من سلطة النصّ إلى نصّ السلطة

ما زال النصّ يحتلّ سلطة مركزية مسيطرة في الدين الإسلاميّ، وأقول هنا “ما زال” لأنّ هذا الأمر مرهون إلى الزوال، ذلك أنّ مصير الأديان، عبر تطوّرها التاريخيّ، ومن منظور علم الاجتماع الدينيّ، هو الانعتاق من سلطة النصّ عليها، وتحوّلها إلى الخضوع لسلطة الواقع إذا ما أرادت لنفسها أن تستمرّ، ويحدث هذا التحوّل إما بشكل تدريجي أو عبر تحول دراماتيكيّ قد يتّصف بالتسارع والثورية والعنف، ولا بدّ أن الإسلام سيشهد تحوّلا مماثلا، إما بهذا الشكل أو ذاك، إذ ليس في جوهره ما يمنع حدوث ذلك، فالشواهد التاريخية الإسلامية لا تخلو من حقب قدّمت أكثر من نموذج لمثل هذا الانعتاق، والتي -للأسف- لم تتوفّر لها شروط التطوّر أو الاستمرار. كذلك توجد نماذج حالية، لكنها ما زالت جزئية ومستضعفة، للإسلام الخارج على سلطة النصّ، والأقرب بالتالي إلى سلطة الواقع وضروراته وأحكامه، كبعض الأمم الأوروبية المسلمة أو بعض مسلمي دول شرق آسيا.

ويعود أوّل تعارض بين النصّ الدينيّ “المقدّس” والنصّ العاديّ إلى حادثة حروب الردّة بعد موت النبيّ، حيث امتنعت كثير من القبائل عن دفع مال الزكاة لأمير المؤمنين الجديد أبي بكر الصديق، ولمّا عزم على مقاتلتهم راجعه جميع الصحابة في ما عقد عليه العزم، ومنهم عمر بن الخطاب، معترضين على فكرة مقاتلة رافضي دفع الزكاة بناء على النّصوص الدينية المقدسة، سواء من القرآن أو الحديث، التي تمنع مقاتلة من يقرّ بالشهادتين، فأجاب أبو بكر جوابه الشهير: (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه)

لذلك، وعندما يكون للنصّ هذا الموقع المركزيّ في السيطرة باسم الإسلام، فإنه لا يبقى محصورا في كلماته “المقدّسة”، القرآن والحديث، بل إنّ النصوص العادية، غير المقدّسة، تفرض أيضا سلطتها فتؤدّي الوظيفة نفسها التي يؤدّيها النصّان السابقان من جهة الكيفية، وتختلف عنهما من جهة أولوية التطبيق فقط، دون أن يعني هذا أنّ سلطتها تكون دوماً أقلّ، بل أحيانا تغدو أكثر، من سلطة النصّين الرئيسيين نفسهما، كحديث أبي بكر السابق. فيصبح كلام بعض صحابة النبيّ أو بعض الأئمّة وكبار الفقهاء والمتصوّفة، أساسا يبنى عليه التحليل والتحريم، وهما الصلاحيتان اللتان كان من الواجب أن تبقيا محصورتين بالنصّين الرئيسين على التوالي، القرآن أوّلا والحديث ثانيا. وعلى هذا، نجد الكثير من الأحكام الفقهية، وأكثرها أحكام نهي وتحريم، ليس لديها من الأدلة سوى “قال ابن عباس….، أو قال ابن تيمية….، أو قال الإمام العسكري….” إلخ…ِ، ومن أشهر الأمثلة على اعتماد النصّوص غير المقدّسة كأدلّة في التحريم، الفتوى التي ما زال يعمل بها في الاتجاهات الفقهية السلفية، وهي فتوى تحريم الغناء، إذ أنّ أقوى الأدلة التي تساق في هذه الفتوى هو قول ابن عباس في تفسير الآية: “يشترون لهو الحديث ليضلوا به عن سبيل الله”، حيث سُئل عن معنى “لهو الحديث” فقال: (والله إنه الغناء….). ورغم ذلك، ما زالت “عامّة المسلمين” تستمع إلى الغناء، وما زال أحد أهم المنابر الإسلامية الرسمية يحرمه. ولا أظن أنّ الحال سيتغير قريبا، فلا المسلمون سيتحوّلون عن الغناء، ولا أصحاب فتوى التحريم سيتحوّلون عن تحريمه.

طبعا ليست المشكلة الرئيسية محصورة في الغناء فحسب، ولكنّ قيمة هذا الشاهد هنا إنما تعتمد على أنه واحد من الأمثلة الكلاسيكية على سلطة النصّ في الإسلام، يعود إلى بدايات نشوء المؤسسة الدينية المختصة بالفتوى، وما يزال التعاطي به ممانعاً لتغيير حكم تحريم الغناء، مع إصرار المسلمين دائما على اقتراف “خطيئة” الغناء والاستماع إليه، بل و”الترزّق” منه أيضاً. فهل هذا بسبب “عامة” المسلمين الذين ما زالوا مصرّين على “الصغيرة” من المعاصي، والتي يحوّلها فعل الإصرار إلى “كبيرة” حسب المنطق الفقهي؟! أم بسبب أهل الفتوى الذين ما زالوا من جهتهم مصرّين على اعتماد القول السابق لابن عباس، وهو الذي يحتل مكانة هامة سواء في رواية الأحاديث عن النبيّ أو في تاريخ الأحكام الفقهية الإسلامية، وله دعا النبيّ قائلا: (اللهم فقّهه في الدين وعلّمه الـتأويل)، فنال بذلك لقب “حبر الأمة”؟!

وكما أنّ النبي دعا لابن عباس بتعلّم التأويل فإنّ المشكلة السابقة لا تخرج أيضا عن إشكالية التأويل وآثارها في الفتوى الإسلامية، وأول هذه الآثار الدليل المقَعِّد الذي يعتمده المختصّون بالفتوى، أقصد قول النبيّ في أصحابه: “أصحابي كالنجوم المنيرة، بأيّهم اقتديتم اهتديتم”، وبناء عليه فابن عباس هو من صحابة النبيّ أولاً، ومن خواصّ الصحابة ثانيا، لذلك لا يتحرّج فقيه الإفتاء من تأويل الحديث السابق ليؤسّس أحكامه وفتاويه على قول ابن عباس أو قول غيره من الصحابة، ثم على قول السّلف ممن خلّفهم وأخذوا عنهم، باعتبارهم أقرب الرجال إلى الصحابة الذين أخذوا الأحكام مباشرة عن النبيّ، ثم خلف الخلف، وهكذا دواليك حتى يصبح كلّ قول قديم صاحب سلطة على ما بعده. وسيجد المتصفّح لأحكام الإسلام الفقهية كيف أنّ كثيرا من هذه الأحكام، ومن الفتاوى التي تقوم عليها، تعتمد على تواتر نقل الأقوال من جيل لآخر، وغالبا ما تتصف هذه الأحكام بالتوجه نحو الجهة الأقصى في التشدّد والتحريم والمنع، وذلك بدافع سدّ الذرائع والحيطة من الشبهات وترصّد مواطن التقوى (!!!).

إنّ تأويل حديث أصحاب النبي، بإخراج معنى مفهوم “الاقتداء” من مجرد تمثل السلوك واعتبار القدوة الحسنة، ليصبح معتمداً كقاعدة يبنى عليها الإفتاء، قد يبدو في ظاهره ذا أثر إيجابيّ يمنح المفتي أو الفقيه خيارات أوسع واحتمالات أكثر، تكون كلها متاحة لاعتمادها وبناء الحكم عليها، ولكنّ توجيه هذه الأحكام نحو التشدّد والتزمّت في أغلب الأحكام، جعل معيار المختصّين بالإفتاء في اختيارهم للنّصوص وتفضيلهم لأنماط دون غيرها من سلوك السلف السابقين، محكوما بالتشدّد أكثر منه باليسر والتسهيل، وتمّ بالمقابل تغييب أقوال وأفعال آخرين من أصحاب النصوص التي لا تتفق مع الأحكام التي اعتُمِدَت، فحرّم هذا كلّه الفقه الإسلاميّ من مرونة التعامل مع الواقع المعيش والمتّصف بالتجدد والتبدّل الدائمين، ووجهه نحو إصدار أحكام لم تستطع أن تصنع مجتمعاً على الصورة التي أرادها الفقهاء و”حراس الدين”، ولا أن تتصالح مع الواقع الاجتماعيّ للناس، فبقيت دائما حجر عثرة إما أمام تطوير هذا الواقع أو أمام تطوير الأحكام لكي تتّفق معه.

تبدو مشكلة تعريف التأويل، وتحديد شروطه ومعاييره وحالاته، بالإضافة إلى الشروط التي تحدّد أهلية من يقوم به، إحدى المشكلات التي خضعت أيضا للتأويل، مراوحة بين التنظير الذي يرى فيه مخرجا للتسهيل والتوسيع في الأحكام، وبين التطبيق العمليّ له، والذي أدّى غالباً إلى المزيد من الفتاوى المشدِّدة والمتزمتة، فبقي المسلم العاديّ إمّا في حالة شعور بالاغتراب عن أحكام دينه التي لا يقدر على الالتزام بها، مما ينعكس في إنهاك شعوره النفسيّ بحالة المخالفة والتردد وعقدة التقصير والشعور بالخطيئة الدائمة، أو بالاغتراب عن واقع المجتمع الحيّ والمتطوّر دائماً، مما يجعله فردا منعزلا مع غيره من الأفراد “الأتقياء”، لكن المنعزلين، الذين كبَّلوا سلوكهم ومشاعرهم بهذه الأحكام.

ليست المشكلة السابقة محصورة بالغناء كما قلنا، بل شملت كثيراً من الأحكام التي منعت وتشددت في أمور منها ما يبدو بسيطا وغير ذي بال، لكنها وجهت المجتمع دائما نحو حالات هي في أقل الأحوال تنافي طبيعته وسماته البسيطة والعفوية، كفتوى تحريم الشطرنج، والتي تستند أيضا إلى قول ابن عباس لما رأى جماعة متجمهرة حول لاعبَي شطرنج: “ما هذه الأصنام التي أنتم عليها عاكفون؟!”، أو تحريم حلق اللحية، أو تحريم تقليد غير المسلمين. أيضاً صدر عن منطق التشدد الفقهي هذا، أحكام غيرت في بنية المجتمع وسلوكياته وقيمه، كتحريم كشف وجه المرأة والإمعان في “عوريَّتها”، وتحريم توليها الأمر حتى فقدت الولاية على نفسها، ينطبق الأمر نفسه على تحريم اختلاط الجنسين والإلزام بالفصل بينهما، والذي غالباً ما صار يبدأ في العصر الحالي منذ سنوات التعليم الأولى، مما أدى إلى إصابة المجتمع “بشلل نصفي”، وأودى به إلى الانقسام إلى مجتمعين غريبين عن بعضهما، تحتكم العلاقة بينهما إلى التشكك وانعدام الثقة والجفاء والخطيئة.

ليس الفرق كبيرا بين الأحكام والفتاوى التي تناولت بالتحريم أمورا تبدو بسيطة، وتلك الأخرى التي مست بنية المجتمع وشاركت في تغيير وتوجيه قيمه وسلوكياته، فكلها تصدر عن بنية فكرية واحدة، وكلها تسهم في صياغة بنية مجتمعية أحادية محكومة بالقسر والإكراه لمطابقة البنية السابقة. وعلى أية حال، يمكن توسيع تصنيف الفتاوى الدينية التي ساهمت في إصدارها نصوص غير مقدّسة لتشمل الفتاوى التي صاغت البنية الفكرية نفسها، ومن أشهرها فتوى تحريم تعلم الفلسفة والعلوم العقلية “إلجام العوامّ عن علم الكلام” للغزالي، وفتوى تحريم تعلّم المنطق لابن الصلاح، والتي صيغت في عبارات تشبه كثيرا عبارات الأصول الفقهية، (من تمنطق فقد تزندق) أو (تمنطق شهر يعدل كفر دهر)، وأخيرا فتاوى ابن تيمية في تكفير شرائح واسعة من المجتمع وإخراجهم من الملة والحكم عليهم بالردة، وهو أمر لا يعني أكثر من الحكم عليهم بالموت.

أمام هذه الأنماط الثلاثة من الفتاوى، كان المجتمع دائما هو المتضرّر الأكبر نتيجة الدفع به نحو جانب التشديد والتضييق والتزمت، فبسببها ارتهنت حياته كلها لحياة أخرى بعد الموت، كذلك تحددت نشاطاته وفاعلياته بالحدود التي حددتها له هذه الفتاوى، بالإضافة إلى حرمانه من حقل واسع من المعرفة البشرية القادرة على تنمية وتحرير التفكير واتخاذ القرار وتأكيد فاعلية العقل، أيضا رسخت هذه الفتاوى الانقسام الحاد بين العامة والخاصة/ الرعاة والرعية/ النخبة والعوام، وجعلت انقياده سهلا وطيعا بالنسبة للسلطة السياسية التي تحكمه، والتي لا شك أنها استفادت من سلطة المؤسسة الدينية ووجهتها نحو أهداف وغايات كانت في أغلب الأحيان خارج حسابات تلك الأخيرة، فعملت دون أن تدري (غالبا وليس دائما) على ترسيخ وتشريع طغيان واستبداد السلطة السياسية التي نادرا ما كانت غير مستبدة.

بالمقابل، ساهمت السلطة السياسية في دعم سلطة المؤسسات الدينية بالقدر الذي يتوافق ومصالح الأولى، فقربتها إليها ودافعت عنها واعتمدت طرائق علمها وتفكيرها وتبَّنت نصوصها وأحكامها حتى غدت نصوص وأحكام السلطة السياسية ذاتها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لقد وظفت السلطة السياسية ما تملكه من قوة مادية في قمع كل الأصوات والآراء المخالفة، فاستخدمت السجن والتنكيل والتعذيب والقتل في منع كل رأي آخر، وتحت غطاء شرعي أقرته نصوص المؤسسة الدينية، حتى صارت هذه النصّ وص هي نصوص السلطة السياسية نفسها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق