لعبة الروح

–أيتها الروح، إذا كنت هنا فاظهري

يعبر النداء تائها إلى حافة الصمت؛ يتلمّس روحا ناطقة.

كانت سبّابتك ترتعش وهي تشاركني الضغط على العملة المعدنية. تأمّلت فضولك في ظلال همس مربك، وإن لم أتوقّع انسجاما منك؛ ففكرك كما عهدته يرجم طقس الموت، ويرقص بابتهاج على عتبة الإنكار. انتقلت إلى مقام التحرّك، دفعت في حذر وتستّر العملة إلى التقدّم بتأنّ، ثم ألزمتُها التوقّف…

ها أنّك ترتعد، هل استفزّتك الحركة ؟ أكان هناك شيئا من العدم يختلق اندفاعا؟

تظهر على محيّاك أسئلة مبهمة، وسط دهشتي من هذا الأثر السريع.

لقد ثابرت لتحصيل هذا الفضاء الغامض، غرفة مظلمة مع شعلة قنديل ترسم ملامح باهتة لكيان ينتشي.

لا أعرف تحديدا ماذا دهاني، لكني ربما كنت مصرّا على أن أحتكم للعبتي الساخرة هذه كي أُقدّر عمق لقائنا الأخويّ. آه، أفهم رفضك الحين، لكن تيقّن أني لم أرد أن تنتهي المسألة إلى ما آلت إليه، فقط، ما قدرته كان سؤالا بسيطا، ويحتاج إلى إجابة واضحة. اتّهمتني بأنّي كشيوخ الزعامات أسعى دوما نحو الكشف الماكر عن صدور الأتباع، صدقني، لم يكن هذا مرادي. هي لعبة تتحذلق كي ترتخي الأعصاب المتيقظة وتستسلم الذات لحركة بوح فيّاضة. ربما كنتُ فقط على خطى تعريفك بهذه اللعبة. حتما، بعدها، كنت سأروي لك علاقتي مع فتنة عبثها في قراءة المتاهات المستغلقة؛ لأنّي كنت اعتمدها يوما ما في المبيت الجامعيّ؛ لاخترق ستر واقع الغدر والخوف.

{{مقدمة مقتضبة للطريقة :}}

اللعبة بسيطة، هي ورقة بيضاء تعلوها جميع الحروف الأبجدية العربية، وفي أركانها أرقام تعدّ من الصفر إلى التسعة، وفي أسفلها حلقتين كتب داخلها عبارتي “نعم” و”لا”. تنطلق اللعبة بأن يضع شخصين سبابتهما على عملة معدنية ليتلفظ أحدهما بآية الروح، وحينما يستجاب النداء، تتحرك العملة تلقائيا باندفاع غامض صوب حلقة “نعم”، وتبدأ بعدها سلسلة أسئلة التعرف على هذه الروح المستحضرة عبر حركة نطقها من خلال تحولاتها بين الحروف و الأرقام، واستبيان حياتها ومماتها وتنبؤاتها…(1)

{{فوهة الغسق :}}

أذكر، أنك قلت لي: ” دعنا من ترهات هذا المدى الساذج، فعقلانية بروز الأشياء تأبي فتنة هذه الخزعبلات ”

قلت لك بصرامة الحرص : ” لكننا يجب أن نغشى تلك الجنبات، حتى ندرك فشل إدعائهم ”

كنت قد حذرتك مرارا من أن ترفع يدك عن العملة؛ فثمة نحس روحاني هائل يتربص بنا، وسيغشى المكان منتقما؛ لأننا انتزعناه من طوق غيبه. نعم، قلتها بتعبير صادق قلق، ومحاولة التلبس ببعض الحيرة والإيمان. كنت أمارس دوري المراوغ ببرودة الصبر كي أقنعك بدخول معترك هذه المتاهة. أعرف، يحتويك الحين غضب يجعلك تنبس بهذه العبارات الحانقة، لكن ماذا سأقول؟ إنك من أقنعني بغيبته عن فتنة الاعتقاد، أنسيت خطابتك بين الرفاق عن الروح؟ ألست القائل ساعتها:” لا، لن يغمرنا قبح الروح وهي تتلمس حجب الواقع، سنكون ثورة العدم على بهرجة اللطف، ونفجر تلك الخرافة حتى نصطنع الحياة “؟ فهل هذا تعبير من يستسلم لبوح التلفظ عن مكنونات خبيئته لطيف روح انفلتت عن عقال الستر؟

غازلتُ العملة بحمق التردد، وحاولت أن أتلمس عنفوان قبولك، كنت أدفع حركتها حتى يندمل الشكّ فتستسلم إلى تلقائية الدفع. حاولت أن أكون مصدقا أمينا، وأن أرسم سذاجة الدهشة على ملامحي وأنا أرى العملة تتحرك نحو “نعم”، ثم تنطلق الروح في تفاصيل متخمة من الحكي عن شقاء ضياعها داخل جنون الموت، عن رحلتها في وقار القديم الواهم، و عن تلف كيانها في قلق اللاانسجام مع متاهة الغيب. اصطنعت الروح بمعاني الصوفي وجموح الشعر، جعلتها تلقن إعجازها ببهرجة الإنشاد والكشف. كنت ترتعد انتشاء و تحاول جاهدا أن تكون خارج طور اللقاء، لكنك فشلت. بدا أنك تقع في جحيم من الصور المترسخة. تابعت إيقاع ارتعاش قدمك وهي تسرع في اضطراب واضح. كنت أشعر من نظرتك الغائبة في فضاء الحيرة أنها تضمر تصديقا صامتا، عندها تركت العملة تباشر حركتها على إيقاع فعلك اللاشعوري، وانطلقت داخل نسجي الخاص أسأل الروح عنك في تنطع الفضول والمكر.

{{رقصة التوابين:}}

انشق وجهك عن دمعة تخترق لجج القسوة. كنت تبتهج لهذا الحضور في ميقات الحزن، تحدثت عن سلامة الكيان مع ركب قاطرة الديار القديمة، تأملت بكلمات حالمة ضياء اليوم يبرق من مدارات الماضي، ركعت ترحما، وانتسبت إلى العتاب اللين. شاهدت ضحكتك تشرق ببهاء اللقاء، رأيت في حركتك تشقلب الشوق والافتتان. استسلمت بعدها في هدوء إلى اختلاجات سكينة التحقق الكلي، إلى عقال المطلق. التف الزمن بطقس الفرح. كانت العملة تسرع تحت وطأت ضغط سبابتك؛ فتعبر إلى الحروف ببهجة الوصال. حدثت الروح عن نور يغمرك فيشدك إلى السماء؛ حيث النظام والاكتمال. قلت بأنك تشهد خلاصك الحين في إشراقة ذكر تراه، لكنك كنت مع هذا في دائرة الصمت، في مساحة ملؤها البهت والاستكانة، تلبسك التكاسل فبدوت باهتا بلا نبض ثائر. أين كنت حينذاك ؟ لم أكن أرى غير بلاهة الاتفاق تغمرك بلا بذاءة التمنع، غائبا في رحلة ما، ربما هي رحلة إلى برزخ أزلي من آيات الكذب البائدة.

بعد غمار بهجة اللقاء، سرعان ما انصعت لركام الآلام، وتحولت إلى كائن يغلفه الشقاء. كان عليك أن تحمل ثقل الهزيمة، كل الهزيمة، وأن تقدم سلوكا يليق بوقع السقوط ذاك. لا أعرف تحديدا، هل كان عليّ أن أنبهك؟ ربما فعلت ولم تسمع مني؛ لأنك حينها كنت تطالع مع الروح سبل إقصاء الشجون، تملكتك تلك الرغبة في نقض محنة التبدل، إنك تهذي بكلمات من معاني التحول لتختلق سكونا مطبقا. كيف لي أن أراك؟ لم تكن أنت هناك، ما رأيته فعلا شخصا مستغرقا في متاهة روح قديمة. ما يرهقني في هذا، أني عرفتك شديد القسوة في نفي هذا اللطف الساذج. أذكر أني قلت لك يوما بأني أتشوق لمعنى روح تكون حاملة لزندقة التبدل، لجنون التمرد، وكفر التعدد… رددت عليّ باستخفاف قائلا: “إذا تبدت الروح طغت؛ لهذا فعلينا وأدها”. ما الذي يحصل إذا؟ إنك يا رفيقي، كنت هناك في عمق الضياع داخل غسق روح مستغلقة.

آه، نعم، قد يكون هذا، إنك تدعي أنّ الروح التي تمثلتها تعبّر عن ما يستفزك منها، إلّا أني مع هذا لم أفهم إنصاتك العاجز لعبارات الروح تلك، إنك لم تحد عن قولها بل باركته بحماس؛ صور من تتلمذ المريدين على أيدي مشيخة الروح. هل هناك خلل ما؟ هل نتبدل يا رفيقي في مواجهة وهم معايشة الروح إلى هذا الحدّ؟ ربما لا، يبقى أنني أتشوق فعلا لقراءة ما؛ تقدم تفسيرا لما عاينته حينذاك: هذه المأساة الإيمانية لكائن ينادي بقتل الروح. (2)

{{الهوامش:}}

(1) ربما أشكل على البعض انحراف اللعبة عن طقوس هيكلها و تطبيقها المعروف إلى حد الاحتجاج المتهكم، لهذا فأنا أعتذر مسبقا عن تبديلي الذي لا ينم إلّا عن شذوذ في عادة التآلف و التوافق مع تهيّؤات الواقع الرصينة.

(2) سمعت كثيرا عن انقلابات النهايات؛ عن رجال تملكتهم رغبة الخلق لكن عندما أزفّ مشهد الموت غدوا في مقابر التعبد ينشدون الطاعة، فهل هذا من ذاك ؟

{طارق الطوزي: قاص من تونس}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This