حول مفهوم “الصفقة” في لغة الشرع والسياسة

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مفردة “الصفقة” في لغة الخطاب السياسيّ، خاصّة في المشهد الشرق أوسطي الذي بات يسخن يوماً بعد يوم على نار هادئة من التجاذب والتنافر، ينطبق هذا على توصيف حالة التقارب السوريّ الفرنسيّ، والدور الذي لعبته “الدوحة” بصفتها صاحبة هندسة هذا الجسر الواصل بين باريس ودمشق، أو على حالة المدّ والجزر في العلاقة الندية بين إيران وأمريكا، أو حتى جملة العلاقات التي تربط مجموعة أحزاب ببعضها بعضا كما في لبنان أو العراق. لذلك يبدو أنّ هذه الصفة لا تنسحب فقط على الدول التي تسمّي نفسها دولا معتدلة، ودول أخرى تعرف بدول ” الممانعة” مثل سوريا وإيران، بل تشمل أيضا أحزاباً أو حتى أشخاصاً إذا ما أردنا تسمية الأشياء بأسمائها.

وإذا كان مفهوم ” الصفقة” ذا صبغة تجارية بحتة، احتكرته اللغة الاقتصادية، وتداولته كمصطلح خاص بعوالم المال والأعمال، وبقي محبوسا في قواميسها ردحاً طويلا من الزمن، فإنّ الساسة، وهم على الأغلب قادمون من عالم المال، وأحيانا ذاهبون إليه، قد دجّنوا هذا المفهوم وأدخلوه عالم السياسة من بابه الواسع، فهل هناك ضير في ذلك؟!

في الحقيقة إنّ أوّل ما يتبادر إلى ذهن المتلقّي حول مفهوم مصطلح “الصفقة” هو الربح الماليّ، كونه مرتبطا، بشكل أو بآخر، بالتداول التجاريّ الذي تنحصر غايته الأساسية في الربح أولا ودائما، إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك في كلّ الأحوال طرف رابح وآخر خاسر في عملية التبادل التجاريّ، طالما أنّ ربح جهة ما لا يشترط خسارة الجهة الأخرى. أمّا في عالم السياسة فالوضع مختلف، ففي كلّ صفقة هناك رابح وخاسر، مع توهّم الخاسر أنّه أيضا يربح بشكل أو بآخر، ليس ماء وجهه فقط، بل النجاة من موقف ما يمكن أن يؤدّي إلى خسارة أكبر، نتيجة قوّة الطرف الآخر، الذي لا يكون زبونا أو شريكا إنما خصما، وعادة ما يضحَّى لهذا الربح بخسارة ماء الوجه، لكنها تبدو ربحا أمام خسارة أكبر تمّ تجنّبها عن طريق عقد الصفقة التي من طبيعتها أن تكون غير عادلة الأطراف. والربح والخسارة هنا أشبه بلعبة شدّ الحبل بين طرفين أقواهما يجرّ الآخر إلى التهلكة برضاه ودونما أية إثارة للمسألة الأخلاقية، أمّا الوسيط، الذي هو الحبل، فهو الرابح الأقوى أو الخفيّ في هذه اللعبة. ولو أمعنّا في أطراف المعادلة- اللعبة- لوجدنا أنّها الصورة المشوّهة والقاتمة والتي يُدفع بها بديلا عن مفهوم “التسوية”، كونها جزءا من خطاب السياسة ومفرداتها ، وجوهر العملية التي عليها تقوم المفاوضات والمعاهدات والاتفاقيات السياسية، سواء الخارجية باسم الدولة أو الحلف المكوّن من مجموعة دول، أو داخليا بين الأحزاب والتيّارات والجبهات وغير ذلك من المحاصصات السياسية المعروفة. بالإضافة إلى أنّ توظيفها في عالم السياسة هو في محلّه ولا تثار حوله أيّة شبهة أو غبار، فالمفهوم مشتقّ لغويا من نفس جذر المساواة والتساوي والسواسية. لكن المحير هو أن تحلّ مفردة “الصفقة” محلّ هذه المفردة! والتي لا يمكن أبدا تأويلها بأيّ منحى أخلاقيّ، أو حتى حياديتها على الأقل!!

استطرادا..لو فتّشنا في قاموس المفردات السياسية فنادرا ما نرى بأنه تمّ استعمال مفردة “الصفقة”، والحقّ أننا لا نعرف بالضبط كيف تسربت هذه المفردة إلى أن تكون الآن جزءا من المفردات في الخطاب السياسيّ، ولعلّ السبب ربما يعود، كم أسلفنا، إلى أنّ من يدير عالم السياسة في وقتنا إنما ينطلقون من الخلفية التجارية أو الاقتصادية، وهو أمر ممكن لو نظرنا في أعضاء البرلمانات سواء في العالم العربيّ أو العالميّ، فإنّ اغلب البرلمانيين هم أصحاب شركات تجارية ورجال الأعمال، وهذا الأمر ينطبق على رجال السلطة أيضا، فليس الرئيس الأمريكي المغادر رجل الأعمال الوحيد بين الرؤساء، وهو أيضا سيعود كذلك فور انتهاء ولايته، كذلك غالبية من حوله هم أصحاب شركات وأعمال.. وهكذا دواليك. بمعنى آخر، إنّ وجود مفردة الصفقة وتوظيفها بدل “التسوية” في عالم السياسة ربما سببها إنّ أصحاب القرار السياسيّ اليوم غالبيتهم ينحدرون من خلفية تجارية، فرضوا على الحقل الجديد الوافدين إليه مفاهيمهم وغاياتهم وطرق تفكيرهم.

كما نوّهنا… لأنّ الأمر، في أساسه، ما هو إلا حروب ضروسة في ميادين تجارية تحاول السطو على أسواق العالم بشكل أو بآخر، لذا يأتي مصطلح “الصفقة” حقيقة وإن كانت بثياب سياسية. وبذلك تختلف ” التسوية” عن “الصفقة” في أنّ الأولى لا ترتهن حتما لأحد الاحتمالين (الربح أو الخسارة)، تماما كما هو الأمر في لغة الخطاب العسكريّ القائم على الدفاع والتسلّح، الذي يلوح بالحرب دون الجزم بوقوعها.

ولو نظرنا أخلاقيا إلى مفهوم ” الصفقة” نجد أنها لا تعير أيّ اهتمام للجانب الإنسانيّ، فهي طاحونة ضحاياها البشر، أمّا في “التسوية”، وهي الأكثر نخبوية، فالجميع يربح لأنّهم عبر “التسوية” بين الطرفين المتنازعين ينتقلون من مرحلة مأزومة إلى مرحلة منفرجة تحظى بمزيد من الأمان والنشاط، فهي بنود واتفاقيات وعقود تؤسّس لمرحلة جديدة ومغايرة للماضي، على عكس “الصفقة” التي تمرّ عبر طرق ملتوية غايتها إنقاذ موقف معين بذاته، دون أن تهتمّ للتراكمات والأزمات الأخرى. فالصفقة لا تأتي مكتوبة وموثقة بالعهود والمواثيق، إنما عن طريق تفاهمات لحظية محاطة بالشخصنة والكتمان، غالبا ما تدور تحت الطاولات أو من وراء كواليس، دون أن تستفيد الأمة في شيء من هذه الدبلوماسية السيئة، ولا حتى أن يكون لها مجرد إبداء الرأي أو أخذ العلم بما يحصل.

وثمّة مقاربة أخرى لوجه استعارة المفردة الاقتصادية، ليس سياسياً هذه المرة إنما دينيا، فليس بخاف على أحد في الخطاب الإسلاميّ أنّ الله قد “اشترى من المؤمنين أنفسهم بأنّ لهم الجنة”. فتحوّلت “النفس المؤمنة” إلى سلعة تباع وتشترى، حقيقة لا يمكن تجاهلها حتى لو كان ثمن هذه السلعة هو الجنّة، وحتى لو أتقن المفسرّون في تعليل خطاب البيع والشراء بحجّة توافقه مع لغة وأسلوب تفكير الجمهور المخاطَب (أهل مكة الذين اشتهروا بالبيع والشراء وكانت حياتهم تقوم على التجارة والاقتصاد)، وقد يتساءل البعض هنا: ألهذا الحدّ فقيرة هي لغة ومفاهيم الشرع ليتّكئ خطابه على استعارة دلالات السوق ومفاهيمه، وما مدى أخلاقية هذه الاستعارة؟

وإذا كنا سنبرّر للسياسة استعارتها لمصطلح “الصفقة”، فإنّ ما يدعونا للشك والريبة في مقاصد هذه الاستعارة هو هذا التقارب حول مفهوم “الصفقة” في الشرع وفي التجارة، فإذا كان الشرع يزعم أنه قادر على أن يحلّ محلّ البدائل الأخرى في المجال السياسيّ، أفلا ترجع علّة استعارته للمفاهيم الاقتصادية (“الخاسرون” – “اشترى من المؤمنين أنفسهم” – “فما ربحت تجارتهم”) وغيرها كثير، لنفس الأسباب التي جعلتها مستساغة ومعبّرة في المجال السياسيّ؟ سؤال برسم التفكّر!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق