تحت الشمس

“كنتُ أدهنُ وجهي بواقٍ شمسيّ، حين

لامَسَتْني نعمةُ الشمس، فترَكْتُ

نفسي لها”
 

تُحيلُني برْكةُ الماءِ هذه، بادّعائها للأمواج، إلى شاطئٍ يَخْتَلِقُه الحلمُ بجدارة..

هناكَ الرّملُ، يقضي سني عمره يلتحفُ الرّملَ، لكنّ أقدامَ مجانينَ كثر، لا بدّ لها من غوصٍ في ذرّاته، يُغنيها عن مستحضرات الوقاية من الأشعة فوق البنفسجيّة، ويَهَبُها نعمةَ الاحتراقِ، وبصمةَ البحر.

بركةُ السباحة لا تُنجِبُ سوى الموادَ المُعَقِّمة، وما يفعله الصِّغارُ بإغراءٍ من الماءِ المُدغْدِغ لخصورهم، ومزيداً من جراثيمَ مُحبَّبة، قد يكون بعضها سبّّبه حبٌّ ما، مارسَهُ أحد العشّاقِ -تحتَ الماءِ- إمّا منفرداً، وإمّا مُستَحْضِراً جسَدَ الحبيبة.

بركةُ السباحة لا تُنْجِبُ الموج.. وهي إنْ فعلَتْ، فستكونُ الأمواجُ مُختلَقة، وليست إلاّ من فصيلةِ أطفالِ الأنابيب.

***

في المرآةِ، وتحت الشمسِ تحديداً، وقعْتُ على أثرٍ من غابرِ الدهور، عمره من عمري الذي ناهزَ الرّيح..

هو وجهي الذي أَنْسَتْني بعضُ البثورِ جمالَه..

يدهشني وجهي تحتَ الشمس، ويدهشني هذا الحضورُ الآسرُ لأشعةٍ تخترقُ الرأسَ، لكنّا نأبى أنْ نُفَرِّطَ بواحدةٍ من لحظاتها الذهبيّة.

***

تحتَ الشمسِ، رأيتُ مسامَ وجهي نظيفةً من غبارٍ ملوَّن، أتزيّن به عند كلِّ إشراقة، حملاً على تزيّن وجوه التنور بطحين الخبز.. واختفت من جسدي شحومٌ كنتُ أُحسّها تشوّه الأرداف.. بدوتُ نضرة، رشيقة.. وتبخّرت عقدةُ خجلي المزمن، أمام احتمال أنْ ينكشفَ شيءٌ من جسدي.. كنتُ تحتَ الشمسِ قادرة على التعرّي الكامل، وأنا مطمئنة أنّ الله يحيط بكياني مبتسماً.

وكتبتُ في دفترِ خيالي الذي لوَّحَتْه الشمسُ بما يكفي:

تُرى، لماذا نبدو تحت الشمسِ بيضاً، رغم أنّها تلوّحنا بحُمرةٍ تشبه وجه هذا الزمن.. لماذا –الشمسُ- تصهرنا جميعاً، لِتُبطِلَ الفعلَ الفرديّ، وتُحيلَ الإنسانيةَ قطعةَ حلوى، تمضغها وهي تبتسمُ برضى الأمّ على ابنها الذي عادَ من قرار السفر..

لماذا تحت الشمسِ تذوبُ عُقَدُنا، فيما تبقى الروحُ محلِّقةً بأجنحةٍ من نار.. ولماذا نغدو حقيقيين للنخاعِ، كأننا لم نعرف الخطأ يوماً.. تحت الشمس..

ولماذا الشمسُ في الشتاءِ، والشمسُ في الصيف هي رحمةُ الوجود؟

***

لم تزِدْ دقائقُ استسلامي للأمواجِ المُخْتَلَقة عن العشر، فخرجتُ متشوّقة لأواصلَ استحمامي بماءِ الشمس القدسي.. لكنّ منطقَ الشمسِ لا يكتمل دون الغياب.. عدتُ بعدها إلى غرفتي.

***

بضعُ قطعٍ من الثلجِ لا تضير، إنْ وضِعَتْ بموضوعيةٍ فوق المساحات الحُمْر، مع كوبٍ من عصيرِ البرتقال الصناعيّ، وثيابٍ موغلة في القطنية، وبريدٍ إلكترونيّ وارد، تُخبرني إحدى رسائله بأنّه فيما كان الحلمُ عند الشاطئ، طمَرَ أحدُ أولئك المجانين أقدامَه في الرّملِ ونام.. ولم يصحُ إلا والدخان يخرج من أنفِ قصيدته المُحْتَمَلة، فعاودَ النوم، بانتظارِ أنْ ينبعثَ من الرماد، وإذا به قد كتبَ قصيدته الرملية، تحت الشمس.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق