هل هي بداية التنفّذ الوهّابي؟

الخبر: أعلن الاتّحاد العربي للدرجات النارية الأسبوع الماضي أنه لن يسمح للمتسابقات التونسيات بالمشاركة في البطولة العربية الأولى، وقال شكيب البراهمي (تونسي ) رئيس الاتحاد العربي للدرّاجات النارية الذي يتخذ من تونس مقرّا له السبت 16 مايو في ندوة صحفية، “هذا القرار جاء تجنّبا منّا لإحراج بعض دول الخليج التي يمنع فيها على النساء قيادة السيارات”. المصدر جريدة المغاربية الالكترونية في 22 مايو 2009-

لست ممّن يهتمّون بالشأن الرياضي عموما إلا في ما قلّ و ندر، طالما أنه شكّل ويشكّل المجال الوحيد -تقريبا وببعض التفاؤل- الذي يهزّ “الجماهير ” العربية، وتفلت فيه ومعه من عقالها، مستشعرة نخوة الانتماء – أو نكسته- “للأمّة العربية”.

ويشكّل المجال الرياضي أيضا المجال الوحيد تقريبا – تفاؤلا مرّة أخرى ليس إلا- الذي يسمح فيه بتكريس حرية التعبير-عمدا ومع سابقية الإضمار والترصّد- من أولي الأمر علينا وفي ربوعنا الممتدّة من المحيط إلى الخليج. ففضاءات الملاعب والمقاهي والأماكن العامة والخاصّة والتلفزات والإذاعات والجرائد والمجلات والمواقع الالكترونية وغيرها، تستثنى من تقنية الصنصرة وجهاز الرقابة وآلية المحاسبة إلا ما خفي. بل أكثر من ذلك، وفي إطار إعطاء الإشعاع لمن يعدّونهم للخلافة في الأنظمة “الجمهورية” في ربوعنا، وفي بحث عن شرعية مفقودة، يتمّ منح رئاسة الأندية الأكثر “شعبية” لمشاريع الخلفاء “الجمهوريين” كخطوة نحو تثبيت تكرار الاسم، تجنّبا لوضعية معروفة في نكتة تونسية “يحيا هذاكا”، حيث اختلط الأمر على أحدهم ممن طلب منهم الهتاف باسم جديد، وهو الذي لم يتعوّد في وضعيات شبيهة إلا على ترديد اسم قديم بشكل آليّ، فنطق ما نطق معوّضا الاسم العلم باسم الإشارة إلى”ذاك”.

غير أنه، وفي إطار فكّ الرموز، لأنّ الرمزيّ هو القدرة على التجريد في اختزال للعقلانيّ وتلخيص له وتخليصه من غبار الملموس والمحسوس في تجلّياته المشوّهة والمشوّشة، لم أتمكّن من كبح رغبة “رعناء” في التعليق على هذا الخبر، دون أن ألعن كعادتي هذا الزمن الذي جمعني بمحض الصدفة الجغرافية، بهذه النوعية من التشوهات الفكرية والتشوّشات الذهنية. فالخبر له دلالات عديدة تتجاوز الآني في محدوديته وحدوده، لتكشف عن ترابط ما انفك يقوى وينتشر، بين تنامي التمويل السعودي وتأثيره على الأنفاس والنفوس التائقة للحرية والمساواة والديمقراطية والمواطنة… وفي كلمة الحداثة بكلّ ما تعنيه من عقلانية وما يستتبعها.

ظلت تونس لسنوات عديدة مثالا للاستدلال على شيئين متضادين، فهي رمز للانبتات والاغتراب والتشبّه بالغرب العدوّ، والزيغ عن “الهوية” المفترضة والمفروضة وما يحتمه ذلك من تمسّك بقيم ثقافية وحضارية، لا يستحضرها أصحابها إلا في علاقة بقوانين الأسرة وتحديدا بوضع النساء فيها، وفي المجتمع. أما عند شقّ آخر فهي رمز لنموذج خطا بثبات نحو ما يفرضه علينا وعينا باللحظة التاريخية التي نعيش. فرغم أنّ تاريخ المنطقة العربية يشهد بالمساهمة النشيطة للنساء منذ الفراعنة إلى “الجاهلية” مرورا بمرحلة بدايات الإسلام وإلى اليوم، اختار الشقّ النافي والطامس لهذه الحقيقة التاريخية، أن يحجب ذلك ويؤكد على اختزال وجود النساء في هذه الربوع في أداء مهمّة تأمين “التناسخ” للجنس البشريّ، وفي تغييب تامّ لما هو جوهر الإنسان –رجلا وامرأة- وعمقه أي العقل، بل معترفا بوظيفة بيولوجية واحدة وحيدة تقتصر منطقة فعلها بين أسفل البطن وفوق الركب.

وقد ألهمت التجربة التونسية في مجال حقوق النساء، ولمدة طويلة، من هم مهتمّون بإعادة التوازن لهذا الجسد المشلول عبر الدعوة لتحديث مجتمعاتنا. وفي سعي لطمأنة المتحفظين والرافضين، تمّ تقديم الأنموذج التونسي على أنّه خلاصة اجتهاد في التأليف بين الموروث والانتماء الهوياتي، والتطلع إلى ما هو حداثيّ عقلانيّ إنسانيّ. فهو لا يسلبنا ثقافتنا، بقدر ما يسلبنا بقاء الأمور على ما هي عليه جزءا هامّا ومهمّا من مجتمعنا أي النساء، واللاتي لا يمكن تغييبهن أو إقصائهنّ في أيّ مجهود وتوق لتحقيق تنمية أفضل للجميع، خصوصا بعد ما صدر في تقرير الأمم المتحدة عن التنمية في العالم العربي في ديسمبر 2006.1

وقد أكدت السلطات الرسمية التونسية منذ وضع مجلة الأحوال الشخصية في 1956 على هذا الارتباط عبر شيئين اثنين: أن ما ورد من أحكام تخصّ منع تعدّد الزوجات وغيرها، هو اجتهاد من داخل المنظومة الدينية2 وتأليف بين بعض المذاهب السنية في غالبها والمالكية في مجملها، في قراءة منفتحة واجتهاد محمود. أما الشيء الثاني وهو غير المصرح به، فهو الحفاظ على جملة من الآليات والأحكام التي لها عمقها “الشرعي” بالمعنى الديني من ذلك قوانين الإرث مثالا.

رغم ذلك لم تحرز التجربة التونسية على الصدى والإجماع لدى الأنظمة الرسمية في البلدان العربية، بما أنها بقيت يتيمة فريدة ووحيدة. وحتى اليمن، بعد توحيده سرعان ما تراجع عما ضمنه من تشريعات حامية للنساء زمن الانقسام إلى يمنين. غير أن حركة “القوى الرافضة” لهذه المظالم أحرزت بعض التقدم في إطار “التأليف بين المتضادات”، بل وضعت في بعض البلدان بعض التنقيحات التشريعية والتي يمكن أن تشكل “ممرّا” للعبور إلى انجازات أهمّ، من ذلك وضع شروط للتضييق من تعدّد الزوجات أو “فتحات” للتمهيد للحق في الطلاق مثلا، وهو ما حصل في التنقيحات الأخيرة في الجزائر والمغرب. 3

كما أنه، وبما أننا أسياد قراراتنا في بلداننا العربية، فإنّ ضغط المجتمع الدولي “أنظمة ومنظمات”، ساهم في خلق نوع من الحركية التشريعية “المشبوهة” و”المنافقة” بأن تمّ “فرض” المصادقة على جملة من المعاهدات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان، منها الاتفاقية الدولية للقضاء على كلّ أشكال التمييز ضدّ النساء.

وهنا “مربط الفرس” أو بيت القصيد، في تعبير أقلّ غلظة لما تحيل عليه كلمة “مربط”، أي الإسطبل، أي التقييد والعطونة والروائح الكريهة، و”فرس” أي مهرة، وما توحي به من جموح وحرية وانطلاق و… أكسيجين.

فالدولة التونسية حديثة العهد بالاستقلال، اختارت أن تكون في تواصل مع الحركة الإصلاحية بالعالم العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر أساسا بمصر وتونس والشام، وتحديدا في علاقة بحقوق النساء، وتكريسا لفكر الطاهر الحداد في مطلع القرن العشرين. فقد بادرت بالمصادقة على العديد من الاتفاقيات الدولية الداعمة لحقوق الإنسان والمساوية بين الرجال و النساء في مختلف المجالات، والمكرّسة للحقوق الاقتصادية والسياسية والمدنية وغيرها ودون تحفظ، وفي وجود الفصل الأوّل من الدستور التونسي الذي يحدد هوية البلاد، بتأكيده على أن الدولة التونسية دينها الإسلام ولغتها العربية. وتسارعت القوانين شاملة كلّ المجالات في مادّة العقود والالتزامات، والشغل، والتعليم، والصحّة، والقانون الجزائي، والقوانين الانتخابية وغيرها، لكن ذلك لم يمنع من الحفاظ على بعض “جيوب” التمييز أساسا في مادة الأحوال الشخصية، وفي مسائل مرتبطة بالسلطة الاقتصادية، في تصوّر ذكوريّ مستند على الدينيّ في مادة الإرث ورئاسة العائلة تحديدا.

وبداية من سنة 1985 بدأت الدولة التونسية تعيد ضبط إيقاعها التشريعي “التحديثي” على “سولفاج” التمويل الخليجي وانتشار ظاهرة الإسلام السياسي. ففي إطار التصالح مع “الهوية والانتماء” تمّ تقديم بعض التنازلات، وكانت من بوادرها المصادقة على الاتفاقية الدولية لإلغاء كلّ أشكال التمييز ضد النساء ولكن بتحفّظ، ولأوّل مرّة، على بعض الموادّ التي فيها مسّ بالفصل الأوّل من الدستور التونسي، أي الهوية العربية الإسلامية للبلاد… هكذا وفجأة، وبعد قرابة ثلاثين سنة من الاستقلال ووضع مجلة الأحوال الشخصية والدستور التونسي، يعاد اكتشاف هذا الفصل في قراءة جديدة والحال أنّه الشكل القانوني الأرقى لتحديد نشأة الدول الحديثة عموما وتحديدها نظام حكم وخيارات.4

طبعا لا يعد الأمر اكتشافا، بما أن نفوذ البيترودولار في بلدان المنطقة وبدء سطوته في أواخر السبعينات معلوم لدى الجميع. وطبعا لا نذيع سرا إن أكّدنا أنّ محاولة بورقيبة تمرير قانون حول المساواة في الإرث لاحقا اصطدم بالفيتو السعودي الصريح “في سريته” آنذاك، أمام تثبيت سطوة الاستثمار الخليجي عموما والسعودي أساسا منذ سنوات الانفتاح الاقتصادي في السبعينات وبعد فشل تجربة التعاضد في أواخر الستينات. ولن نتقول على التاريخ إذا ما أكّدنا تمزّق الدول العربية في جزء منها بين رغبة محتشمة في “تحديث” المجتمعات وضرورة تأمين اقتصاديات بلدان تميزت بالارتجالية في التخطيط والفساد والانتهازية في التعامل مع المعطى الديني في سعي دؤوب للحفاظ على الحكم حتى وإن هلك “المؤمنون والكافرون”…

وأمام تراجع دور الغرب في مدّه الفكري والمعرفي والثقافي والسياسي وحتى الإيديولوجي، في نهايات القرنين الماضيين، برغم ازدهار منحاه الاستعماري، وانكفائه على ذاته لمواجهة تناقضاته الداخلية في انغلاق هوياتي أيضا مع تعزيز للانفتاح الاقتصادي على بلداننا بغرض تصدير أزماته إلينا، وأمام فشل الدول العربية في ما بعد الاستقلال في تركيز أنظمة حداثية وديمقراطية، بل مضيّها في تركيز انغلاق سياسي في جدلية علاقتها بالسلطة من أجل الحفاظ عليها. أدى كل ذلك إلى تعريض الهامش الذي تحقق في بعض المجالات وأهمها، مجال حقوق النساء، إلى النسف أكثر من أي وقت مضى.

إن تنامي حركات الإسلام السياسي في بلداننا وانتعاشتها بسبب ضعف البناء الديمقراطي بها والوهن الفكري والسياسي، وتصاعد الأزمات الاقتصادية و انتشار وسائل الاتصال و تعددها بتشجيع من جهات تملك القدرة على التمويل لكنها تفتقد البديل التحديثي، إن لم نقل تقاومه، وانتعاشة وازدهار الارتباط بالتمويل السعودي في كل ذلك يؤدي إلى الخضوع لإملاءات هذا “التوجه الوهابي” السياسية والفكرية وغيرها.

فالسعودية بلد يعلم الجميع نوعية “الرؤى” والتوجهات التي تحكمه خاصة في مسألة حقوق النساء. فمن نافلة القول التذكير بأن السعودية لم تصادق على الاتفاقية الدولية لمقاومة كل أشكال التمييز ضدّ النساء وبتحفّظ عامّ إلا بعد واحد وعشرين سنة على صدورها أي في سنة 2000 وتحت ضغط دولي كلنا يعلم الجهة الفيصل فيه. والسعودية هي البلد الوحيد الذي لا يمكن للنساء فيه قيادة السيارات. والسعودية أيضا هي البلد الذي يصدر فيه كمّ هائل من الفتاوى حول النساء، آخرها منذ أسابيع تدعو وفدا فيه نساء سعوديات لعدم زيارة تونس خشية عليهن من عدوى “انفلونزا التحرّر”. والسعودية أيضا المموّل الرئيس لجملة من القنوات الفضائية والجرائد والمواقع الالكترونية وغيرها من الوسائط الإعلامية المروّجة لهذا الفكر والمشجعة له5. والسعودية أيضا المموّل السخيّ للاتحاد العربي للدرّاجات النارية الذي مقرّه بتونس ودورته الأولى ستعقد في مصر، ومنعت الرياضيات التونسيات من المشاركة فيه، إكراما للسعودية، وتجنّبا لإحراجها أو إغضابها، في رواية أخرى، حتى وإن غضبت التونسيات والتونسيون ممن كانوا إلى حد لحظة اتخاذ القرار غير معنيين بالشأن العام إلا في حدود الرجوع بميداليات وخفقان علم تونس في المسابقات الرياضية الدولية تعزيزا للمكاسب ورفعا لراية الوطن.

والسعودية أيضا تسببت في قرار الاتحاد الدولي بإلغاء “رالي حائل” هذا العام بعد ثلاث سنوات من انطلاقه بسبب رفضها السماح لمتسابق إماراتي بالمشاركة بعد أن اتّضح أنّ مساعدته روسية؟؟؟ والسعودية أيضا تطبق العقوبات الجسدية في جرائم الحدود، والسعودية تعامل الأجانب المشتغلين على أرضها وفق عقد الكفالة، وما تعنيه هذه المؤسسة قانونا من مصادرة واستنقاص في الأهلية القانونية والحقوق..

ليس هذا فحسب، بل إنّ مظاهر تنفّذ التوجّه الوهّابي والفكر المرتبط به، عبر ظهور موجة الإسلام السياسي وتأثيره في تونس مثلا، بدأت منذ بدايات الثمانينات وطالت مجالا كان في منأى عنه سابقا لتعلقه بالحقل المعرفي والفكري والثقافي المحض. فحتى الطاهر الحداد عندما أصدر كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” في 1930، ولئن هوجم من قبل جزء من مؤسسة جامع الزيتونة آنذاك، فإنّه لم تقع الدعوة إلى استباحة دمه. فأوّل بدايات محاكمة تمّت في نهاية الثمانينات تقريبا على خلفية دراسة تحليلية للجنس في الإسلام بمجلة أسبوعية ” Le Maghreb” في قسمها العربي، حيث تمّ رفع قضية ضدّ كل من الكاتب سليم دولة، والصحفي وزياد كريشان، وعمر صحابو مدير المجلة وقتها، ثم توقّفت التتبعات إثر صدور مقال صحفيّ حادّ بجريدة “لوموند” الفرنسية. ثم تلتها الحملة التي تعرّض إليها المفكّر والكاتب التونسي المعروف يوسف الصديق سنة 1990 إثر إصداره كتابا موجّها للأطفال تبسط فيه معاني القرآن باعتماد رسوم، وكان أن قامت صحيفة “القبس” وقتها بنشر مقال تحت عنوان “يوسف الصديق باحث تونسي وراءه أموال الصهاينة والصليبيين”، وكان أن تمّت مقاضاة الجريدة أمام القضاء الفرنسي من أجل الثلب والتشويه. وتوالت الحملات التكفيرية لكلّ من حاول نقد الموروث أو طرح قراءة جديدة له تعتمد مناهج علمية معرفية جديدة وحديثة لتتسارع وتيرتها في الآونة الأخيرة وتتسع دائرة “محاكم التفتيش” في سابقة خطيرة حدّ صدور فتوى في إهدار دم مجموعة من الباحثات والباحثين الجامعيين متكوّنة من ثلاثة وعشرين شخصا، عملت منذ التسعينات في مشروع أكاديميّ نتجت عنه سلسلة من الكتب في إطار “الإسلام واحدا ومتعددا”، وذلك بإشراف الأستاذ الجامعي والمفكر التونسي عبد المجيد الشرفي، وسمّت هذه المجموعة نفسها “ديوان لجنة تقصّي زنادقة العصر”.

ليس هذا فحسب، ذلك أنّ ثلّة من المفكّرات والباحثات التونسيات المشهود لهنّ بجدّية كتاباتهنّ وإسهاماتهنّ، وإن تعدّدت المداخل والمرجعيات، تشهدن منذ سنوات حملات تشويه وتكفير وتهديد لا يجب أن تؤخذ مأخذ الهزل، من بينهن رجاء بن سلامة، سلوى الشرفي، نائلة السليني، زهية جويرو. أمال القرامي، ألفة يوسف وغيرهن…

إن تنفّذ التمويل الوهّابي في العالم العربي وسيطرته على أهمّ عدد من وسائل الإعلام في ترويج موسّع لتوجّهاته التجهيلية، واهتراء الأنظمة السياسية وحيادها عن القيام بدورها في الحفاظ على مصالح رعاياها، أو عفوا، مشاريع مواطنيها، وانتشار سياسات الانغلاق وغياب الحوار ومصادرة حقّ وحرية التعبير والتفكير والمعتقد، أمر قد تعوّدناه ونحاول في جهد يوميّ و”سيزيفي” (نسبة إلى سيزيف) التصدّي له دون ملل، وبما أوتينا من إمكانات ذهنية وجسدية وغيرها، أما أن يتحوّل الأمر إلى اعتداء واضح ومباشر على سيادات الدول أو ما تبقّى منها، وتدخّل صارخ واستفزازيّ في مقوّمات أساسية تهمّنا نحن كتونسيات وتونسيين في درجة أولى، دفعنا وندفع ثمنها يوميا وبالخلوي فيناle cellulaire، فهو ما لن نقبله أبدا.

فالإجراء الاستباقي بمنع مشاركة الرياضيات التونسيات من المشاركة في مصر، أسوة بالسياسة الأمريكية الحربية الاستباقية تجنبا لإثارة حفيظة السعودية أمر لا يخلو من دلالات عدة:

– أولها نسف ما عرفت به تونس وفي الخطاب الرسمي أساسا من سبق في مجال حقوق النساء

ثانيها التعدي على ما تفترضه مقولة السيادة بما تعنيه من استقلالية في القرار وممارسته على أراضيها وإقليمها ورعاياها/مواطنيها.

ثالثها خرق وعدم احترام لمقولة النظام العام في المفهوم القانوني بما تعنيه من إجراء استثنائي حمائي للخيارات التشريعية وغيرها، في إطار ممارسة سيادة الدول على أقاليمها والأشخاص الحاملين لجنسيتها، و هي ليست مجرد تعلّة يمنع بمقتضاها المواطنون من حقّ التظاهر أو يحاكم على خلفيتها المفكرون عندما يراد لهم التنكيل بهم في محاولة للجم الأفواه والحناجر والأرجل إن دعت الضرورة.

رابعها الاستخفاف بنضالات وتضحيات جزء هامّ من أقطاب الفكر الحداثي والتقدمي في هذه البلدان، وأساسا تونس ومصر، والذي انطلق منذ بدايات انطلاق الفكر الإصلاحي في1850، وتواصل إلى اليوم رغم كلّ التشويهات والمحاكمات والتضييقات والاعتداءات.

خامسها تجاهل وازدراء لما حققته وتحققه وتناضل من أجله، الحركات والأحزاب التقدمية والحركات النسوية، خاصة في هذين البلدين، من أجل التكريس الفعلي للحقّ في المواطنة والمساواة والديمقراطية والحرية، في مجتمع تحترم فيه الذات الإنسانية؛ في اختلافها، وتعددها وتنوعها، وتفرّدها وتوحّدها، كشرط لأيّ مجهود تنمويّ عميق يتجاوز الشعار ليتجسّد على أرض الواقع.

سادسها صلف و عنجهية لا تأتي إلا ممن لا يستمد سلطته إلا من المال في قطيعة مع جوهر الإنسان والإنسانية ألا وهو العقل والمعرفة العقلانية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق