول في العالم باسم نشر الديموقراطية. وأبرز مثال على  ذلك غزوها العراق بهذا المنطق؟

 أنا عندما أتناول مفكّرا سياسيا مكثرا أجتهد في تحديد نظرته إلى الأشياء أي في عصره مثلما تفعل آلة الرحي ” المولينيكس” بما يوضع فيها وأستخرج منه العصارة وهي قليلة ولها نسبة معينة من الإفادة…. عمري ليس بالطول الذي  يسمح لي بقراءة كلّ ما يكتب.

وأنا عندما طبّقت ذلك على محمد كرد علي، اكتشفت أوّلا انه لا يقول، نظرة  إلى الأشياء، بالميتاتاريخية ( النظرة  الدينية مثلا) ولا بالتاريخانية ( نقيضتها المادية) ولكنه يقول بالتاريخية العقلانية.

ومن يركّز على العقل ويعتبره المحرك الأوّل للتاريخ لا يسعه إلا أن يحصر هذا المحرك في الفرد الخلاق المتميز الذي يوجه الجماعات الكبيرة. وانطلاقا من هذا فإن محمد كرد علي يحارب الشيوعية لادعائها التسوية بين البشر وهم طبيعة ليسوا متساوين في نظره ويحارب الرأسمالية الديمقراطية قانونا لا حقيقة. هو بعبارة واحدة، لا يقول بالتطوّر الانقلابيّ أو السريع لأنّ الشاي في نظره لا يطبخ على جهاز الغاز وإنما على نار هادئة. وليس بإمكان أيّ دعوة إيديولوجية أن تنجح حقيقة إذا لم تكن تعبيرا عن تطوّر استغرق قرونا  طويلة  وتسرب إلى أعمق مسام  كل أفراد المجتمع. محمد كرد علي لا يتمكّن من فهم من يقولون  انه يمكن بمجرد الخطب الإيديولوجية ردم الهوة  الحضارية الفاصلة بين الغرب وبلاد الإسلام  والتي امتدت من القرن الثالث عشر إلى عصره  بمجرد ادعاء حدوث نهضة عربية  منذ حملة نابوليون على مصر… لهذا هو يصف أغلب السياسيين  في الشام  بـ’اللصوص”، أما ما  تذكره عما حدث  في 9 أفريل 2003  في العراق  فإنّ محمد كرد علي كان  يمكنه لو بقي  حيّا  أن يجرّم  الولايات المتحدة  لأنها نهجت، وهي  الدولة الوحيدة  في العالم  التي لم تقم  على الأسس التي قامت عليها الدولة القومية، نهجا إرادويا في تعاملها مع مجتمعات لها ثقافتها الخاصة، أي نهجت نهجا ربّانيا باعتمادها فكرة ” كن فيكون” وكأنّ الديمقراطية التي هي وجه من  وجوه عديدة للحداثة، يمكن أن تختزل في الانتخابات.

إنّ الحداثة عند محمد كرد علي لا تعني تغيير لباس الرأس ولكن  تغيير ما  تحوي  هذه الرأس وفي هذا المجال يمكن للمرء أن يلاحظ تقاربا عجيبا في التفكير السياسي بين العربي الأرثودوكسي اللبناني فرح أنطون والكردي الشركسي محمد كرد علي والألباني المغربي التونسي الحبيب بورقيبة  فهؤلاء الثلاثة ينفرون من التغبير الانقلابي لأنّ 
” السير البطيء الدائم  خير من السير السريع المؤقت والساقية  الجارية  أعود على الحقل والحديقة من  النهر المقطوع”. هؤلاء الثلاثة  تعرضوا للامتحان وخاصة منهم  بورقيبة الذي أتيحت له فرصة تطبيق  نظرته إلى الأشياء. فحاربه التاريخانيون من الشيوعيين لموقفه المتحفّظ إزاء “الجماهير” وحاربه الميتاتاريخيون لاعتباره أنّ الدين  يعبر عن زمن ولّى مما يفرض  تعويض مفهوم الاجتهاد بالتغيير وحاربه القوميون وهم تاريخيون عقلانيون لقوله بخصوصية المناطق العربية الأربع (بلاد المغرب، وبلاد مصر والسودان وبلاد الشام  والعراق وأخيرا بلاد الجزيرة العربية)

نحن إذن إزاء تيار واحد لم يتمكّن من الصمود إزاء التيارات  التاريخية العقلانية  في وجهها الانقلابيّ  والميتاتاريخية  في وجهها الدينيّ.

 باعتبارك من المهتمين بالفكر السياسي في السلطنة العثمانية هل أن مصطفى كمال أتاتورك نجح  في تحديث تركيا؟ وهل استطاع زرع العلمانية  بها ونحن نرى اليوم صعود التيارات الإسلامية التركية إلى السلطة؟

 مصطفى كمال ” أبو الأتراك”  إرادوي حاول أن يزرع العلمانية في تربة” تركية” حرثتها الميتاتاريخية الغزالية طيلة ثمانية قرون. فكيف يمكن عندئذ أن تقاوم هذا التجذر بنجاعة؟ إنه لايمكن الحديث في أي بلد عربي أو إيراني أو تركي أو مغربي عن تحديث كامل أو محافظة كاملة. نحن إزاء  حضارة مختلطة ( حتى لا أقول خُلاسية) وقد يكون في إمكان من يأتي بعدنا أن يحصل على تصور أفضل  للوضع  الذي نعيش فيه اليوم.  

 وفيما يتعلق بإيران؟

 هذه الأمة هي واحدة من الأمم الأربع التي تتكون منها الحضارة الإسلامية عربية اللغة. وهي منذ أن تبنّت  على غرار الأمة التركية  بعد الحرب الكبرى  فكرة الدولة القومية دفعت ما سيسمّى لاحقا بالبلاد العربية  (لا الإسلامية) إلى الدعوة إلى قيام أمة عربية. ولكنّ الظروف تغيّرت وفكرة الدولة القومية ( Etat-nation ) تهددها العولمة بالزوال فتاريخ الصراع  بين هذه القوميات الإسلامية يجب أن يزول الآن.

هل يعني هذا إن بإمكان العرب  اليوم إذا ما  أقاموا علاقات جيوسياسية مع تركيا وإيران أن يستفيدوا من ذلك؟

 وهل هناك حلّ آخر؟ إنّ الدولة القومية بسبب الصراع بين هذه الكتل البشرية  الإسلامية تعيش حالة لُهاث. وعليها أن تعوض  فكرة الصراع القومي بما يتماشى  وما تقتضيه العولمة. ما ألاحظه شخصيا أن ما يجمع الإيراني والتركي  والعربي والمغربي العادي( لا السلطة السياسية والدينية)  هو تراث مشترك ضارب في القدم لا بدّ من الحفاظ عليه… وبما أنّ عهد الدول القومية قد ولّى فإنّ عدم تخطي هذه المرحلة إلى مرحلة أرقى لا يمكن أن يقود إلا إلى ظهور دعوات أضيق  من القومية  مثل الطائفية الدينية. وسياسة  الولايات المتحدة  في العراق أفضل دليل على وجاهة ما اذهب إليه.

 ذكرت في كتابك ” التيارات الفكرية السياسية في السلطنة العثمانية ” القول التالي: ” من يلق نظرة سريعة على لبنان وإسرائيل لا يسعه أن يكون مطمئنا على مستقبل هاتين الدولتين ” ثم طرحت السؤال: ” ما قيمة قيام دولة قومية غير مطمئنة؟ ” هل يمكن أن توضح لنا هذا الطرح؟

 لقد أجبت عن هذا السؤال عندما تحدثت عن” لُهاث ” القوميات. القومية إيديولوجية تستمد ماء الحياة فيها من التصوّف السياسيّ الذي يمكنه أن يدفع بمن يتغلغل فيه إلى أن يهب حياته خدمة لمثل هذا التصوف.

أما عندما يقع إلغاء الإنسان بتحويله إلى سلعة لا تساوي كثيرا من السلع المادية فعلى التصوف السياسي السلام..انظر إلى تاريخ الفوضويين الأوروبيين في القرن التاسع عشر. لقد سبقوا  متصوّفة  القرن العشرين  من الكاميكاز ….. والعنصر الوحيد  الذي بإمكانه  أن  يجفّف من ينابيع الكاميكاز هو التشيؤ..

 هل هذا هو فهمك للعولمة؟

لست مؤهّلا للحديث عن العولمة لأنّها ظاهرة بدأت أوّلا في الظهور في القرن الثالث عشر وبلغت الآن من العمر ثمانية قرون  وتتضمن آثارا عديدة ليس يمكنني لتكويني المحدود أن أتحدّث عنها جميعا فهي تقتضي التناول الاقتصاديّ والتناول الاجتماعيّ والتناول الثقافيّ والتناول التعليميّ أي أثرها في التعليم في البلدان التي سبقت في ميدان الحداثة والبلدان المجرورة أو المقطورة حضاريا وأنا أنتمي إلى جيل يعتبر نفسه أصبح خارجا عنها بل محظوظا إذا ما قورن بجيل الأبناء إذ لم يعرف جيلي على ما عانى من انتكاسات ما سيعرف الجيل الحالي من غربة  بإمكانها أن تنجب رهطا عجيبا من البشر.  

 هل هذه دعوة إلى إلقاء “السلاح “..؟

 لا. بالعكس هذه دعوة إلى الاقتناع بصحة القولة” لا يلدغ المثقّف الملتزم من جحر ألف مرة ومرة ”

وما معنى ذلك؟

 الداء في داخل الجسم بالدرجة الأولى فما أبأس أن تحمّل الآخر وزر جرائم ما كان ليرتكبها لو وجد صدّا أي وعيا حقيقيا.   

 ختاما لهذا الحوار هل يمكن أن نعتبر أنّ ما أبديت من أراء هو السائد اليوم عند مدرّسي الحضارة في الجامعة التونسية؟

 الجامعة التونسية أو على الأصح نواتها الأصلية كليّة العلوم الإنسانية والاجتماعية التي أعلن عن تأسيسها  سنة 1960 مرت بمرحلتين  تمتدّ الأولى من 1960 إلى ما يسمى بالتغيير(1987) وطيلة هذه الفترة كان العمداء الذين  تولّوا إدارتها هم أحمد عبد السلام (1960-1968) ومحمد الطالبي(1968-1970) وعبد القادر المهيري (1970-السلام (1960-1968) ومحمد الطالبي(1968-1970) وعبد القادر المهيري (1970-1972) وحمادي بن حليمة(1972-1975) ومحمد اليعلاوي (1975-1978) ومحمد عبد السلام (1978-1983) وعبد المجيد الشرفي ( 1983-1986) وكل هؤلاء في أغلبيتهم الساحقة  تلقّوا تعليمهم العالي في اللغة والآداب العربية في فرنسا وبالفرنسية وهذا أمر مذهل على المستوى الثقافي. لقد  كانوا مجرد طلبة تونسيين  تشبّعوا بنظرة أساتذتهم الفرنسيين إلى الحضارة الإسلامية عموما وهم لا يحملون عموما أيّ فكرة إيجابية عن القومية المغربية لذلك لا تجد، وإن بحثت مطوّلا في كتاباتهم، بحثا واحدا  يخدم القومية المغربية أي يحدّ من وطنية بورقيبة  الضيقة.

وإذا كان لهؤلاء العمداء ومن ورائهم الأساتذة من فضل فهو يتمثّل في  أنهم درسوا في جامعات فرنسية عريقة فتَوْنَسوا بعض ما فيها من إيجابيات أما الجامعة التونسية بعدهم فقد فشلت، على مستوى مادة الحضارة العربية عموما والحضارة المغربية خصوصا، في تخريج من يُعدّل  مسار هذا الجيل الأول وذلك لسبب واحد هو أن هذا الجيل ” الرائد” اختار، على غرار بورقيبة على المستوى السياسي، طريق “توريث الأبناء” بديلا عن استقلال الفكر،  فأنتج عددا ضخما من أساتذة التعليم العالي الببغاوات  الذين يكادون يكررون الآن ما كان يبدو صالحا في ستينات القرن العشرين والحال أنّ العالم تغيّر بشكل انقلابيّ أي بعبارة واحدة لم يتمكن هذا الجيل من إنجاب نحل. ما حدث هو انه أنجب زنابير وأنت تعرف ما يميز النحل عن الزنابير.

لهذا أصبح التساؤل الملحّ اليوم هو التالي : أليس من المصيري اليوم، خاصة بعد قيام اتحاد المغرب العربي، إنهاء خدمات جيل الزنابير هذا إذا بلغ  الستين من العمر علّ ذلك يضع على الأقل حدّا للاعتقاد السائد حتى عند الطلبة أنّ قسم اللغة والآداب والحضارة العربية في الجامعة التونسية إنما هو قسم ” يحكم الأمواتُ فيه الأحياءَ”؟

 هل ينطبق تقييمك على مادتي اللغة والأدب وعلى أقسام أخرى؟

 أفضّل القول إنّ ما جاء من أحكام في هذا الحوار لا يتجاوز اختصاصي. غير أنّه يمكن للقارئ أن يستنتج ما يشاء.

 ألا تعد نفسك من ضمن هؤلاء؟

  هذه المرّة سأترك لك أنت الإجابة  فوالتين والزيتون لقد أرهقتني.                                                                                    

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق