عن كتاب “الملكية الإسلامية”

 

امتازت السلطة الملكية وعبر تاريخها الطويل بارتباط لا ينفصم مع المقدّس بمختلف أشكاله وعمدت إلى تكريس هذا الارتباط وتعميمه حتى صار تجربة يمكن تناقلها عبر الزمان والمكان دون اعتبارات تذكر لاختلاف الجغرافية والتاريخ ويصبح التلاؤم والتكيف مع الأوضاع الجديدة هو أبجديتها الثابتة.
وكتاب الدكتور عزيز العظمة الصادر حديثاً عن شركة قدمس للنشر والتوزيع في بيروت يدرس وبكثير من الدقة والجهد تعبيرات السلطة الملكية وتمثيلاتها بالارتباط مع المقدّس الذي تستمد منه شرعيتها وخلودها تجاه معارضيها.
تعبيرات التراث الملكي المقدّس انتظمت في فئتين: فئة خطابية وتشتمل على الكتابات اللاهوتية والقانونية والأخلاقية والأدبية التي عمّمت هذه العلاقة وقنّنتها ورفعتها إلى مستوى المقدّس. وفئة التمثيلات البصرية من طقوس وشعائر وتصوير أيقوني التي آزرت التعبير الخطابيّ وساندته.
وأمام حجم مادة البحث التاريخية الكبيرة، اختار د.العظمة تاريخ أنظمة الحكم الإسلامية وخاصّة الفترة العباسية مع تطرّقه إلى أنظمة الحكم المطلق في دوائر جغرافية أبعد كما لدى البوذية مثلاً ليؤكّد على وحدة المصادر والادّعاءات لدى مختلف تعبيرات السّلطة المطلقة والتي تتحوّل وتتغيّر على نحو طفيف تبعاً لمعطيات التاريخ والجغرافية الخاصّة بكلّ منطقة. فالسّلطة الملكية المسكونة بهاجس التوسّع وطموح الاستيلاء تنتج ذات التعابير الخطابية القولية وغير القولية (شعارات ورموز)، الأمر الذي ينفي عنها وعلى نحو مباشر وسريع تلفيقها لفرادة واستثنائية تتمتع بها وتميّزها عن غيرها من أشكال السّلطة والحكم في المناطق الأخرى. فمن المتعارف عليه أنّ أيّ سلطة مطلقة تعزّز نفسها وسطوتها من خلال حبكها لأسطورة فرادتها وتميّزها، فالتاريخ يبدأ من عندها وأحداثه تسير على هديها وإرشادها وكلّ ما يخالف هذا الترتيب الخاصّ لتاريخها الملفّق لا يعدو أن يكون خروجاً عنها يستوجب المحاسبة والعقاب.
وتوسّل الامتياز هذا إنما يعبّر عن موقع صداميّ مع العالم وعن علاقة مختلّة مع الذات، فبناء تاريخ خاصّ وفريد خارج كلّ التواريخ الشائعة يتطابق مع ما تظهر به السلطة “كأستطيقا هلوسية للأنانة Solipsism “، وهي تعارض منطق الدراسات التاريخية الذي يرى إلى الواقع الاجتماعي والحادث التاريخي في إطاره المعاش والدنيويّ بما هو قابل للفهم من ناحية مصادره وصلاته الأرضية وتوجّهاته العامّة نافية بقوّة المنطق والمعقولية التاريخية ذاتها أيّ صلات متوهّمة وملفّقة مع عوالم ما ورائية تهب لأصحاب الملكية حقوقاً حصرية للهيمنة والتسيّد. ولذلك ستكون صور المجاز التي تتّخذها السلطة الملكية لنفسها لتعبّر عن حالها كسلطة مقدّسة هي لبّ طروحات الكتاب ومنهجه الذي يحدّده المؤلف بأنه “لا ينتمي إلى النماذج النشوئية ولا إلى النماذج العضوية ولكنها مقاربة مسحية أو استطلاعية أكثر مما هي تكاملية، وهدفها إيحائيّ أكثر مما هو شموليّ. إنها تشير إلى التماثلات والنظائر والاطّرادات التي تفهم ليس كنتائج لأصول باقية ومستمرّة، بل تنقيحات متجدّدة دوماً وأنواعاً من التراثات التي تغيّر إمضاءها وأنسابها المزعومة عن تنقل من معنى تاريخي للاستمرارية إلى آخر”
توافرت أنظمة الحكم الإسلامية على مادة جاهزة ومنجزة بخصوص تعبيرات السلطة المقدّسة وإفصاحها عن نفسها وذلك من خلال التقاليد الشرقية والرومانية والزردشتية التي سادت قبلها وكانت مادّة متكاملة قابلة للانتقال والتحوّل إلى منطقة ودين جديدين، وهو ما حدث فعلاً وبالتالي ليس من الدقّة والصواب التاريخيّ الزعم أنّ هذه الأنظمة “تشكّلت وفقاً للنماذج الإرشادية القرآنية للحكم” ولكنّ الطابع التأويليّ للنصوص الدينية يجعلها قابلة لإنتاج وإعادة إنتاج تفسيرات مختلفة بما يتوافق مع شروط وظروف تاريخية معينة.
ظهرت الكتابة السياسية العربية كخليط ومزيج من الإرث الفارسيّ المطعّم بمفاهيم يونانية مضافاً إليه مقتطفات من النصوص الإسلامية المقدّسة التي أعطته النكهة العربية المرجوّة. واتخذت هذه الكتابة السياسية شكل أدب حكمة ونصائح في طريقة التعامل مع الملوك والحكام والسلاطين وواجب احترامهم وطاعتهم، على شكل مواعظ أخلاقية وتقويمية للسلوك الشخصيّ للرعية كالابتعاد عن الظلم واتّباع الهوى وسوْس الرعية بالعدل لدى الملوك أنفسهم وطبعاً كل ذلك بطريقة مهذّبة تراعي وتتناسب مع مقام الذي تُوجّه إليه. وكانت أعمال عبد الحميد وابن المقفع وكتاب “التاج” للجاحظ من أبرز الأعمال الكتابية في هذا الميدان. ويلاحظ على الكتابة السياسية العربية تلك غلبة الطابع الأدبيّ على صورة نوادر وأحداث تروى على شكل حكايات يغيب عنها صوت المؤلف تماماً، كما يلاحظ غياب أيّ إشارة أو مناقشة للواقع التاريخيّ المعاش والمفاهيم الاجتماعية والدينية السائدة طبعاً باستثناء أعمال ابن رشد وابن خلدون، و”إجمالاً إنّ منهاج تأليف هذه الأعمال ينطلق من الجنس الأدبيّ، بتنظيمه التجميعيّ التراكميّ ومخزون موضوعاته، وتصوره للسلطة والعدالة وفهمه للتراتبية الهرمية التي يقف على قمتها الملك أو الخليفة وأهدافه الحرفية للمهارة السياسية التي كان المقصود بها أن تكون قابلة لاستخلاص العبر التي ترويها”. وسينتج عن ذلك ترسيخ مكانة الفقهاء والعلماء ويصبح هذا التطوّر هو الحدث الأبرز وغير المعهود فـ”السياق الإجماليّ الذي حدث فيه هذا التطوّر وترسخ إنما كان بروز العلماء جماعة متّحدة، مع التبلور المؤسساتيّ الأوّليّ لمذاهب الفقه الإسلاميّ في القرن العاشر، بما في ذلك بدايات الفقه الحنبليّ والإماميّ الشّيعيّ على وجه الخصوص”.
من هذا الاتفاق بين المؤسّسة الدينية والسلطوية سيتمّ تكريس ضرورة الاستبداد وحتميته لقيام مجتمع بشريّ متوازن يحكمه حاكم عادل على رأس سلطة منتشرة في جميع أنحاء المجتمع، يستمدّ صفاته ووجوده من مصادر إلهية تعينه على أن يسوس رعيته سياسة رشيدة، باعتبار أنّ طبيعة الإنسان البشرية، وهو ما جرى التنظير له بشدّة فلسفياً وعقائدياً، بحاجة ماسّة إلى من يقودها ويصل بها إلى الصلاح في الحياة الدنيا والآخرة ومن أجدر بذلك من الحاكم، الخليفة، الملك، السلطان والذي هو/هم (ظل الله على الأرض).
ستتعزّز بطبيعة الحال وخلال القرون التالية بالنسبة لكثير من الدول الإسلامية، المصادر الإلهية للسلطة الدنيوية ممثلة بشخص الحاكم وتتحوّل إلى طرائق جديدة / قديمة تحت مسمّيات وذرائع مختلفة، ولن تكون كلمات مثل القانون أو الدستور أو الحقّ العامّ أو الدولة، والتي جاءت بعد صراعات وثورات وانقلابات دموية دفعت الشعوب ثمنها غالياً، سوى تنويعات شكلية بعد أن استُؤصل معناها وجُرّد من قدرته على التغيير. ولن تكون تلك نهاية التاريخ، فبحسب فوكو كلّما اشتدت سطوة السلطة وقدرتها على التحكم والسيطرة على المجتمع، برزت نقاط التغيير على السطح واكتسبت قدرة على الحياة. إنها جدلية تبني صيرورتها من طبيعة الحياة البشرية نافية الصورة الخلاصية والهناءة المأمولة المكرّسة لصالح جهة واحدة أرادتها استثماراً حصرياً خاصاً بها.

الملكية الإسلامية
تأليف: عزيز العظمة
ترجمة: عدنان حسن
الطبعة الأولى: 2008
إصدار شركة قدمس للنشر والتوزيع – بيروت – لبنان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This