الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة(15) عن الرّقابة في فلسطين

ختم رقابة الاحتلال الاسرائيلي
على أحد نصوص باسم النبريص

[ دع هذه الكلمات تتحمّل تبعة ما صُنع، حتى لا يُصنَع ثانيةً]

من”أربعاء الرماد”. (إليوت)

عانينا نحن الشعراء والروائيين والمثقفين طويلاً من الرقابة الإسرائيلية، إبّان الحكم العسكريّ المباشر لأراضي الضفة والقطاع. هذا الحكم الذي امتدّ من 1967 حتى قدوم السلطة الفلسطينية، إثر توقيع اتفاقية أوسلو، في العام 1994. ثلاثة عقود إلا قليلاً، رأينا خلالها ما تحتاج كتابته إلى كتب، لا فقط مقالٍ عابر.

إنّ كلّ كاتب عاش تلك الحقبة وعايشها ، له قصّة شخصية مع تلك الرقابة. ونادرون هم من نجوا من كُتابنا، فلم يكوّنوا أرشيفاً شخصياً، يوثّق تلك الحكايات والأحداث.

ففي ذلك الزمان، كان مجرّد أن يصل لعلْم (الشين بيت) أنّك شاعر أو كاتب[ حتى لو لم تنشر بعد، وحتى لو كنت في سنّ الخامسة عشرة] حتى تُستدعى للتحقيق في مقرّ رجال المخابرات. ولن يتخيّل أحد ماذا يمكن أن يكون مصيرك: فأهون الأمور هي الإهانة والضرب الجسديّ، وأوسطها هو تكرار استدعائك، بين الفينة والفينة: مرّة وعشراً وخمسين وتسعين! أما أرهبُها فهو اعتقالك وتلفيق تهمة لك، يمكن أن تصل عقوبتها إلى ستّة شهور أو سنة أو سنوات.

هذا بالطبع، فضلاً عن إرهاب عائلتك وأصدقائك، وتضييق الخناق عليهم، في حياتهم اليومية، كمنعهم من السفر، وأحياناً من الوظيفة أو العمل داخل الخطّ الأخضر لكسب الرزق.

وكلّ ذلك بسبب قصيدة أو مقال أو مجرّد إشاعة!

وكلّ ذلك كنا نفهمه ونتفهّمه، ففي الأوّل والأخير: ماذا تنتظر من عدوّك؟

كان ذلك يؤلمنا ويشوّش على حياتنا ونتاجنا الأدبيّ، حتى وصل الأمر ببعض المثقّفين المنتجين، إلى حدّ التعتيم على نشاطهم، وإخفائه حتّى عن أقرب المقرّبين.

تركوا النشرَ جانباً، وآثروا أن يكتبوا لأرواحهم فقط. فتكدّست كتاباتهم، وتجاوزت كتاباً واثنين وأربعة( دفنها بعضهم تحت شجرة في فناء البيت أو في الأحراش. وحين شعر بالأمان، بعد رحيل المحتلّين، ذهب ليستخرجها، فوجدها تالفة.)
بعضهم كان لا ينشر، وبعضهم نشر بأسماء مستعارة. وبعضهم خاف وكفّ لا عن النشر وإنما عن الكتابة ذاتها. فيما ظلّ البعض الآخر ينشر ويدفع الثمن.

وحين جاءت اتفاقية أوسلو، لم يتحمّس لها كثير من كُتابنا. وكنت منهم. لكن: كان يراودني أمل، على الأقلّ في هذا الجانب، أننا سنرتاح أخيراً من قمع الرقابة العسكرية الفاشية. فإخوتنا القادمون، ثوّار في أصلهم، ومعظم المثقّفين منهم، هم يساريّون على اختلاف ألوان الطيف. بمن فيهم مثقّفو ” فتح”، التنظيم الحاكم، وكُتابها وشعراؤها.

كنت متفائلاً في الواقع، فمهما كان هؤلاء “عرباً” فلن يكونوا في سوء رجل “الشين بيت” وفظاظته وقسوته ( وهو بالمناسبة يمكن أن يكون هاوياً أو مختصّاً في الآداب، ويمكن أن يكون اسمه المستعار “أبو علي” أو “أبو جلال”).

وعليه، كنت أقول لنفسي: مضت أيام البهدلة. مضت تلك السنوات التي أُُهنت فيها على مرأى من مواطنيّ، أو على مرأى من أعدائي. ومضت أيّام حرماني من العمل داخل إسرائيل، بسبب أو بدون سبب. ومضت أيام شقاء أُسرتي، أمي وأخواتي، وأخي المُعيل الذي كان يعمل في السعودية ويزورنا في عطلة الصيف، فمُنعَ من الرجوع بسببي.

لقد منع الرقيب العسكريّ عدّة قصائد لي من النشر. وحتى ما كان يُنشر ويمرّ عليه فيحذف منه ما يشاء، حتى هذا كنت أُستدعى للتحقيق من أجله. إلى أن وصلت جلسات التحقيق وحرق الأعصاب، وأنا لم أغادر بعد المرحلة الثانوية، إلى عدد 85 جلسة.

ولن أنسى أنّ سفرتي إلى مصر وإقامتي فيها بين عامي 81 – 83 ، كانت هرباً وقرفاً من مطاردة المخابرات لا غير. فقد وقعت عائلتي تحت الضغط، فضغطوا عليّ للخروج، وكان ما كان.

المهمّ، جاء أبو عمار، وصارت لنا سلطة إدارية وسياسية، بما يعنيه هذا من تكوين المؤسسات والأجهزة.
غاب المحتلّون عن المشهد، وتركوا لنا إدارة حياتنا بأنفسنا، في كلّ ما يخصّ شؤوننا الداخلية اليومية.
أنشأنا الوزارات، وصارت لنا وزارة إعلام، أحياناً يُضيفون إليها وزارة الثقافة، وفي أحيان يفصلون بينهما.

وذات يوم من تلك البدايات، جاءتني الشاعرة والكاتبة دنيا الأمل إسماعيل، لتخبرني بأنهم حرقوا كتابها الصادر حديثاً بالقاهرة[ وهو كتاب يتكلّم بأمانة عن حالنا الثقافيّ في الداخل، كانت كتبته بعد زيارتها الأولى لغزّة]. شرحت لي هذه المرأة النبيلة والمثقفة الشجاعة، التي كانت “أوّل من كتبَ عن الخراب، ودفعتْ الثمن غالياً بحرمانها الأبديّ من التوظيف” كيف أنّ أحدهم[ وهو بالمناسبة كاتب ونشيط في النشر إضافة إلى موقعيه في “التنظيم” واتّحاد الكُتاب، ووظيفته كنائب مدير عامّ في وزارة الإعلام] قد أوعز لرجال الأمن الفلسطينيّ على [معبر رفح] بتكويم نسخ الكتاب وحرقها أمام عيون الأشهاد.

كانت دنيا الأمل قد رتّبت دخول مئتي نسخة من كتابها، ولم تكن تتخيّل، رغم حملات التشويه والنميمة، التي قادها مثقفون بارزون ورجال أمن نكرات، أن تصل الأمور إلى حدّ الحرق.

صُعقت حين روت لي التفاصيل. ولم يكن أمامي إلا مراجعة أحدهم وهو شاعر “كبير” بمقاييس النقد”العربيّ”، فأنكر الرواية من أصلها، واتّهم الكاتبة بسيل من التّهم، أخفّها والله، الترويج لكتابها!

كان يكذب بالطبع. وكنت أعرف أنه يكذب(وكان يعرف أنني أعرف أنه يكذب!) فهو ممن طالهم نقدُ دنيا، وممن لم تجاملهم وكتبتْ حقيقتهم كما هي بالفعل، أي كما يعرفها كلُ مَن اقترب مِن هذا الرجل”الواصل”.

كانت تلك إذاً، أوّل حالة رقابة ومصادرة يتعرض إليها كاتب فلسطينيّ تحت ظلّ السلطة الوطنية الفلسطينية.
وللأسف: حالة فريدة من نوعها. فنحن، على مدى سنوات الاحتلال الثلاثين تقريباً، لم نسمع يوماً أنّ رقابة العسكر الإسرائيليين، قد حرقت كتاباً لواحدٍ منا.

الكتاب الذي لا يعجبهم يمنعونه من النشر ونقطة. حدث هذا معنا وحدثَ مع إخوتنا فلسطينيي الثمانية وأربعين، طوال سنوات الحكم العسكريّ هناك، التي قاربت العشرين عاماً: من 48 إلى 66 .

دنيا الأمل إسماعيل، تاريخياً، هي أوّل”ضحية” ثقافية في عهد سلطة أوسلو.

أمّا الضحية الثانية[ وأنا هنا أكتب من الذاكرة المريضة بالنسيان، فقد تقادمَ العهدُ، وأكيد أنني نسيت أشياء وأشياء] فلم تكن، يا للهول، إلا إدوارد سعيد ذاته!

نعم: إدوارد سعيد!

بدأت القصة، التي تابعتها وعايشت تفاصيلها عن كثب، بمقالات سياسية للمفكّر النبيل الغاضب، ينتقد من خلالها اتفاقيات أوسلو وسلوكيات القيادة الفلسطينية وتصرفاتها. كان سعيد ينشر هذه المقالات في الصحافة العربية[ولم يكن أيامها “انترنت” لنتابعها] وكان أحدهم من مثقّفي وتابعي الرئيس الفلسطيني[أسمه على طرف لساني ومع هذا لا أتذكّره] يردّ في صحافتنا، وفي مجلات بائسة[يفبركها هو ويكون رئيس تحريرها وجميع محرريها] يردّ على إدوارد، لا نقداً بل نقضاً. يكيل له الشتائم والتهم التي أقلّها أنه تافه وموتور! وتُوزع هذه على وزارات ومؤسّسات السلطة، ليقرأها الموظفون، بمن فيهم الموظّفون العاملون في “المنتدى”- مقرّ الرئيس بغزة.

بعدها بمدّة، أقيم معرض الكتاب في رام الله، واختفت كتب إدوارد، لا السياسية(“غزة-أريحا” سلام أمريكي، و”أوسلو2″سلام بلا أرض”) وإنما الثقافية أيضاً- ومن ضمنها كتاباه عن “الاستشراق”، و”الثقافة والإمبريالية”.

وإلى اليوم، رغم ما أُثير حينها من ردود فعل في الصحافة العربية والإسرائيلية والعالمية على خبر المصادرة، لم يعرف إلا آحاد مَن هو الذي “أوعز” لأبي عمار بمصادرة كتب إدوارد من المعرض ومن المكتبات التجارية.

فكلنا يعرف بأنّ رئيسنا الراحل، شأن الرؤساء والملوك العرب، لا يقرأ. وليس في وارد أن يمنع كتاباً، وبالأخصّ لقامة عالمية كبرى، إلا إذا أشار عليه، وحرّضه، أحدُ بطانته من مستشاري السوء.

وكما يحدث في الحكايات العربية من حولنا، كان هذا الأحد هو الشاعر…. فلان! فـ”دود المِشّ منه فيه” كما يقول مثلنا الشعبي.
شاعر ذو صوت عال في الدفاع عن الحرية والديمقراطية!

شاعر انتقد أوسلو وأبو عمار انتقاداً مريراً وأحياناً كاريكاتورياً في مقالاته وقصائده، ثم حين وطأت قدما الرئيس أرضَ فلسطين، انقلب صاحبنا من النقيض إلى النقيض. وصار مقرباً وصار مسئولاً كبيراً.

لا بأس. فكلّ ذلك يحدث في “أرض البشر”.

الضحية الثالثة هي الدكتور أنيس صايغ، رئيس مركز الأبحاث الفلسطينيّ في بيروت: المركز الذي أنشئ أوائل السبعينات، وكان رائداً في مجاله على مستوى المنطقة كلها. هذا الشيخ الجليل، ذو التاريخ الوطنيّ والبحثيّ والعائليّ المشرّف، وأخو شاعرنا الرائد توفيق، لم يَسلم هو أيضاً.

صودر كتابه”13 أيلول”[ وأرجو ألا أكون أخطأت في تسمية العنوان]، وسُحب من معرض الكتاب إياه ومن جميع مكتبات فلسطين. وكان التشديد على منعه أقسى من التشديد على منع كتب إدوارد.

ظفرت بالنسخة الوحيدة الموجودة بغزّة من تاجر كتب، بسعر مضاعف. وحين ثارت الضجّة، زارني الكاتب حسين حجازي في البيت، فأهديته مجموعة كتب وأعرته مجموعة أخرى منها الكتاب، قائلاً له: خُذ واقرأ عن وزيرك نبيل شعث!
وللأسف، لم يعد الكتاب حتى اللحظة.

أمّا الحديث عن الرقابة التي نشأت بنشوء صحافتنا الوطنية، فحدّث ولا حرج. ولن أرهقكم بالتفاصيل. يكفي لمقال صحفي كهذا، القول بأننا لسنا أفضل حالاً من محيطنا العربيّ، بل أسوأ. فهذا المحيط، راكمَ، بالخبرة والتجربة، وعلى مدى زمنيّ طويل، تقاليده وألاعيبه وذكاءه ودهاءه ولؤمه. أما جماعتنا فكانوا فظّين مباشرين بدائيين يفتقرون إلى خبرة جيرانهم في المكياج والإكسسوارات والأقنعة.

بعد إدوارد ودنيا الأمل وصايغ، لم نسمع عن حرق ومصادرات. إذ تُركت المسألة برمّتها للرقيب الداخليّ، الذي يوعز للكاتب بأنّ هذا لا يجوز وذاك يجوز. وهكذا سارت الأمور وتسير. فكلّ كتاب يُطبع يمرّ على الرقيب الداخليّ. ولا حاجة لرقيب خارجيّ اتقاءً للحرج والفضائح.

ورغم معجزة الإنترنت إلا أنّ هذا الرقيب لا يزال يمارس مهام عمله بكلّ حيوية ونشاط على مجمل النشر الورقيّ.
لذا ليس غريباً أن تسمع شكايات من هذا أو ذاك من كُتاب المقالات، مفادها أنّ رئيس التحرير شطب فقرة من مقال أو منعه من رؤية النور أصلاً.

أما فيما يخصّ نشر الكتب، فرقيب دار النشر، أسوأ. لن ينشر لك إلا حسب مواصفاته هو، وحسب ثقافته هو، وحسب مزاج الشارع.

وآه من مزاج رجل الشارع هذا!

زمان لم نكن نعرفه. والآن صرنا نخشاه ونعمل له ألف حساب.

وما هو “رجل الشارع هذا”؟ إنه الفلسطينيّ العاديّ. أي غير المثقف، كيلا نتوه في التقعيدات والتحليلات.
رجل متعلّم يستمد آراءه من الجامع والفضائيات العربية.

رجل متديّن باختصار. بغض النظر إن كان تدينه شكلياً أم باطنياً.

رجل أقرب ما يكون إلى ما اصطُلح على تسميته بـ (الإسلام السياسيّ).

ولكم أن تتصوّروا ماذا يجيز رجل كهذا وماذا يُحرّم …

ولكي لا تذهبوا بعيداً، نحن لا نقصد رجال حماس. فهؤلاء معروفة توجّهاتهم ومعروف بالتالي ما هو”حرام” في شرعهم، وما هو”حلال”، من أعمال الأدب والفكر والفلسفة وباقي شجرة الفنون. لذا لم نندهش حين صادروا كتاب “قول يا طير/ نصوص ودراسة/ في الحكاية الشعبية الفلسطينية”، لمؤلفيْه إبراهيم مهوّي وشريف كناعنه، رغم أنه كتاب أكاديميّ راق، بل هو أفضل ما صدر لدينا في هذا المجال.

كلا.

مع حماس ليست لدينا مشكلة. فغالبية ما نكتب وننتج، هو حرام أو هرطقة في شرع حماس. إنما المشكلة، بالنسبة لنا نحن المثقفين الوطنيين والعلمانيين، هي، ولو في جزء غير يسير منها، مع سلطتنا الوطنية، ذات الحزب[ العلمانيّ؟] هناك في رام الله.

تُرى كيف تنظر سلطتنا تلك للفنون؟ وما هو المباح في ملّتها وما هو غير المباح؟

لن أُثقل عليكم بالكلام النظريّ المثاليّ. يكفي أن أسرد ما وقعَ لي شخصياً مع وزارة الثقافة هناك. وهذه القصة لم يمض على فصلها الأخير أكثر من شهر فحسب.

قبل سنوات ربما أربع أو أكثر، نزلَ إعلانٌ في الصحف المحلية عن نيّة الوزارة طبع ثلاثين كتاباً، كانت دبّرتْ تمويلاً لها من إحدى الجهات. وعليه، طُلب من الكُتاب تقديم أعمالهم إلى مقرّيْ الوزارة في كلٍ من غزّة ورام الله، لتُنشر بعد مرورها على لجنة تحكيم سرّية، وهذا ما كان.

تقدمت بديوان شعر، وأُجيز للنشر. وحدثت ملابسات فتأخّرت الكتب عن الصدور. إلى أن جاء يوم، قبل عامين ونيف، فعرضَ عليّ مسئول كبير، نشْرَ الديوان، بشكل استثنائيّ، وبألف نسخة لا خمسمئة، هنا في غزّة.

كنت أيّامها أخوض سجالاً حول فساد وضعنا الثقافيّ في موقع “إيلاف”. وكنت انتقدت رمزاً شعرياً كبيراً، فهجَسَ هذا المسئول باقتراب الدور عليه. فما كان منه إلا أن يرسل مع شاعر جار لي يعمل مدرّساً في وكالة الغوث، رسالة بضرورة مروري عليه.

لم أذهب. فأرسلَ المسئولُ الشاعرَ ذاته مرتين إلي بيتي. فما كان مني، من باب الذوق لا الوظيفة، إلا أن أزوره. خصوصاً وأنه نبّه صديقي إلى رغبته في لقائي لشأن شخصيّ لا وظيفيّ.

ذهبت وجلسنا وفهمت المخبوء. يريد رشوتي بإصدار الديوان، لقاءَ صمتي عنه في مقالاتي القادمة.

وتشاء الصدفة الغريبة(يا لحظّ الرجل!) أن أكون كتبت مقالاً عنه في الليل، وضعتهُ على الحاسوب في الوزارة صباحاً، ولم أرسله بعد.

خرجت من عنده رافضاً النشر بحجّة وجيهة هي تمييزي عن زملائي التسعة والعشرين. وهي حجّة وجيهة حقاً، فماذا سيقولون عنه إذا نشر لشاعرٍ عاملٍ وموظّفٍ في وزارة الثقافة؟

في الطرقة، بعد خروجي من مكتبه، قابلني روائيّ زميل فأخبرته بفحوى الجلسة، وقلت له: الآن وفي التوّ سأرسل المقال إلى إيلاف. وهذا ما كان.

لو أردت نشر هذا الديوان في حينه، لما كلّفني ذلك، سوى تأخير المقال أسبوعين بالكثير، إلى أن يصدر الكتاب، وبعدها أنشر مقالي.

لكن هذا ليس من طبعي ويتناقض مع نظرتي للحياة.

المهم: مضت السنوات وصرنا من ذوي”الدولتيْن” وإذا بهم يتّصلون من مقر الوزارة برام الله. يريدون نشر كل السلسلة بما فيها كتابي. لكنْ… ثمّة مشكلة!

خير يا طير؟

هناك عشرات القصائد يجب أن تغيّرَ فيها هذه الكلمة أو تلك. هذا المقطع أو ذاك. وعلى هذا المنوال.

قلت لهم لن أغيّر شيئاً، والأفضل لكم ولي أن تُرفع القصائد برمتها. فإمّا أن تُنشر كما هي أو تُحذف كما هي. وهكذا اتفقنا.

قلت لهم : أرسلوا نسخة بالإيميل، وأنا أتدبّر الأمر. وفعلاً حذفت ما أرادوا، وهو للأسف: من أجود ما في الديوان. ثم أرسلت لهم النسخة جاهزة. ونسيت الموضوع.

مضى شهر أو ربما شهور فأعادوا الاتصال: ثمّة قصائد أخرى يجب إعادة النظر فيها!

ولا أدري كيف احتملتهم، وما كان يجب أن أفعل، ولكنّ الديوان تأخّر كثيراً أكثر من عقدين زمنيين ولا أريد أن أظلمه مثل دواوين سابقة.

إنه ديوان سيّء الحظ. ديوان جعلني أكون ما لست أنا.

ومع ذلك، حدث للمرة الثالثة أن اتّصلوا طالبين حذف بعض القصائد. فقلت لهم: هذه المرّة افعلوا ما تشاؤون ولا ترسلوا نسخة لي فقد مللت وزهقت وقرفت.

وأخيراً صدر الديوان دون رفع تلفون لي حتى.

ولا أعرف إلى الآن ماذا أبقوا منه وماذا حذفوا!

أما المحذوفات السابقة فهي عندي وسأنشرها قريباً، لتروا أنّ سلطتنا العلمانية في رام الله لا تقلّ محافظة و”خوفاً من المجتمع” وضيقَ أفقٍ عن أيّ سلطة مشابهة في المحيط العربيّ.

بل في الحقّ، فهي لا تختلف عن حماس من حيث الجوهر. فهي تقلّدها. والأفق الثقافيّ لكلتيهما واحد. والمنظومة المجتمعية واحدة. وهذا الموظف من فتح أو التنظيم اليساريّ من الممكن جداً أن يتصرّف كذاك الموظف من حماس.

إنها مشكلة فضاء اجتماعيّ وثقافيّ عامّ. فضاء يتراجع يوماً بعد يوم، عمّا كنّا اكتسبناه بشقّ الأنفس من نُزر حرية وسعة أفق، طوال عقود من الزمن.

كلّ شيء ينحط ويُبتَذل، وكلّ شيء يُفرّغ من معناه وجدواه. وأوّل هذه الأشياء هو الثقافة.

فالثقافة مطيّة سهلة، والمثقفون كائنات قليلة الحيلة، لا يُحسب حسابهم، فلا ظهْر لهم، وهم معزولون لا خطر منهم. وكيف يأتي الخطر ممن: “يقولون ما لا يفعلون” و”في كل واد يهيمون”!

إنهم رجال كلام لا أفعال. ولا توجد سلطة مادية تخاف من أُناس على هذه الشاكلة.

ثم .. ما هي “الثقافة”؟ لدى السلطة ألف أولوية وأولوية قبل أن تصل إلى هذا التعبير.

أخيراً كلمة لا بدّ منها:

شكراً بل شكراً جزيلاً للإنترنت. فمن دون هذا الاختراع المعجز، ما كان لنا أن ننشر مقالنا هذا وقصائدنا تلك وأفكارنا تلكم.

أشكره أصالة عن نفسي ونيابة عن كل زملائي من الشعراء والمثقفين والكُتاب.

فهو اختصرَ علينا سنينَ عدَدَا، بل ربما حتى عقوداً أو قرونا!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق