الرقمنة في السينما، أبعادها ورهاناتها

تتمثل الرقمنة في ميدان السينما في تحويل الإشارات التناظرية المكوّنة للصورة إلى إشارات رقمية ثنائية أي تحويلها من مادة كيميائية مطبوعة على الشريط إلى مادة مجردة تعتمد الألغورتما وتقرأ بواسطة الحاسوب. فهي ترجمة لعلامات متناظرة مع الواقع إلى نظام رمزيّ وإعادته في شكل ايكوغرافيّ. فالصورة السينمائية في شكلها التقليديّ نسخة تحاكي الواقع تكتب وتقرأ بواسطة الضوء أمّا الصورة الرقمية فهي ترجمة لرموز تكتب وتقرأ بواسطة أجهزة اليكترونية.

كثر الحديث منذ سنوات عن الرقمنة وما تفتحه من آفاق في المجال السمعيّ البصريّ عموما وفي المجال السينمائيّ بصورة خاصّة. لكنّ الحديث كاد يقتصر على جوانبها التقنية والاقتصادية الضيقة وقلّما تمّ التعرّض إلى أبعادها الحضارية والفكرية مع ما تمثّله هذه الأبعاد من خطورة. صحيح أنّ طبيعة الظاهرة تـُملي على دارسها الاهتمام أوّلا بخصوصياتها التقنية لما تثيره الآليات الجديدة والأجهزة الإلكترونية من فضول ومن رغبة في امتلاكها. لكن الموضوع يحمل في خفاياه قضايا جوهرية ربما تكمن قيمتُها الأولى في كونها خفيّة.

لذلك تجدر الإشارة أوّلا إلى أنه لا يمكن اعتبار التحوّل الرقميّ ظاهرة تقنية بحتة لا يتجاوز بعدُها حدودَ التطوّر التكنولوجيّ، فهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بتحوّلات حضاريّة كبرى بل تعبـّر عن منعطف هامّ في علاقة الإنسان بمحيطه. وتندرج الرقمنة في مرحلة تاريخية يمكن تسميتها بالفيديو سفار vidéosphère حسب عبارة ريجيس دوبري أو بمابعد الحضارة كما يقول فرانسوا ليوتار أو كيفما شئنا. فمهما يكن من أمر لا بدّ من الإقرار بأنّنا نعيش نمطا جديدا في كتابة الواقع. لقد خرجنا من مرحلة الغرافوسفير graphosphère أي سيطرة المكتوب ويمكن القول إننا دخلنا “حضارة الصورة” كما حلا للبعض تسميتها ولكن العبارة لم تعد تؤدّي المعنى لأنّ القضية لا تقتصر على أهمية الصورة في الإنتاج الفكريّ بقدر ما تتعلق بطبيعة هذه الصورة. فالصورة التناظرية رغم اختلافها السيميولوجيّ مع الصورة الذهنية للمدلول اللسانيّ هي أقرب إلى اللغة المنطوقة والمكتوبة منها إلى الصورة الرقمية التي تخضع لنظام مختلف في جوهره. فمن الناحية التقنية انتقلنا من الكيميائيّ التناظريّ إلى الفيديوغرافيّ الرقميّ أي من إعادة تصوير الواقع بالاعتماد على موادّ كيميائية إلى اعادة تصويره بالاعتماد على تحويل صورته الغوريتميا.

ثم إنه لا بدّ من الإشارة ثانيا إلى أن هذا التحوّل يتـّسم بسرعة فائقة تجعل التنظيرصعبا. فأصبح البون بين هذه التحوّلات والتفكير فيها من كبرى مفارقات العصر. هكذا يبدو لنا العالم الآن: سرعة هائلة في التقدّم التقنيّ وتلكّؤ في الإنتاج الفكريّ. مشهد قريب جدّا مما ذهب إليه الفيلسوف الإيطاليّ أومبيرتو غالمبرتي في كتابه:

Psyche e techne, l’uomo nell’età della tecnica, de Umberto Galimberti (Feltrinelli, 2000).

يقول غالمبرتي إنّ التقنية حلـّت محلَّ الطبيعة المحيطة بنا في الوقت الذي مازلنا نعتقد فيه أنها أداة بين أيدينا نملك أسرارها ونتصرّف فيها حسب أهوائنا. أصبحت التقنية ُ المحيط َ الدائرَ بنا نعيش فيه ولكنّ الإنسان يتحرّك في المحيط التقني راسما كما كان يفعل دائما أهدافا لحياته حاملا رصيدا من الأفكار و المشاعر الخاصة به كإنسان، إلا أنّ التقنية لا ترمي إلى أيّ هدف ولا تنسج أيّ سيناريو للخلاص ولا تكشف أيّ حقيقة. الإنسان يفكر أمّا التقنية فهي “تشتغل”.

أمّا في ما يخصّ السينما فتربطنا بها نظريّا وعمليّا علاقة ٌمبنيّة تماما على فكرة الأثر أو البصمة. فنحن ندرك الصورة السينمائية، سواء كنّا صانعين لها أم منظّرين، ندركها كنسخة للواقع مهما كان وعينا بالقيمة الأيديولوجية والجمالية لما يميّزها من خصائص أرادها صانعها. كلّ ما كـُتـِب في هذا المجال منذ والتير بنيامين إلى جيل دولوز مرورا برولان بارت ينطلق من هذا المبدأ. من أنّ الصورة تعيد إنتاج الواقع، فهي تحمل أثرا ماديا له بحكم عملية التصوير الشمسيّ الذي هو أساس السينما. حتّى بُعْدَا السينما اللغويُّ والسحريُّ لا يمكن أن يُفهما إلا بناء على ذلك. ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار اندري بازان أبرز مـُنظّر على الإطلاق للصورة السينمائية . فمفهوم الواقعية بالنسبة إليه يختلف اختلافا جذريا عن الواقعية السوفياتية أو الواقعية الشعرية الفرنسية وحتى عن الواقعية الجديدة الإيطالية في معناها المتداول وإن كان من أكبر المدافعين عنها. ترتكز نظريتـُه أساسا على مفهوم انطولوجيّ للصورة الفوتوغرافية. فالمكانه التي أولاها للّقطة على حساب المشهد – وما يعني ذلك من رفض للمونتاج – انما يدلّ على إيمانه بقدرة الصورة على حمل الواقع ماديا. ومن أدرك الطبيعة الحقيقية للّقطة كروسيليني تمكـّن من التعبيرعن غموض الواقع وكثافته الدلالية.

انّ هذا المفهوم المؤسِّس لحداثة الصورة السينمائية يشهد الآن تغيّرا جذريّا فالرقمنة خلقت علاقة جديدة بين الصورة والواقع زالت معه الروابط المادية وامّحت البصمة ُ فلم تعدْ الصورةُ حجة.ً

قد لا يكون هذا الإنقلاب واضحا وضوحا كاملا وهو لا يزال فعلا غامضا، مع – أو بسبب – ما يتـّسم به من سرعة، لأننا نعيش مرحلة انتقالية. فالرقمنة لم تشمل بعدُ كاملَ مراحل عملية فبركة الصورة. إنها بدأت بالمونتاج أي أنها تدخـّلت في المراحل الوسطى من السلسلة ثم شملت مرحلة َ ما بعد الإنتاج . فعملية المونتاج أصبحت تتمّ بواسطة الكمبيوتر في جلّ الحالات إن لم تكن في كلّها بينما لا تزال مراحل الصناعة الأخرى تخضع في أغلب الأحوال للنظام التقليديّ الفضّيّ (نسبة إلى بروميد الفضّة التي يتكوّن منها الشريط). بدأ الأمر يتغيّر شيئا فشيئا بالنسبة للتصوير فأخذ عدد الأفلام المصوّرة بالفيديو الرقميّ يرتفع تدريجيا. بينما بقيت مرحلة العرض متأخّرة حيث لا يزال جهاز العرض التقليديّ يقاوم بشدة غزو النظام الرقميّ. وهنا تكمن المفارقة الكبرى لأنّ عملية الرقمنة بصدد الإنتهاء من حيث كان من المفروض عليها أن تبدأ.

كان من المفروض أن تبدأ الرقمنة بالعرض إذا اعتبرنا أنّ الرقميّ أثـّر في التوازن الذي تقوم عليه عملية انتاج الصورة في نظامها الكيميائيّ التقليديّ. فللرقميّ خاصّيتان أساسيتان: الخفّة واتّساع إمكانيات التوزيع. مما جعل مركز التوازن يتحوّل من الصانع إلى المتلقّي. فالمشاهد أصبح منخرطا في عملية التصوير منذ مراحلها الأولى، فالصورة الرقمية ليّنة قابلة للتغيير، تحمل في ذاتها برنامجا للمونتاج، إنها متغيّرة من البدء، جاهزة للقراءة قبل اكتمال صناعتها، فالتة عن إرادة صانعها، مِلك لمتقبـِّلها. صورةٌ محكوم عليها أن تنتقل وهي كما يقول اندري رويي André Rouilléصورة “شبكة” تختلف في طبيعتها عن الصورة “الحدث”. فإذا كانت قيمة الصورة التقليدية أي الصورة الكميائية تكمن في قدرتها على وفائها للواقع فقيمة الصورة الرقمية تكمن في قدرتها على السرعة في التنقّل. من هنا جاءت محاولات بعض ناشري أفلام الفيديو في برمجمة تغيير نهاية الفلم اذ ضمـّنوا الأعمال التي سوّقوها برنامجا يمـَكّن المشاهدَ من اختيار النهاية التي يريد.

ولسائل أن يسأل لماذا هذه المفارقة، لماذا لم تبدأ عملية الرقمنة من البدء وأبت إلا أن تنتهي بالبداية ؟ إنّ السبب في رأينا راجع إلى اعتبارات اقتصادية. فالقوى الفاعلة في السوق هي التي تحول دون اكتمال الرقمنة لأنها تتحكم في قوانين انتاج أجهزة نظام العرض التقليديّ وتسويقـِها. فقد يستغرب المتابعُ للسينما الفرنسية من التأخّر الحاصل في فرنسا في مجال رقمنة أنظمة العرض. كيف يمكن لبلد يحتلّ مرتبة ًيـُحسد عليها من حيث تشجيع الإنتاج السينمائيّ والمحافظة عليه، كيف يمكن له أن يسجّل هذه الدرجة من التباطؤ في تعميم رقمنة اجهزة العرض؟

فلا غرابة إذا أن تكون بلداننا العربية والإفريقية في مؤخّرة الركب فهي في وضع يقدّم أكبر دليل على مفارقة التطور التكنولوجيّ. فأحوج الشعوب لثمار التطوّر كانت آخر من يتمتع بها في الوقت الذي كانت طبيعة هذا التطوّر في صالحها. إذا كانت الرقمنة تخدم بالإساس متلقّي الصورة وإذا كان النظامُ الجديد يَحمل في تركيبته برمجة َ المتلقّي فكيف يمكن لمتلقيي الصورة ومستهلكيها في العالم الثالث أن يكونوا آخر من ينتفع بها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق