ورقات من سيرة رجل أسود:”طوسان لوفرتور” من العبودية إلى قيادة دولة

للشعوب الزنجية شأنها في ذلك شأن الشعوب كلّها في أرجاء الأرض، أساطيرها وأبطالها..وإن كان لهذه الشعوب أن تفخر بأبطال من العصر الحديث فالقائمة تطول، وفي مجالات متعدّدة متباينة.. أمّا إذا اكتفينا بالمجال السياسيّ فهناك باراك أوباما قطعا، لكنّه لا يعدو في تقديري وتقدير الكثيرين أن يكون الشجرة التي قد تحجب الغابة… إنّ انتصار باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأمريكية حدث تاريخيّ بما للصفة من أبعاد وأعماق، لكنّ هذا الانتصار الذي تحقّق إنصافا لأجيال من المناضلين من السود أو ممّن ناضلوا مع السود، لا ينبغي أن يحجب طبقات وأجيالا من المناضلين ما كانوا حتى ليحلموا بمجرّد الترشّح فضلا عن الانتصار…

شخصٌ واحد في تاريخ القارّة الجديدة قد نال، ولو لفترة قليلة، حظوة ترؤّس بلد حرّ، شخص واحد لكنّه لم يكن ليصل لولا أنّه أسود، ولولا أنّه يحمل شعار الزنوجة، ولولا أن استفزّته عنصرية البيض وإصرارهم على استعباد البشر، فردّ الصاع صاعين… رفضا وتمرّدا وصراعا، ثم انتصارا فتأسيسا لأوّل دولة في العالم ينصّ دستورها لفظا على أنّ كلمة “أسود” تعني “الإنسان”، وينص دستورها على الانفتاح على بعض البيض (من باب الرحمة والاعتراف للجميل)، فلا يمنح الجنسية إلا للسود جميعا، وبعض البيض وتحديدا النساء اللائي حملن من سود، وبعض البيض من حاملي جنسيتين أوروبيتين تحديدا هما الألمانية والبولونية لما برهنوا عليه من ولاء وما قاسوه من عناء في مسيرة هذا البلد نحو التحرير… الدولة هي جزيرة في البحر الكارييبي، كان اسمها سانت دومنغو وصار اسمها هايتي…والرجل الأسود الذي كان له شرف رئاسة أوّل دولة ديمقراطية على النمط الغربيّ، وإعلان دستور هو “طوسان لوفرتور”Toussain louverture….

قال عنه الأديب الزنجي المناضل إيمي سيزار: “معه نهضت الزنوجة على قدميها لأوّل مرّة وأعلنت أنها تؤمن بإنسانيتها”. تؤكّد عديد المصادر أنّ جدّ “طوسان” كان ملكا على شعبٍ في بلدٍ إفريقيٍّ هو الداهومي (البينين حاليا).. وهذا الشعب هو شعب الآراداس (Aradas) الذي كال له القدر ضرباته بملاقاة الرجل الأبيض…سقط آلاف منه في الأسر ليعرفوا تلك الرحلة الجهنمية نحو العالم الجديد، نحو العبودية.. كان المستقرّ النهائيّ لأغلبهم جزيرة تقع في البحر الكارييبي وكانت تحمل اسم قدّيس أبيض (بطبيعة الحال)، هو القديس دومنغ Domingue Saint… ولم يستثن صيّادو البشر أيّا من أبناء الشعب الزنجيّ سيّء الحظّ، وكان من مأسوريهم فتًى هو ابنُ ملك الآراداس، سيكون والد صاحبنا طوسان.

لا يوجد إجماع حول الشطر الأول والأكبر من حياة (طوسان لوفرتور)، خاصة أنّ مناصريه والمتعاطفين معه نسجوا حوله ما يتناقض تماما في بعض الأحيان – مع ما يقوله أعداؤه ومناهضوه… الشطر الأوّل من حياة هذا الرجل يمكن أن نحدّد منه ما التقى عليه الطرفان… المغالون في تقديسه والمتطرّفون في كرهه – وهي عناصر قليلة أوّلها أنّه كان دميم الخلقةِ دمامةً تعلن عن نفسها، رغم حرصه وحرص محبيه بعدئذ على رسم صور ونحت تماثيل تضفي على شكله قبولا ما، خاصة وهو يرتدي الزيّ الرسمي للحكّام… وثانيها أنه ولد عبدا ولم يصر حرّا إلا في عمر متأخّر نسبيا قياسا إلى مجمل حياته، وثالثها أنّه بعدما صار حرّا توسّعت أعماله فأصبح من مالكي الأراضي والعبيد. ورابعها أنه كان ذا ذكاء حادّ وقدرة على المناورة، وذا كاريزما مكّنته من توحيد عبيد الجزيرة، بل حتى أغلب أحرارها في جبهة ناهضت أعتى الإمبراطوريات في ذلك العصر..اسبانيا..وبريطانيا العظمى..ثم فرنسا. هذه النقاط الأربع حولها ما يشبه الإجماع، لكن حياة طوسان لوفرتور كما تَمثُلُ في الضمير الجمعيّ الهاييتيّ هي أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ… طفل نبيل المحتد، ينتمي إلى سلالة من الملوك الأفارقة في المنطقة المعروفة اليوم باسم البينين (الداهومي سابقا)، يولد وينشأ في وضع عبودية لدى سيّد أروبيّ يملك مزارع للبنّ والسكّر.. ولا توضّح المصادر لماذا خصّه سيّده بمنزلة مميّزة، هل كان ذلك لاعتبارات إنسانية (نحن في عصر الأنوار وقد اندلعت بعد تلك الشرارة التي ستؤدي إلى الاستقلال الأمريكي 1776 ثم الثورة الفرنسية 1789) أم لاعتبارات دينية، أم لاعتبارات نفسية باعتبار علم المالك بالأصول الملكية النبيلة لهذا العبد ذي الوجه الدميم؟؟ والرواية السائدة (تدعمها بعض الوثائق) تقول إن والده ذلك الأمير المنتزع بالعنف والحيلة من مملكة والده، كان هو الآخر قد حظي بمعاملة خاصّة، وأجري عليه نظام يمكن نعته بشبه العبودية أو الحرية النسبية، وربما كان ذلك لأنّ العبيد في جزيرة سانت دومنغو كانوا في أغلبهم من شعب (الآراداس) أي من رعايا أبيه سابقا.. وتكتفي الروايات بذلك دون أن تبيّن هل كان ذلك مقابل خدمات قدّمها “الأمير” العبد إلى سادته البيض كي يتحكّموا أكثر في هذه الثروة البشرية الثمينة التي حوّلت مزارع البن والسكر إلى ثروة لامتناهية؟ لا كلمة عن الموضوع وإن هو إلا استنتاج قادنا إليه التفكير الموضوعي…

على درب الأب سار الابن، حفيد ملك الآراداس.. فكان عمله يقتصر على قيادة عربة سيّده.. كان هو الحوذيّ الخاص.. ثم وفي سنة 1776 حظي بالحرية عندما أعتقه سيده.. كان له من العمر وقتها ثلاثة وثلاثون عاما.. أي إنّه سيعيش في وضع الحرية أقلّ ممّا عاش في وضع العبودية… اكترى العبد المحرَّرُ مزرعة وكان له عمّال هم ثلاثة عشر عبدا…وما هي إلا سنوات قليلة حتى اندلعت ثورة العبيد في سانت دومينغو.. كان طوسان لوفرتور قد طوى كلّ المراحل التي كان بوسع عبد محرّر أن يطويها.. واستحقّ ذاك التوصيف الذي كان يضعه السادة البيض والذي لا يخلو من عنصرية، صار طوسان بعبارتهم “زنجيا ذا مواهب”. ورغم ذلك فإنه أسهم بنشاط ملحوظ في حركة تحرير العبيد، بل كان ضمن ستّة أشخاص وقّعوا أوّل رسالة رسمية للثوّار سنة 1792 وجوابا عليها تحقّق مطلبهم: إلغاء العبودية في سانت دومينغو وكان ذلك في أوت 1793. والسؤال ما إذا كان طوسان لوفرتور قد ألقى بنفسه في هذه الحركة انطلاقا من مبادئ يؤمن بها، مضحيا بممتلكاته وخاصة من العبيد، أو كان ذلك حركة استباقية نتيجة فهم هذا التحرّك والرغبة في استثماره، أو حتى من منطلق الخوف على حياته؟ يبقى سؤالا تصعب الإجابة عليه.

كانت الجزيرة حينها مستعمرة فرنسية في جزئها الذي يدعى الآن هايتي، وإسبانية في الجزء المسمّى الآن جمهورية الدومينيكان. وفي الجزء الفرنسي وُلد طوسان ونشأ عبدا، وفيه أيضا صار حرّا مالكا لمزرعة وعبيد، ويؤكّد البعض أنه كان أمّيا تماما ساعة تحرّره، وتعلّم القراءة والكتابة سبيلا إلى الترقّي الاجتماعي، على أنّ نسبة تملّكه للغة الفرنسية لا تقوّي هذا الزعم، لكنّ كونه متعلّما عندما وصلت الجزيرة النائية أصداء الثورة الفرنسية التي أعدمت الملك وأعلنت الجمهورية ونادت بأن الناس يولدون أحرارا متساوين، فألغت الرقّ وساوت بين الناس باعتبارهم مواطنين، لا شكّ أنّه ألهب خيال أولئك الزنوج عبيدا وأحرارا، ولم يفهموا لماذا لا يتحرر العبيد في الأراضي ذات التابعية الفرنسية، ولماذا لا يصبح الأحرار منهم مواطنين ينعمون بالمساواة.

يجيب أحدهم في نبرة لا تخلو من استهزاء، بأنه رغم جمعية أصدقاء السود التي كانت نشطة في فرنسا، ورغم مساعي روبسبيير، والقسّ غريغوار، وبريسّو دو مارفيل، فإنّ الأغلبية اختارت “أن يواصل الفرنسيون شرب قهوتهم بالسكّر” فلا مجال للتفريط في أغنى مستعمرات فرنسا وأهم مصدر للبنّ في العالم.

في آخر حديث صحفيّ الراحل الكبير إدوارد سعيد، ولم ينشر إلا بعد وفاته في كتاب بعنوان “نظرات إلى فرنسا”، أصدره بالفرنسية الكاتبان اللبنانيان – الفرنسيان كريم إميل بيطار وروبير فاضل، ولم ينشر في أي صحيفة أو مجلة، يقول إدوارد في معرض ثنائه على الثقافة الفرنسية” إنه من المذهل أنّ فرنسا قادرة في كلّ مرّة أن تواجه ما يظهر فيها من نزعات عنصرية وانغلاق وكره للأجانب، بفضل تيار من التسامح العظيم وخطاب ينافح عن الحرّية والعدالة” ويقول إنّ ذلك أسهم في خلق إنسان مثل طوسان لوفرتور، ويضيف”إن هذا الرجل هو بكيفية أو أخرى نتاج الثقافة الفرنسية..قرأ إعلان حقوق الإنسان والمواطن رغم ثقل العبودية ويديه المكبّلتين وقرأ أعمال ميرابو وتأثّر بعصر الأنوار…فانتفض الإنسان داخله فكسر أصفاده ليحارب العبودية في هاييتي..”، وطبعا فإنّ ادوارد لا يعلم أن صاحبنا لم يكن مصفّدا بالأغلال ولا حتّى عبدا، لكنّ إشارته مهمّة إلى أثر الثقافة الفرنسية في ثورة العبيد بهاييتي، وقائدها الذي أطلق عليه لقب “سبارتكوس الأسود”.

ومهما يكن من أمر، فإنّ إلغاء الرقّ في سانتو دومينغو سنة 1793 حقيقة تاريخية، وإسهام طوسان لوفرتور أمر موثّق، في الرسالة التي وقعها مع خمسة من قادة الثورة، وتقر به الوثائق التي أبقاها الزمن.. ومن هذه الثورة تصبح حياة طوسان وانجازاته تحت أضواء التاريخ.. بالوثائق المختلفة، رسائل ومحاضر جلسات، وقرارات تحمل التوقيع، واللوحات الفنية والتماثيل التي تجسده. كان تحرير العبيد نتيجة هامّة لكنها نتيجة غير نهائية، وقابلة للنقض في ظلّ التوازنات الإقليمية الصعبة، وكان على الأحرار الجدد وحلفائهم من الذين تحرّروا قبلهم (مثل طوسان)، أو من البيض الذين دعموهم وساندوا ثورتهم، كان عليهم أن يكونوا متيقّظين لمناورات أعداء الثورة، وكذلك للمطامح الاستعمارية للبريطانيين والأسبان. وسجّل التاريخ انتصارات للثوّار على الحملات البحرية الإسبانية ثمّ الفرنسية والبريطانية. تولّى طوسان قيادة مجموعة مسلّحة من الثوّار (وضمنهم عدد من البيض الألمان والبولونيين)، وأقام تحالفا مع الأسبان لمقاومة الأسطول البريطاني، لكنه سرعان ما أعلن ولاءه لفرنسا.. كان ذلك في شهر ماي 1794 أي شهورا قليلة بعد إلغاء الرقّ عملا بدستور4 فيفري 1794… ويؤكّد المؤرّخون أنّ هذا الإلغاء لم يكن ليتمّ لولا قوّة الثورة في سانت دومنغو، ورغبة قادة فرنسا في طيّ هذا الملفّ للتفرّغ إلى مواجهة الأنجليز وفلول الملكية في فرنسا. وفي 23 جويلية 1795 أصبح طوسان أوّل جنرال أسود اللون في الجيش الفرنسي، وفي خطوة جريئة أتم سيطرته على كامل الجزيرة.. وسلك مسار تأكيد سلطته بجملة من القوانين والمؤسسات توّجها بالدستور الذي أعلنه في 8 جويلية 1801، ويؤكد استقلال الجزيرة عن فرنسا..

كان طوسان قد بلغ حينها أوج قوّته وصار خلال عشر سنوات قائد دولة، أوّل رئيس أسود لدولة بالمعنى الغربي لكلمة دولة…وصارت سانت دومنغو ثاني دولة مستقلّة في القارّة الأمريكية. حينها توجه برسالة إلى نابليون بونابرت يعلمه فيها بإعلان الدستور، وينقل إليه ابتهاج سكّان الجزيرة بهذا الإجراء الذي سيُخرج البلد من الفوضى إلى النظام. كانت رسالته واضحة، فيها لهجة مؤدّبة لكنّها صارمة..وكان جواب الإمبراطور أن أرسل صهره لوكلرك ليعيد هيبة الإمبراطورية وسيطرتها على هؤلاء المنشقّين… كانت القوى متباينة، ولم تكن الانتصارات الصغيرة للدولة الصغيرة كافية لترجيح كفّتها.. وسقط الرئيس/ الثائر بين أيدي قوّات الإمبراطور التي أعادت الجزيرة إلى حظيرة الإمبراطورية، وأعادت نظام العبودية إليها في جويلية 1802 بعد عام واحد من الدستور، وبعد تسع سنوات ظلّت فيها البلد الوحيد في القارّة الأمريكية الذي ألغيت فيه العبودية.. ومات طوسان بعد أشهر قليلة في سجنه الفرنسي في أفريل 1803، لتبقى حياته نبراسا لكلّ الثوّار من الزنوج، ولكلّ من يتوق إلى أن تزول الحواجز والجدران اللامرئية بين البشر ليكونوا جميعا أحرارا لأنهم جميعا بشر، مهما كانت الألوان والأديان والبلدان…

أما هناك، في هايتي (سانت دومينيك) فإنّ جذوة الثورة لم تنطفئ بأسر طوسان ثمّ موته، فقد تولّى أحد مساعديه جان جاك ديالينس، وهو عبد سابق – مهمّة قيادة المقاومة وأعلن استقلال سان دومينيك تحت اسم (هايتي) وكان ذلك يوم غرة جانفي 1804. جاء دستور 20 ماي 1805 مستلهما من الدستور الذي صاغه طوسان قبل أربع سنوات، لكنّه على خلافه يعلن القطيعة نهائيا مع فرنسا. وبنصّ الدستور سيعتبر كلّ مواطن هايتي أسود، بمن في ذلك النساء البيضاوات المتزوّجات من رجال سود، وبما في ذلك أيضا الرجال البيض من أصول ألمانية الذين أسهموا في حركة التحرّر وفي مقاومة الفرنسيين. صار لفظ “أسود” في هايتي مرادفا للفظ “إنسان” في الدستور الأوّل للدولة الأولى التي قادها السود.. ومن حينها أضحى طوسان لوفرتور ذلك العبد السابق في مزرعة “بْريدا” ملهِما على الدوام في أدبيات حركات تحرير الزنوج باعتباره أوّل من أعاد إلى الإنسان الأسود، والى المستعبدين السود كرامتهم وفخرهم بلونهم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This