فرانسيس فوكوياما: من بوش إلى أوباما

أدلى فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama ) بهذا الحديث إلى مجلّة ” الأكسبرس ” الفرنسيّة ( 1 ) عشيّة الانتخابات الأمريكيّة التي قادت باراك أوباما إلى البيت الأبيض، ولكنّ هذا الحوار لم يتجرّد عن راهنيّته ومستقبليّته أيضًا لأنّه، ببساطة، كشف حساب سريع يقدّمه أستاذ الاقتصاد والسياسية الدوليّة في جامعة هوبكينز بواشنطن والفيلسوف الذي بدأ قريبا من دوائر المحافظين الجدد أو محسوبا عليهم وانتهى، منذ 2003 تقريبا، على مسافة نقديّة منهم تمكّنه من تقييم الحقبة الريغانيّة ونهاياتها على عهد بوش الابن، وتستشرف، في الآن ذاته، آفاق ” النموذج ” الأمريكيّ في عالم اليوم والغد. –الأكسبرس: هل نشهد في خلفيّة هذه الانتخابات انحدارا أمريكيّا هائلا؟ فوكوياما: لقد دخلت أمريكا، منذ زمن، عالما متعدّد الأقطاب دون أن يكون ذلك مسوّغا للحديث عن سقوطٍ أو انحدارٍ بظهور الهند والصين وروسيا أيضا. ولكنّ المفاجأة جاءت من السرعة التي أوشك بها الاقتصاد الأمريكيّ على الإفلاس. سيكون لهذا الحدث عواقب في مجال الأفكار خاصّة، إذ أنّ النموذج الأمريكي سيبدو مستقبلاً أقلّ جاذبيّة، ولن يعدم منتقدوه أسلحة لتوجيهها إليه، ولن يفوتهم التساؤل المشروع التالي: ماذا تكون أمريكا، بالنسبة إلينا، حتّى تلقي علينا دروسا عن أقوم المسالك لتنظيم اقتصاديّاتنا؟ –وما هي الحلول البديلة؟ من حسن حظّ الولايات المتّحدة أنّ النماذج الأخرى لا تحجب الرغبة في النموذج الأمريكيّ. النموذج الأكثر نجاحا يبدو النموذج الصينيّ: نظام استبداديّ وتحديثيّ في آن، يزدهر باستمرار رغم مشاكله، إلى الحدّ الذي يجعله يتحمّل آثار الأزمة الحاليّة. على أنّ بكين لم تعمل على تقعيد نموذجها في صيغة أفكار ومبادئ كما صنعت الولايات المتّحدة. أمّا بالنسبة إلى الروس، فلا يعكسون، البتّة، نموذجا ذا بال، باستثناء ما يبدو عليهم من تعبير عن النخوة القوميّة. أمّا الإسلام فله اليوتوبيا الخاصّة به، ولكنّها لا تجتذب الجماهير خارج العالم الإسلاميّ. وفي الأخير، هناك نماذج شعبويّة، مثل نموذج رئيس فينيزويلاّ هيغو شافيز، لا تمثّل اتّجاها واضحا دوليّا. لقد تقارب بوتين وشافيز، ولكنْ ليس من قاسم مشترك بينهما عدا البترول وكره أمريكا. من مصلحة العالم أنْ لا يوجد نظام قويّ ينافس الديمقراطيّة اللّيبراليّة، ولكن من المصلحة وجود نماذج صغرى ومتعدّدة. –في الشأن الاقتصاديّ، هل صمد المثال الريغانيّ ( نسبة إلى رونالد ريغان )؟ إنّ الاختلالات البنكيّة المفرطة وانتشار أفكار تحرير السوق نحو بلدان العالم الثالث قد وُجدت، أيضا، تحت حكم كلينتون. لا أحد فوق النقد. طبعا، قبل رونالد ريغان كان ثمّة معنى للمسؤوليّة والحرص على تجنّب تراكم العجز في الموازين. لقد تعمّق المشكل لأنّ ثقافة اقتصاديّة عنوانها التسيّبُ صارت مكفولة من المؤسّسات نفسها فقادت إلى تراكم ضخم للديون في كلّ مستويات المجتمع… –وماذا عن الديمقراطيّة؟ لقد قرّرت التصويت لباراك أوباما لأنّه من العسير أنْ تجد حكومة أكثر فشلا في الالتزام بواجباتها الوطنيّة والدوليّة من حكومة جورج ولكر بوش. لقد وصلت الديمقراطيّة إلى وضعيّة مريبة منذ أنْ اتّخذها بوش ذريعة للحرب في العراق. إنّ كلمة ” الديمقراطيّة ” صارت تُعتبر، في الشرق الأوسط، كلمة مشفّرة ورمزا للنفاق والمصالح الأجنبيّة وتمدّد المجال الأمريكي. إنّ تنمية الديمقراطيّة ينبغي أن تمرّ عبر وصلها، من جديد، بشرعيّتها الكونيّة. ينبغي أنْ تقع البرهنة على أنّ الديمقراطيّة ليست مجرّد أداة للسياسة الخارجيّة الأمريكيّة، بل هي مطمحٌ جيّد في حدّ ذاته يحتاج إليه العالم جميعا. للوصول إلى الإقناع بذلك، على الولايات المتّحدة أن تدفع غرامة لائقة: إغلاق غوانتنامو، والكفّ عن سياسة تعذيب المشتبه بهم، والانسحاب بأسرع ما يكون من العراق، إحلال عقيدة جديدة تفصل الديمقراطيّة عن التدخّل العسكريّ. –هل تعترفون، الآن، بخطإ المحافظين الجدد؟ أجلْ. ويمكن تفسير خطئهم كما يلي: في برلين، قال رونالد ريغان لغورباتشوف: ” السيّد غورباتشوف. أزيلوا هذا الجدار.” وأزال غورباتشوف الجدار. لقد انهارت ” إمبراطوريّة الشرّ ” انهيارا ذاتيّا ودون إراقة قطرة من الدماء. واندمجت بلدانها، بلا صعوبة، في صلب العالم الغربيّ. على أنّ الظروف التي تمّ فيها هذا الحدث كانت طارئة وليس لها أيّ فرصة في أنْ تتكرّر في المستقبل، وتحديدا في جزء من العالم أكثر اختلافا على المستوى الثقافيّ، وهو الشرق الأوسط. الدرس ” الخاطئ ” الذي استخلصه المحافظون الجدد من إدارة بوش هو أنّه يكفي أنْ تكون صلبا مثل ريغان أو تشرشل حتّى ينهار العدوّ انهيارا ذاتيّا بتأثير المعارضة الداخليّة وتناقضاته في آن ! –ما هي علاقتك بحركة المحافظين الجدد؟ بعضهم لم يعدْ يوجّه لي الكلام البتّة. وباعتبار الصيغة التي تطوّرت، من خلالها، هذه المجموعة فلم يكن لي، معهم، قاسمٌ مشترك هامّ. أكثرهم لم يستخلص أيّ عبرة ممّا نعيشه في العراق. بل هم يرغبون في إشعال حرب ثالثة ضدّ إيران، الأمر الذي يبدو لي غير محتمل الحدوث. والغالبيّة منهم يبدون، فقط، مجرّد مدافعين عن القوّة الضاربة للولايات المتّحدة. هل يمكن أنْ يكون لأمريكا دور جديد في مساعدة العالم الثالث؟ لكيْ نكون منصفين تجاه بوش، ينبغي أن نقول إنّ المساعدات الدوليّة الأمريكيّة، بعد أن تراجعت في الخمس وعشرين سنة السابقة له، قد عادت لتتضاعف تحت إدارته، وبالتحديد في مقاومة مرض الأيدز. لقد فشلنا في موضع آخر. فشلنا حين بدونا عاجزين عن ربط التنمية بالأمن وخاصّة في أفغانستان، حيث كان من اللّازم أنْ تقترن الحرب ضدّ الطالبان بجهد حقيقيّ لإعادة البناء الاقتصاديّ للبلد وبناه التحتيّة. ثمّة أفكار بهذا الاتّجاه في واشنطن، غير أنّنا لم نحشد لا الأموال ولا العدد الضروريّ لهذا المشروع. –هل تعتقد بإمكانيّة عودة التأثير الأمريكيّ في المؤسّسات الدوليّة؟ أنا أثق في قدرة أمريكا على إعادة تجديد نفسها. لقد ضيّعت حكومة بوش الفرصة لتنمية موجة جديدة من المؤسّسات كان يمكن أنْ تصرّف المشكلات الناجمة في الدول ” الهشّة ” والأزمات الماليّة الدوليّة والمحيط والانحباس الحراريّ. إنّ مجموعة الثمانية الكبار ليست مؤهّلة لكيْ تمارس، فيها، دول كالصين أو البرازيل دورا تتزايد أهمّيته. ولكنّ الولايات المتّحدة ورغم أنّها كانت وراء تأسيس منظّمة الأمم المتّحدة ومؤسّسات بريتون وودس، لم تمارس زعامة في هذا النوع من الإصلاحات، وأهملت استثمار رأسمالها السياسيّ. لا أشكّ في رغبة أوباما للتصرّف بطريقة أقلّ ميلا إلى الأحاديّة، غير أنّ هامش تحرّكه سيكون ضيّقا بفعل خسارة النموذج الأمريكيّ لمصداقيّته. –هل سيشكّل انتخاب أوباما تغييرا داخليّا عميقا حسب رأيكم؟ ستكون قبل كلّ شيء ساعة كشف الحساب. لقد قرّرت التصويت لباراك أوباما لأنّه من الصعب أن تجد حكومة أكثر فشلا في التزاماتها الوطنيّة والدوليّة من حكومة جورج بوش. إنّ انتخاب رئيس جمهوريّ يمثّل إنكارا للإنصاف. وفي انتخاب أوباما لا يكون هنالك رئيس ديمقراطيّ فحسب، ولكن أيضا يوجد كونغرس يتمتّع بأغلبيّة كافية لتجنّب كلّ عراقيل من المعارضة. –ماذا تنتظرون من أوباما في هذه الظروف؟ أنتظر منه أنْ يغيّر من الطريقة التي نعالج بها المشكلات. لقد كان عهد ريغان موسوما بالارتياب تجاه الدولة وحتّى بغضها. وبالنتيجة، مضى عهد طويل لم تعد فيه الوظيفة العموميّة السامية تجتذب العناصر ذات الكفاءة. نحن نشكو نقص المواهب والكفاءات في كلّ مستويات الحكومة. لقد قطع أوباما عهدا على نفسه، كما فعل كينيدي، بأنْ يحقّق عودة كبرى للقطاع العامّ. تلك أولويّة. بعد ذلك، ينبغي على أوباما أن يتجنّب إصلاح أخطاء العقود الثلاثة الماضية باعتماد إجراءات وتراتيب حمائيّة مفرطة. –إلى أيّ حدّ يؤشّر انتخاب أوباما على عهد جديد؟ ما مرّ بلا انتباه خاصّ طوال الحملة الانتخابيّة الأخيرة هو أنّ أوباما لا يمثّل خصوصيّة أو شذوذا. ففي هذه البلاد، طبقة وسطى من السود تعلّموا تعليما عاليا وشغلوا المواقع المتقدّمة في الشركات والمنشآت. في العمق، يمثّل باراك أوباما حراكا عامّا بيّنا يمور به مجتمعنا. –هل أنت واثق من عودة قويّة للولايات المتّحدة؟ عندما كتبت ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” كان العالم يبدو مقبلا باتّجاه النموذج الديمقراطيّ. يمكن أنْ يتراجع هذا الإقبال هنا أو هناك، غير أنّ الديمقراطيّة تبقى الفكرة الوحيدة التي تأبى التوقّف. ولي الثقة في قدرة أمريكا على إعادة تجدّدها. أذكّركم بأنّنا ننتخب رئيسا أسود، وهذا الأمر سيكون له آثار عميقة في الكيفيّة التي ندرك، من خلالها، الحياة العامّة والمجتمع. ( 1 ) – Philippe Coste, www.lexpress.fr 03/11/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق