قالوا.. تلك أساطير الأوّلين!!

مازلنا نعيش عهد الدولة الأولى، لا شيء تغير. أُلبست “دُولُنَا ” طلاء الحداثة وبقيت في محرابها بكل الدّم وبعيون تنتظر من يسجد وخنجر تحت الرداء عند الفجر. ورائحة الخمر وعرق السلطان بعد السهر الطويل وقبل النوم وبعد الوضوء بلا اغتسال، يؤُمّه للصلاة شيخ مُورّط في تفاصيل الفقه وقواعد التيمّم، وخلفه الأحلاف التي انقلب عليها.

مازلنا في عصر البلاط وإن اختلفت التسميات: مبنى البرلمان ومقر الحكومة والقصر الجمهوري واللجنة الانتخابية وطاولات الحوار الوطني.

مازالت الرعية عامّة والخاصّة تنوبها في البيعة وتجمع الجباية.

مازال كاتب السلطان على كرسيّه.. ومازال صاحب العسكر وصاحب الشرطة وصاحب الأختام.

مازالت دولنا عربية إسلامية (جدا)، الممالك إقطاعات والجمهوريات ادعاءات.

ولو أتى علينا مطر الحقيقة مرّة لتحلّلت الأصباغ وألوانها وأضواؤها ولاستأجرنا ناقة للتنقل وأخذت العمامة موقعها على الرؤوس وطلبنا امرأة لليلة أو فحلا للاستبضاع.

لا شيء تغيّر، ما باد من كيانات كانت قبل قرون وما نعيش في ظلّه بعدها.. وخُلُوّا من الفكرة أُجبرنا على عيشها ودخلت على يومنا تفاصيل الجديد.

● هل سمع أحدكم بعائلة حُكم من شرق العرب إلى مغربهم لا تستأثر بالسلطان والمال ولم تملك الأرض والناس؟

–دُلّني عليها، أعطك روحي (قبل أن يقرأ الرقيب نصّي فتخسر الرهان).

● هل سمع أحدكم بوزير عربي نفوذه أكبر من خادم جارية السلطان؟

–دلّني عليه، أُعلنه نبيا، فقد عُيّن بمرسوم من الله لا من السلطان.

● هل سمعت وزير الشرطة يُرتّل نتائج الانتخابات؟

–ماذا قال طبيبك؟ هل ستعيش طويلا؟

● هل شاهدت “السيدة الأولى” في بلدك تُدشّن مقرا لجمعية خيرية؟

–ما هو آخر إحصاء للفقراء؟

هذه الممالك (من شرق العرب إلى مغربهم) ما زالت تلوك الأيام الخوالي. والسلاطين لم يرحلوا. تغيّرت أسماؤهم وبعض صفاتهم. لم تتغير قلوبهم وعقولهم. حتى أهلهم لم يتغيروا. كانوا يُسيّرون القوافل للسلب ومعها الجند. وأصبحوا يُحرّكون المصارف وإدارات المال العام، ووضعت الأختام الحديثة على ما نهبوا. ويركبون أحدث السيارات ويُدخلون السجون وَيقبضون الرشاوى.

لم تتغير بطانة السلطان، الخاصة هي الخاصة وما سُمّي حديثا بالشعب أو المواطنين هم الرعية ذاتها (تلك) بكُلّ غبارها وآلامها وتصديقها وتكذيبها وصمتها وامتنانها للسلطان وكفرها به وهتافها وهمسها وزنازينها وقرابينها ودموعها وغبنها وعجزها وانكسارها.

قالوا.. تلك أساطير الأولين!!

لا أولين ولا آخرين، الخط لم ينكسر ولم نأخذ وجهة أخرى. نحن نعيش في عصر حديث بأنظمة حكم بائدة. لم نجدد الحاكم. ما زال متنفذا. منقسما إلى شطرين : عينه اليمنى تراقب الأغلبية من الضعفاء وعينه اليسرى عمياء على إجرام أهله والمقربين منهم.. أذنه اليمنى تلتقط همس الناس فتُخرسهم وأذنه اليسرى تسهو عن لعن أهله لـ(…) أمّ الشعب.

دُولنا ليست ملكنا، نتمنى أن نكون ملكا للدولة على الأقل!! نحن ملك لهؤلاء الذين صادف وجودهم نطفة من ماء السلطان أو رحم زوجة السلطان أو ماء أبيها أو خالها أو عمّها أو جارها أو صديق طفولتها.

نحن ملك لصهر السلطان وخدمه من رجالات “الدولة”: وزراء وعسكر ومالكو مفاتيح خزائن مالنا المسلوب.

قالوا.. تلك أساطير الأولين!!

نحن نعيش هناك. لم نخرج من الحقبة الأولى. سرقنا من التاريخ جلدته تنكّرنا حتى نحضر المحافل الدولية الكبرى ونُسجل في الأمم المتحدة، وحتى نموت في الحروب الحديثة كبقية خلق الله.

* لم يتغير نظام الحكم.

* إذا لم يتغير شيء.

* ليتغير نظام الحكم يجب أن تتغير النظرة للتاريخ والإنسان. يجب أن نحل في الحاضر. يجب أن نأتي.

* إذا لن يتغير نظام الحكم.

* يجب أن نتسلل فجرا من حدود التاريخ.

* وحدود الجغرافيا؟

* ليست أسرا.

* وحدود الله؟

* تلك حدود الله.

* هل نكسرها؟

* نحن صنعناها.

* أستغفر الله!

* أستغفر الله إن كان غبيا إلى الحدّ الذي صوروه لنا. وأستغفره إن كان راضيا أن نُستعبد باسمه. وأستغفره إن أرادنا على عجز. وأستغفره إن لم يُؤمن بنا.

* قال أطيعوني وأولي الأمر منكم.

* أمرُنا لنا،، فَلْنُطِعْنَا.

(وتلك كذبة أخرى)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This