ستزول الرأسمالية في يوم من الأيام!

     نشر أحدهما قبل سنوات قليلة من الأزمة الاقتصادية الحالية كتابا يحمل عنوان “من أجل المزيد من النموّ الاقتصادي لألمانيا” في حين كتب الآخر حول “نهاية الرأسمالية كما نعرفها”. أجرى نوربرت فالتر المولود سنة 1944 وإلمار ألتفاتر المولود سنة 1938 حديثا لمجلة “تسايت غيشيشت” حول الأزمة المالية لخريف 2008 وتبعاتها وحول راهنية كارل ماركس.

يهتمّ الباحث السياسي إلمار ألتفاتر بالنظرية الماركسية منذ الستينات. التحق سنة 1968 بمعهد “أوتو زور” ببرلين ضمن “خلية المساعدة الاشتراكية” التي كانت بمثابة مركز أبحاث للحركات اليسارية غداة ثورة الطلاب.

     أما نوربرت فالتر فقد تحصل على دبلوم جامعي سنة 1968 ثم انتدب للعمل بـ”معهد أبحاث رأس المال” بفرانكفورت. وهو يشتغل اليوم بصياغة التكهنات بصفته كبير الخبراء الاقتصاديين بالدويتش بنك، مع أنّه أثار الاستغراب خلال شهر يونيو 2009 حين توقع أن يصل عدد العاطلين عن العمل بألمانيا خمسة ملايين أواخر سنة 2009.

 هل قرأت كتاب “رأس المال” سيد فالتر؟

نوربرت فالتر : بدأت التدريس بجامعة فرانكفورت في الثالثة والعشرين من عمري، قبل وقت طويل من دخولي إلى الدويتش بنك. كان ذلك سنة 1968، وقد تمّ لومي واتهامي بالاقتصار على تدريس الاقتصاديين البرجوازيين. توليت عندها تنظيم حلقة دراسية عن ماركس وهو ما دفعني إلى قراءة كتاب “رأس المال” بشكل معمّق. كانت تلك أكثر القراءات إزعاجا في حياتي. فالكتاب في فصول واسعة منه يبقى ببساطة غير مفهوم فضلا عن كونه مكتوبا بلغة ألمانية ضعيفة جدا.

إلمار ألتفاتر :  لا أستطيع الموافقة على ذلك إطلاقا. لقد وصف ماركس نفسه “رأس المال” بأنه عمل فني شامل، وهو وصف ليس خاطئا تماما، فهناك مقاطع تذكر بالأدب الراقي.

 ومتى قرأت أنت كتاب “رأس المال” للمرة الأولى؟

ألتفاتر : خلال أعياد الميلاد لسنة 1961.


حصلت عليه في شكل هدية؟

ألتفاتر : كلاّ، بل أقنعني صاحب مكتبة يساري بمونيخ حيث درست، بقراءة الكتاب. نصحني “بالمجلدات البنية” الثلاثة الصادرة في ألمانيا الشرقية، والتي يتيسر الحصول عليها بثمن زهيد يقدر عليه الطالب. كنت قد تجاوزت العشرين بقليل ولم يكن لديّ مال أصلا حيث لم أقدر حتى على العودة إلى منزل والديّ وهو ما أجبرني على البقاء في غرفتي الخالية من وسائل التدفئة. قرأت هناك “رأس المال” ولاحظت للأسف أنّ “برتولد برشت” على حقّ عندما قال إنّ فهم ماركس مكلف، فلا بدّ للمرء من شراء كتب أخرى حتى يفهمه على الوجه الصحيح.

اليوم وبعد خمسين سنة من ذلك نجد أنفسنا إزاء إحدى أشدّ الأزمات التي عرفتها الرأسمالية. ماذا يقول ماركس عن مثل هذه الأزمة؟

ألتفاتر : في المجلد الثالث من “رأس المال” وبالتحديد في الفصل الخامس منه يوجد مقطع مهمّ في هذا السياق تحت عنوان “رأس المال الحامل للفائدة” مخصص لمعالجة قطاع القرض في ذلك العصر. نجد هناك – إثر مقدمة لفريدريش انجلز- وصفا للأزمة الاقتصادية في أربعينات  القرن التاسع عشروخمسيناته. عندما يقرأ المرء ذلك مع تغيير التواريخ وبعض المعطيات الاقتصادية، سيبدو النص وكأنه كتب في أيامنا هذه. إنّ الأزمة الاقتصادية الحالية متفردة تاريخيا دون شك، ولكنها تشبه تماما في خطوطها الكبرى أزمات القرنين التاسع عشر والعشرين.

 ما الذي حصل يومها على وجه التدقيق؟

ألتفاتر : أمران تكاملا خلال الأزمة. من جهة ما وصفه ماركس باتجاه الربح إلى الانخفاض نظرا لأن حجم عائدات رأس المال المالي يرتفع مع الوقت مقارنة بالريع الحاصل في الاقتصاد العيني، أي مثلا لدى شركات صناعة السيارات أو شركات البناء. ومن جهة أخرى يسعى المستثمرون إلى مواصلة الحصول على أرباح مالية عالية بفضل أصناف جديدة من الأوراق المالية. غير أنّه بمجرد ملاحظة عجز الاقتصاد العيني على مجاراة ذلك النسق من الأرباح، تصبح الأوراق المالية غير ذات قيمة ويصل الأمر إلى الانهيار المالي. عندها تستمر الأزمة إلى أن يستعيد الاقتصاد العيني عافيته.

فالتر : كون الأمور في الأسواق المالية تتطوّر إلى مزايدات تتسبب فيما بعد في الأزمة، هو حقيقة واقعة دون شك.

 أنت بنفسك سيّد فالتر، ألفت كتابا منذ خمسة عشر سنة يحمل عنوان ” أقل دولة، أكثر سوق”. أظهرت الأزمة الاقتصادية الحالية أنّ السوق يمكن أن يخفق ، أم إنّ الأمر غير ذلك؟

فالتر : ذلك أيضا صحيح ، غير أنّي لا أحتاج إلى ماركس للوصول إلى تلك النتيجة .

ألتفاتر : من تحتاج إذن؟

فالتر : آدم سميث.

 وهو يستشهد به في الواقع دائما أنصار اقتصاد السوق الحرة .

فالتر : لقد أسّس سميث مفهوم التنافس الحرّ، ذلك صحيح. ولكنّه بيّن في كتابه “نظرية المشاعر الأخلاقية” المنشور سنة 1759، أي قبل ماركس بوقت طويل، كيف يمكن أن يؤدي الجشع أو انحراف غريزة حب الذات إلى أزمة كالتي نعيشها الآن. كما أنّ سميث قد لاحظ فوق ذلك أن السوق تحتاج في نشاطها إلى تنظيم الدولة وإشرافها وهو على وجه التدقيق ما غاب خلال الأزمة الحالية، وبسبب ذلك وحده برزت مظاهر الإفراط في الأسواق المالية. نعم، لقد أخفق السوق، ولكنّ الحكم نفسه ينطبق على الدولة.

ألتفاتر : فلتقل إذن إنّ هناك في نفس الوقت أزمة نظام ويترتب عن ذلك حاجة ماسة إلى إصلاحات جوهرية.

فالتر : هناك حاجة إلى تغيير الأوضاع، هذا ما أعتقده أنا بدوري. ولكنّ ذلك لا يعني أني أرغب في إلغاء نظام اقتصاد السوق. فأنا أعتقد بوجود حاجة إلى أشكال جديدة وأكثر صرامة من التنظيم خصوصا في الأسواق المالية.

 ولكن لماذا الآن تحديدا؟ نحن لا نعيش بأي حال أولى الأزمات المالية في عصرنا، فقد حدث خلال الثمانينات ما سمّي بأزمة ديون العالم الثالث، ثم تلتها أزمة المكسيك فأزمة آسيا ثم أزمة الاقتصاد الجديد. وقد أمضى معظم علماء الاقتصاد تلك السنين في تعديد مزايا السوق الحرة.

فالتر : أنا أعطيت الأولوية خلال السبعينات لسياسة تحرير الاقتصاد، يوم كانت الأسواق في أوروبا القارية وكذلك الأسواق المالية تواجه ضغوطا كبيرة. ثم تراجعت عن ذلك لاحقا، وكنت خلال الأزمة التي عرفتها بلدان آسيا، واحدا من بين قلة قليلة من الاقتصاديين الذين رحّبوا بتدخل حكومة هونغ كونغ. وأعتقد اليوم أنّ تدخلات الدولة مسموح بها عندما تفقد الأسواق المالية توازنها بسبب تصرفات خاطئة للمستثمرين.


ولكنّ الدويتش بنك لم تعرف إلى حدّ الآن على أنها من جماعات الضغط العاملة على المزيد من التنظيم ومن تدخل الدولة.


فالتر :
أنت مخطىء في ذلك. فرئيس الدويتش بنك “جوزف أكرمان” يتولى في نفس الوقت منذ سنوات عديدة رئاسة “المعهد الدولي للمالية” الذي قدّم مجموعة شاملة من المقترحات من أجل فرض إجراءات تنظيم جديدة في العالم. كان ذلك منذ الخريف الماضي (2008)، مباشرة بعد انهيار بنك الاستثمار الأمريكي “ليهمان بروذرز”. وقد وجدت كثير من النقاط المقترحة طريقها إلى طاولة المفاوضات الدولية حول تحقيق مراقبة أفضل للأسواق المالية.

ألتفاتر : ما نلاحظه لدى البنوك أمر مثير للدهشة. قبل نصف سنة فقط بدا أصحاب بنوك الاستثمار يعيشون حالة انهيار. غير أنهم الآن في منتهى العافية ويحققون من جديد أرباحا طائلة. وبالطبع فإن تلك الأرباح لا تعود إلى الدول رغم أنها اضطرت ساعتها وفي كل مكان من العالم إلى إنقاذ البنوك عبر ضخ الكثير من المال. كلاّ، فالأرباح يجنيها أصحاب الأسهم ورجال بنوك الاستثمار بأنفسهم في شكل مكافآت على الراتب . كلّ شيء عاد تقريبا إلى ما كان عليه من قبل. غير أنّ ذلك أصبح يعتبر غير لائق ليس فقط من جانب اليساريين بل أيضا عند المحافظين.

فالتر : مهلا ! إنّ عددا كبيرا من مدراء بنوك خاصة، ممن قادوا مؤسساتهم إلى مأزق، فقدوا مناصبهم. والمساهمون أي مستثمرو رأس المال، أصيبوا في حالات عديدة بخسائر دراماتيكية. وكذلك لدى البنوك التي ساهمت فيها الدولة منذ البداية أو التي أصبحت كذلك، تم استبدال القيادات، مثلما حصل مع ” بنك الصناعة الألماني ” أو “مؤسسة القرض لإعادة البناء” أو ” هيبو ريال استيت”. أي إنّ السوق عاقب المساهمين عامة على أخطائهم. ولكن هناك أيضا بالطبع شيء مما تقوله من أنّ البنوك حافظت ببساطة على أنشطتها التي قامت بها إلى حدّ الآن بمساعدة أموال الضرائب. لقد كانت الدولة في مثل هذه الحالات، بإرادة أو بغير إرادة منها، في وضع لا يسمح لها بممارسة تأثير حقيقي على توجهات تلك المؤسسات المالية. ليس ذلك أمرا يمكن تحمله. ولكني أعتقد أنّه من التقصير الاكتفاء بتسليط الضوء خلال الأزمة على مدراء البنوك وعلى أخطائهم.

على من ترى تسليط الضوء أيضا؟

فالتر : إننا لا نستطيع أن نحتجّ من ناحية على جشع المدراء وأن نتجاهل في ذات الوقت المتحايلين على شركات التأمين وسارقي الملايين وأناس آخرين تسبّبوا بسلوكهم في خسائر عالية للمجموعة. ينبغي أن تنطبق المبادئ الأخلاقية على الجميع، وإلاّ أصبحت غير مقبولة. أعتقد أنّه لا يمكن الدفاع عن فكرة اعتماد تأمين حماية قانونية وتأمين على المرض دون مساهمة الأفراد. هناك عقلية شائعة تتمثل في العيش على حساب الآخرين، وذلك أمر يجب علينا وضع حدّ له.

ألتفاتر : على المرء أن يرى أيضا أننا نعيش في مجتمع يكرم الفرادنية. الإعلانات والتربية، وكل شيء مؤسس على الفردانية التي يتم تصعيدها إلى مستوى الأنانية. وفي نهاية المطاف يظهر المتحيّل على شركات التأمين الذي أحتقره مثلك تماما.

سيّد فالتر، بقطع النظر عن كونك ترى أنّ “رأس المال” مكتوب بأسلوب سيّء، ما الذي يزعجك لدى ماركس إضافة إلى ذلك ؟

فالتر : تصوّره للإنسان والاعتقاد بأنّه ليس السوق بل أفراد يمثلون الدولة، هم الذين عليهم تسيير الاقتصاد وأنّ هؤلاء المسيّرين تحديدا هم على درجة خاصة من الذكاء ومن محبة البشر. ولكننا نجد أنّ البلدان التي تمت فيها محاولة تطبيق النظرية الماركسية، جرى فيها إهمال رغبات  الأفراد ومصالحهم بشكل غير مقبول مقارنة بجميع الأنظمة الأخرى.

ألتفاتر : تصوّر ماركس يتمثل في أنّه بمقدور البشر التحرّر والعودة إلى أنفسهم. هذا صحيح. أما فيما عدا ذلك فقد فهم الإنسان على أنّه قناع لطبائع معينة وعليه القيام بالدور الذي يطلبه منه النظام. ولذلك فإنّ تفسير الأزمة بجشع بعض المدراء غير كاف. هناك طبعا مدراء جشعون، مثلما يوجد في مجموعات مهنية أخرى أناس جشعون. ولكنّه لا يمكن للمرء اعتماد ذلك لتفسير فشل المنظومة، فالجشع يوجد أيضا في فترات خالية من الأزمة. ولذا فإنّ ماركس قد تأمّل طريقة اشتغال النظام وطرح السؤال التالي : ما هي قوانين التراكم. وما هي نتائجها بالنسبة للبشر، ماذا تعني البطالة وماذا يعني تحديد وقت العمل في مصنع معيّن، أو عندما لا يتمّ احترام أبسط شروط الوقاية الصحية بسبب التكاليف المالية. البعض يقتصر على القول إنّ هذا لم يعد راهنا من وجهة نظر عصرنا. ولكنّ ذلك غير صحيح فهو في الواقع شديد الراهنية.


سيّد ألتفاتر، هل شعرت بالرضا عن النفس عندما اندلعت الأزمة المالية خلال خريف سنة 2008؟

ألتفاتر : كلاّ .

 ذلك يميّزك عن ماركس الذي امتلأ فرحا، عندما تفجرت أزمة مالية عالمية سنة 1857.

ألتفاتر : بلى، فقد شعر بأنه محقّ في تصوّراته، ربما يكون ذلك شكلا قريبا من الرضا. شعرت أنا أيضا طبعا بأنّ ما قلته تأكّد.لقد نشرت كتابا سنة 2005 يحمل عنوان “نهاية الرأسمالية كما نعرفها”. تعرّضت في الكتاب إلى مسألة قابلية النظام الرأسمالي للتعرض للأزمة. ولكن لا ينبغي للمرء أن ينسى أنّ الأزمة لا تعني زوال الرأسمالية. وبالتحديد كدارس لماركس فإنني أعرف أنّه لم يطوّر نظرية لانهيار الرأسمالية، بل شدّد دائما على أنّ الأزمات تتخذ شكل فورات تشبيب، يمكن من خلالها للنظام أن يتغيّر وأن يتجدّد.

فالتر : من الوهم الاعتقاد بأنّ اقتصاد السوق يمكن أن يصل إلى حالة توازن نهائي لا تحدث فيها أزمات بعد ذلك. ستكون هناك دائما اضطرابات، وسنعيش بعض تلك الاضطرابات على أنها أزمات ولكن نتمنى أن لا تحدث أية أزمة قد تصل إلى درجة خطيرة بحيث يتعرض البشر فيها إلى مجاعة.

حسب معطيات الأمم المتحدة فإنّ ثمانية عشر ألف طفل يتعرضون يوميا للمجاعة. ألا تؤدي الأزمة إلى نوع من الأزمة الدائمة ؟

فالتر : لقد تعرض البشر للمجاعة قبل قدوم الرأسمالية. بل إنّ العكس هو الأرجح، إذ كلما تطورت الرأسمالية إلاّ وعمّت الرفاهية العالم. أما البلدان النامية التي سعت إلى الانغلاق أمام اقتصاد السوق العالمية فإنها لم تعرف تطوّرا يذكر وارتفعت فيها نسبة الفقر. أنا لا أريد الدفاع عن الرأسمالية، بالشكل الذي ظهرت فيه قبل أزمة الأسواق المالية، ولكني أدافع بالتأكيد عن مبدأ المنافسة. وفيما عدا ذلك فأنا بالمناسبة متحمّس كبير للفصل الرابع عشر من الدستور الألماني الذي يتمّ فيه التشديد على ضمان الملكية الفردية، ولكن مع إضافة “يترتب عن الملكية الفردية واجبات”.

ألتفاتر : عندما يتأمل المرء تاريخ الإنسانية، سيلاحظ أنّ جيل اليوم يعيش من الناحية المادية حالة أفضل من أي جيل سبقه. تلك إحدى مزايا الرأسمالية. غير أنّ أحفادنا لن يجدوا الأمور بمثل هذه السهولة إذا ما تواصل الأمر على ما هو عليه. فالتطور الحاصل إلى حدّ الآن ومنذ الثورة الصناعية قائم على الطاقة الاستخراجية مثل النفط والفحم الحجري والغاز، التي شكلت قوة الدفع للرأسمالية خلال المائتين والخمسين عاما المنقضية منذ آدم سميث. بدونهما لم يكن النموّ الاقتصادي ولا التجديد ممكنين. ولكن ما الذي سيحدث عندما يتم استنزاف النفط؟ هل سنترك طاولة فارغة من الأكل وراءنا ونقول : يا أبناءنا وأحفادنا الأعزاء، إن ما تبقّى فوق الطاولة لكم؟ تلك هي الأسئلة الحقيقية التي نقف إزاءها. يمكن للمرء تحمل الخسائر المالية الناجمة عن الأزمة الاقتصادية الحالية، ولكن هل يمكن لنا تعويض مصادر الطاقة الاستخراجية؟ هل إنّ نموذج الحراك الاقتصادي الذي نعتمده قابل للاستمرار؟ هل إنّ مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والريح والماء تمثل فعلا بديلا ؟


ماركس لم يطرح مثل تلك الأسئلة الايكولوجية ؟

ألتفاتر : غير صحيح. فنحن نجد من ناحية في كتاب “رأس المال” المقطع الشهير الذي يصف فيه ماركس تدمير الأرض والطبيعة بسبب أساليب التصنيع الزراعي. ومن ناحية أخرى فقد عاش في القرن التاسع عشر الاشتراكي الأوكراني “سرغي بودولنسكي” الذي يحاجج بأنّ أساس كلّ اقتصاد ليس العمل مثلما يعتقد ماركس، بل الطاقة. وحتى العمل لم يكن في نظره غير شكل آخر للطاقة. اهتم ماركس وخاصة انجلز بمجادلة هذه النظرية باسهاب ويمكن للمرء قراءة ذلك كما توجد رسائل متبادلة ذات أهمية في هذا الباب.

فالتر : أنا بدوري أعتقد أنّ الكثير من الناس، كما هو الأمر من قبل، ليسوا على وعي بدرجة خطورة الوضع الذي نعيشه من الناحية الايكولوجية. ومن أجل حلّ تلك المشاكل فإنّ الدولة مطالبة مرة أخرى بالتدخل مثلما هو الأمر فيما يتعلق بإصلاح الأسواق المالية. ولكني أشك في أنّ إجراءات منع أو عطاء هي الطريق الصحيح. وأقترح عوضا عن ذلك الاعتماد على آليات الأسعار، مثلا بجعل مصادر الطاقة الاستخراجية أغلى عبر فرض ضرائب، أو من خلال التجارة في الغازات المنبعثة لوضع تحفيزات أقوى والاكتفاء بطاقة أقل وأنظف.

 لقد تمّ التنبؤ دائما بموت الرأسمالية، ولم يكن ماركس آخر المتنبئين، ورغم ذلك فهي مازالت موجودة. كيف يمكن تفسير هذا الأمر ؟

ألتفاتر : لقد انطلق ماركس من كون الرأسمالية شكلا اجتماعيا زائلا. اعتقد مرات، وهو شاهد على أزمات شديدة، أن انهيار الرأسمالية وشيك. وكان عليه بعد ذلك تصويب نفسه. وعوّل انجلز إثر موت ماركس على الديموقراطية وعلى البرلمان حين تصوّر أنّ الاشتراكية يمكن تطبيقها من خلال الإصلاح بدل الثورة. ولكنّ الأمر الحاسم في ذلك هو معرفتنا بأنّ الرأسمالية موجودة منذ بضعة قرون بأوروبا ومنذ بضعة عقود في مناطق كثيرة أخرى من العالم. وهي بالتأكيد لن تدوم بشكل أبديّ. ستزول في يوم من الأيام، وهناك منذ الآن بدائل ونماذج لاقتصاديات مستدامة ومتضامنة.

فالتر : تتأسس الرأسمالية على فكرة أنّ البشر مبدعون وأنهم أفراد وأنّ كل شخص مختلف يمكن أن تكون له مواهب. وهي بهذا المعنى متجذرة في الموروث الإنساني. ولذلك أعتقد أننا سنتمكن من تقديم إجابات على التحديات المستقبلية الكبرى بالاستناد إلى اقتصاد السوق، سواء أكانت في استغلال طاقة المياه أو في استعمال الطاقة الشمسية. الرأسمالية ستستمرّ. أنا متفائل بهذا الشأن.

العنوان الأصلي للمقال : « Irgendwann wird der Kapitalismus vorbei sein »
ونشر في مجلة : Zeit Geschichte الألمانية، العدد 3، لسنة 2009 ( تصدر كلّ ثلاثة أشهر)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق