ردّاً على هاشم صالح : من هيغل ونابليون إلى هابرماس وبــوش (2/2) ألمان هيغل ليسوا عراقيِي الزرقاوي والصّدر

لا أدري من أين أتى صالح بهذا اليقين أنه “لن يكفّ الغرب الأميركي الأوروبيّ وكذلك بقية العالم عن ملاحقتنا حتى نغيّر مفهومنا القديم والظلاميّ للدّين” ؟!

الغرب اليوم وعلى رأسه أميركا، في صدد الاعتذار من الإسلام والمسلمين عمّا لحق بهم من أذى بسبب الغزو الفاحش لأفغانستان والعراق.

اليوم ومع نهاية ولاية جورج بوش الثانية، تعلن الولايات المتحدة عن هزيمتها العسكرية أمام تحدّيات الإرهاب في أفغانستان والعراق.. فضلاً عن إفلاسها الاقتصاديّ. وهي حالياً تبحث عن منقذ يخرجها من المستنقع الذي رماها فيه جورج بوش، كما نوّه سليم نصّار في مقاله “كيف أنهى بوش إمبراطوريته بتدمير العراق؟”..

ألا تعيد مناقشات القيادات الأميركية حول مستقبل العراق إلى الأذهان وضع الهند في أربعينات القرن الماضي، أي بعدما قرر البريطانيون الرحيل بأقصى سرعة غداة خسارة مرشح المحافظين أمام مرشح «حزب العمال»، الأمر الذي أدّى إلى اندلاع حرب أهلية في شبه القارة الهندية.

وتفترض المقارنة أنّ القوات الأميركية تنسحب من العراق وتخلّف كارثة وراءها، عقب انتخاب رئيس ديمقراطيّ وحلوله محلّ جورج بوش الجمهوريّ. ومن المتوقّع أن تفوق سرعة انفجار العراق وانقسامه إلى أقاليم ومحافظات، سرعة انفجار الهند بعد 1945. ذلك أنّ البريطانيين تركوا في الهند إدارة قويّة نظّمت عملية الانتقال من الاحتلال إلى الاستقلال، أمّا العراق فإنّه يفتقد إلى حكومة قوية متماسكة، وإلى أحزاب تريد وحدة البلاد، وإلى جيش قويّ قادر على ملء فراغ قوّات الاحتلال. وفي أفضل الأحوال قد يلقى العراق مصير الهند، أي حرباً أهلية يليها تقسيم، ثمّ حرباً بين الدول الجديدة وليدة التقسيم. وربما تخوف «الزعران الأربعة» الذين شجّعوا الرئيس بوش على غزو العراق، من احتمالات التحقيق معهم، لذلك اندفع مؤخّراً بول ولفوفيتز وريتشارد بيرل ودوغلاس فيث، إلى إعلان تنصّلهم من مسؤولية اتخاذ قرار الغزو وحصرها بوزير الدفاع المُقال دونالد رامسفيلد.. حسب سليم نصار أيضاً.

وكالة هاشم صالح للأنباء.. السارة!!

هل يرى صالح اليوم هذا الخراب الكلّيّ في العراق؟! وأنّ هذا الخراب لن يفرز نقيضه الجدليّ، كحدّ أدنى في المدى المنظور (حتى لا نتحوّل إلى منجمين)..

المصيبة أنّ صالح لا يرى هذا الخراب على الإطلاق بل على العكس يقول ” وآخر الأنباء تدلّ على أنّ العراق أخذ يستقرّ نسبيا الآن ويتدرّب على اللعبة الديمقراطية في البرلمان ويبني دولة المؤسّسات. وأنا واثق أنّ تضحياته الرهيبة لن تذهب سدى وسوف يصل شاطئ الأمان عمّا قريب..”!!!

حقيقة لا أدري من أين تأتيه هذه الأنباء؟!!

ولا أدري إن كانت هناك وكالة أنباء خاصّة بهاشم صالح لا شغل لها إلا تعطير الأمكنة المليئة برائحة الجثث مجهولة الهوية والأرصفة السابحة بدماء الأبرياء في بغداد وكابل.

لأنّ الأنباء التي تأتينا تتحدّث عن عمليات تطهير عرقيّ ودينيّ ومذهبيّ، وأنّ الديمقراطية التي بنتها أميركا في العراق هي ديمقراطية (زعران المذاهب والسياسة) .. لا أدري إن كان صالح قد سمع بتهجير المسيحيين من بغداد والجنوب وأخيراً من الموصل.. ولا أدري إن كان قد سمع بعمليات الاختطاف والاغتصاب والقتل التي حصلت في صفوفهم بعد (السنة والشيعة) ؟!!

هل يعلم صالح أنّ أكثر من نصف مسيحيي العراق قد أصبحوا خارجها، وأنّ قسماً كبيراً قتل في ظروف حرب أهلية لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟!!

ليس الفارق فقط في أنّ نابليون نقيض جورج بوش، الفارق الأساسيّ يتعلّق بالحامل الاجتماعيّ بين ألمانيا (وأوروبا عموماً) أيام نابليون، وبين الحامل الاجتماعيّ العربيّ والإسلاميّ أيّام جورج بوش.

أوروبا كانت حافلة بالمتغيّرات، واحتمالات التغيير، الحراك الطبقيّ على أشدّه، صراع متبلور في جميع جوانبه، وفي حركة صعود..

في العالمين العربيّ والإسلاميّ الأمر مختلف: الصراع غير متبلور، والطبقيّ عبارة عن هلام طبقات، ولا يوجد صراع حقيقيّ بين قوى متنوّرة وقوى أصولية بسبب موازين القوى غير المتكافئة والأصحّ غير المتناسبة لمفهوم صراع.. هناك للأسف (جعجعة) علمانية كما قلت من خارج البلاد على الأغلب، يقابلها فعلٌ تمذهبيٌّ ملموسٌ في قلب كلّ بيت داخل البلاد.. حتى الأنظمة الحاكمة أصبحت تزايد إسلامياً على القوى الأصولية الإسلامية نفسها.

الجيش الأميركيّ في خدمة الحرس الثوريّ لحكم الملالي

أخيراً ألا يرى هاشم صالح أنّ أميركا بغزوها لأفغانستان والعراق خدمت أخطر أصولية يمكن أن يعرفها العالم؟!!

ألم تفتح الطريق واسعاً لطهران نحو كابل وبغداد في آن؟!!

ما كان يمكن لملالي طهران تحقيق انتصاراتهم التاريخية والحقيقية اليوم دون هذا (المدد الإلهيّ المبارك) الذي قدّمته واشنطن بسخاء شديد.

مرعب ألاّ نرى حضور إيران الطاغي إقليمياً اليوم بعد أن خلّصتها الولايات المتحدة الأميركية من نظام طالبان (السنّيّ) شرقاً ونظام صدّام القوميّ (العلمانيّ) غرباً.. مع العلم أنه لا أفغانستان ولا العراق كدولتين استطاعتا أن تحققا تحوّلات ديمقراطية حقيقية، وإنّما على العكس كلا الدولتان اليوم محكومتان من أصوليات شرعية، ممثلة في البرلمان والحكومة.. وبنظرة سريعة على صحف الدولتين وقنواتهما الفضائية نجد ما هو مرعب: أننا تراجعنا أكثر من مئتي عام نحو الوراء، لأننا سنجد الإسلام الأصوليّ في (أبهى) صوره وأفضل حالاته التي تقسّمنا إلى روافض ونواصب وأهل ذمة.

طهران اليوم هي الاحتلال السياسيّ الفاعل والحقيقيّ في العراق، في حين أنّ أميركا هي احتلال عسكريّ، أحمق وسطحيّ في بغداد، ولا يعرف اليوم كيف سيخرج من مأزقه هذا..

أليست مفارقة نادرة واستثنائية، أن يتحوّل الجيش الأميركيّ في العراق إلى فيالق تساند الحرس الثوريّ في إيران وتعمل لمصلحته .. ليس إلا؟!!

ملالي إيران اليوم يقرّرون سياسات الحكومة العراقية، التي لا يمكن تشكيلها دون الختم الإيرانيّ، يقرّرون مستقبل العراق، يستطيعون تقسيمه إذا أرادوا .. ويستطيعون اقتطاع جنوبه وصولاً إلى بغداد في الوسط، والحديث عن مستقبل ديمقراطيّ للعراق بوجود الجمهورية الإسلامية (الشيعية) المسلحة نووياً جاراً له، جار أصبح أكثر قوّة وجبروتا بعد الاحتلال الأميركيّ، فضلاً عن (نخبة) المشايخ والأسياد العراقيين ـ الحاكمين الفعليين للعراق.. أعتقد إنه محض تخريف وتهريج سياسيّ لا معنى له.

فلسفة الدم.. والقانون البربري

يقول هاشم صالح:

“التاريخ مليء بالهيجانات المسعورة والأشلاء والدماء كما يقول هيغل في فلسفته للتاريخ. وهي الفلسفة التي استخدمتها لفهم ما يجري في العراق وأفغانستان وكلّ العالم الإسلاميّ. أوروبا لم تصل شاطئ الأمان إلا بعد أن دفعت الثمن باهظا. حروب نابليون استنزفت شباب فرنسا حتى لم يعد فيها رجال! هذا دون أن نتحدّث عمن سقطوا في الجهة المضادّة له على مسرح أوروبا كلها. ولكنه زرع بذور الحرية على الرغم من كلّ شيء. وهي بذور لم تمت بسقوطه في واترلو بعد أن تواطأت عليه كل العروش الأوروبية الرجعية الإقطاعية وأطاحت به. راحت فكرة الحرية تشقّ طريقها حتى انتصرت في النهاية وقضت على هذه العروش بالذات. وبالتالي فالفوضى الخلاّقة التي نتجت عن مغامراته العسكرية انجلت في نهاية المطاف عن نظام الحداثة الجديد ودولة القانون والمؤسسات”

لا أختلف مع الكاتب أنّ التاريخ مليء بالعنف والدماء، وأنّ العنف رافق مشاريع التغيير والثورات الكبرى والصغرى في العالم.. ولكنّ السؤال كيف ننظر إلى حركة التاريخ، إن كان يسير التاريخ بشكل حلقيّ، ويكرّر نفسه دائماً وأبداً، فما يفلسفه صالح حول جدلية التغيير والعنف صحيحاً، وإن كان التاريخ يسير بشكل تصاعديّ ويراكم تجاربه الكونية في الذاكرة الإنسانية فما يقوله صالح عن العنف والدماء ما هو إلا تبرير للقتل والغزو والأشلاء والدماء وكل ما هو قبيح في العالم اليوم.. والخطير أنه تبرير لكل من يستخدم العنف طريقاً للتغيير .. ويمكن استخدام فلسفة صالح هذه من قبل إدارة هوجاء مثل إدارة بوش .. أو من قبل منظّر الأصولية أيمن الظواهري أو من قبل علي خامنئي وبنفس الكلمات والمصطلحات.. ولكل أسبابه، والدعوة إلى آخرة صالحة وجنة عدن عن طريق العنف لا تختلف عن الدعوة إلى (جنة الحداثة على وجه الأرض أو حتى ما بعد الحداثة) كما عبر صالح..

ولكن ألا يرى هاشم صالح أنّ وتيرة العنف تتراجع تاريخياً مع تقدّم المجتمعات وتمدّنها، كان العالم قد خاض أربعة عشر مليون حرب قبل انتصار الرأسمالية (حسب جاد الكريم الجباعي) في حين أنّ العالم قد شهد انخفاضا هائلاً في معدّلات استخدام العنف بعد ذلك. أمّا بعد الحرب العالمية الثانية ومنظمة الأمم المتحدة والاتفاق على القانون الدوليّ وعلى احترام حقوق الإنسان فقد تلاشى العنف إلى معدّلات لا تذكر بالمقارنة والقياس.. ولم يعد التغيير مقترناً (دائماً وأبداً!!) بالأشلاء والدماء والقتل.

وليس أهمّ من درس غاندي للبشرية في التغيير دون دماء، وبمقارنة بسيطة بين غاندي وغيفارا نكتشف أنّ العالم المتمدن لا يسير على فلسفة الكاتب هذه.. (وبالاعتذار من صالح، أيضاً هي فلسفة بوش وأسامة بن لادن ومقتدى الصدر ومحمود أحمدي نجاد).. ويمكننا ببساطة النظر إلى هند غاندي وأين أصبحت اليوم وهي بلاد أسيوية نامية وكانت إلى وقت قريب متأخرة تاريخياً وبين كوبا غيفارا والأخوين كاسترو!!

لقد اختصر أدونيس هذه المفارقة حين قال:

“غيفارا: عصبة، طبقة، فئة، طليعة، إلخ، تمارس العنف.

غاندي: الشعب كله، في تنوّع فئاته ووحدتها، مسلَّحًا بالسلام والانفتاح على الآخر.

ومع أننا، ثقافةً وممارسة، أقرب إلى غيفارا منَّا إلى غاندي، فإنني ممَّن يقولون: لسنا في حاجة إلى غيفارا؛ نحن في حاجة إلى غاندي.

لقد أثبتتِ التجربةُ أنّ مثال غيفارا كان طريقًا ملكية لتهديم طاقاتنا، لتخريب حياتنا، لتبديد ثرواتنا، لفشلنا، ولتشويه وجودنا وحضورنا في العالم.

إنّ للحرية، هي كذلك، سلاحَها.

لكنْ، منذ أن يلبس هذا السلاحُ رداءَ العنف، ينقلب إلى عدوٍّ للحرية نفسها: يصبح نوعًا من العدوان على الذات والآخر، معًا.

لا سلاح للحرية إلا الحرية – إلا السلام”

لكننا نتراجع كثيراً مع فلسفة صالح عن مدنيتنا وعالميتنا التي نطمح لها في مجتمعاتنا المتأخرة تاريخياً خصوصاً حين يعود الكاتب ليؤكّد قانوناً بربرياً للتغيير:

“الحضارات لا تصنع دون أشلاء ودموع وقتلى وجرحى بالألوف المؤلفة. هذه هي فلسفة التاريخ التي أتبناها، التي أقرأ على ضوئها ما يحصل حاليا في العالم العربي. أتوني بأفضل منها لكي أتخلى عنها فورا..التاريخ تراجيدي في جوهره وعمقه أو قل إن التراجيديا تشكل جزءا لا يتجزأ منه. ينبغي أن نستوعب ذلك. الضحايا التي سقطت في العراق وفلسطين ولبنان والجزائر إبان السنوات العشر السوداء، الضحايا التي لا تزال تتساقط في كل أرجاء العالم العربي والإسلامي هي بدمائها زيت المصابيح التي تضيء لنا زوايا النفق المظلم الذي قد نخرج منه يوما ما..”

(السنوات السوداء وزيت المصابيح … والضوء الذي ينير النفق المظلم) .. مصيبة أنها نفس تعبيرات الإرهاب الأصوليّ، ونفس تعبيرات الثوريين الظافرين ستالينيين وقوميين شوفينيين، ونفس تعبيرات المحافظين الجدد في مشروعهم (العولمي!!) ..

لقد كتب خالد حاج بكري في مقاله أدونيس بين المهاتما “غاندي” والدكتور “غيفارا” ما يلي:

“لم يؤدّ العنف الذي مارسته الولايات المتحدة إلى ديمقراطية شرق أوسطية مستقرة وجاذبة، وأدت العسكرة والمعارك إلى زعزعة التربة الهشة، واستخراج أحقادها وصراعاتها الأشد تخلفا، وتكشير الجنون عن أنيابه.

لست أدري حقا إذا كنا بحاجة إلى تذكّر أنّ العنف لا يؤدي إلا إلى عنف مضاد، فاقتتال مجاهدي أفغانستان بعيد سحل نجيب الله في شوارع كابل ما زال في الذاكرة، وصعود واختفاء، ثم صعود طالبان أجّج الحروب والأحقاد، وأوهن محاولات النجاة بهذا الوطن البائس إلى حدود مضنية، ولم يفعل ” العنف الثوري ” المثير للسخرية في البيرو وبوليفيا وكولومبيا إلا شقّ الدروب أمام تجار المخدرات وملوكها اللاتينيين لتحسين ظروف تجارتهم، وحصدت ثورية إفريقيا مئات الألوف من البشر، وفاقمت جوع الأحياء وتخلفهم… ولم تؤدّ عسكرة الانتفاضة الفلسطينية إلا إلى الانتقاص من هيبة المشروع التحرّري وانقسام جيوسياسي موتور ودمويّ، أيعقل أننا ننسى حقائق التاريخ البعيدة، ونعاند ما نراه بأمّ الأعين؟!”

وبالعودة إلى أدونيس الذي يختصر حرب جورج بوش على العراقيين:

أحتلُّك لكي أنقذك؟!

أستعبدك لكي أجعلك سيدًا؟!

أم أنّ في هذه الحرب تطابقًا مع الحكمة “النظامية” العربية: أسجنك لكي أعطيك الحرية؟!

أعتقد مع أدونيس أنّ فورة العنف الأميركيّ التي أيقظت الغول الهمجيّ الكامن داخل المذاهب والأعراق في العراق وابتعدت بكتلة العراقيين عن فلسفة التنوير والتبصّر في تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم فإنّه “لن يكون هناك على المسرح إلا سيفُ الطاغية ورأسُ القتيل.

ولن ينشأ إلاَّ بشرٌ يلتهم بعضُهم بعضًا.

وسوف يُواصِل الحجَّاجُ انتصاراتِه.

وسوف يتناسل رأسُ الحسين، يوما يوما”.

لقراءة مقال هاشم صالح أنقر هنا

لقراءة الجزء الأول من هذا الرد أنقر هنا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق